المكتبة الإلكترونيّة مكتبة تحميل كتب PDF مجانًا مكتبة تضم آلاف الكتب الإلكترونية العربية والمترجمة والروايات والقصص والكتب الإسلامية والتنمية البشرية وكتب الفلسفة والمنطق وآلاف من الكتب الاخرى

قراءة رواية ارض زيكولا – 20 فصل كاملة

53

قراءة رواية ارض زيكولا

قراءة رواية ارض زيكولا
قراءة رواية ارض زيكولا


الكتاب: أرض زيكولا
المؤلف: عمرو عبد الحميد
تدقيق لغوي وتجهيز فني: سارة صلاح
رقم الإيداع:2010/19834
ISBN: 978-977-6382-39-8



رواية أرض زيكولا

رواية ارض زيكولا الفصل الأول

(1)

رواية ارض زيكولا يقولون الحب أعمى .. وهو يقول أصابني العمى حين أحببت.. ولكن ماذا يفعل..
ها هو قد أحب وحدث ما حدث.. وها هو يجلس كل يوم في حجرته ليكتب مجددا:
” أنا خالد حسني.. ثمانية وعشرون عاما.. خريج كلية تجارة القاهرة منذ ستة
أعوام.. بلدي يسمى “البهو فريك” تابع لمحافظة الدقهلية.. واليوم ترفض زواجي
بحبيبتي للمرة الثامنة.. ولنفس السبب ..”
ثم نظر إلى الحائط.. وقام بتعليق الورقة بجوار سبعة ورقات أخريات، بدت أنها
علقت في أوقات سابقة..
الورقة الأولى كتب بها اسمه وسنه وبلده وبها: “رفض زواجي بحبيبتي اليوم”
وبجوارها ورقة ثانية بها: “رفضت للمرة الثانية”.. والورقة الثالثة بها رفضه للمرة الثالثة.. وهكذا حتى الورقة السابعة..
***

( رواية ارض زيكولا )
بعدها أسند ظهره للخلف ونظر للأعلى، وعادت به ذكرياته إلى ما قبل ستة أعوام
مضت حين كان يدرس بالسنة الأخيرة بالجامعة.. وشاءت الأقدار أن يتعرف على
(منی) ابنة بلدته، صدفة، في طريقهما من البلدة إلى جامعته بالقاهرة.. وزادت
فرحته حين علم أنها تدرس بنفس الكلية في عامها الأول بالجامعة.. ومن يومها وقد
تعددت صدف لقاءاتهما كثيرا، سواء بقصد أو دون قصد..
حتى أفاق من ذكرياته وزفر زفرة قوية حين نظر إلى ورقة كبيرة علقها على الحائط
أسفل الثماني ورقات كتب عليها: “رفضت لنفس السبب.. والد مني المجنون”.
***

( رواية ارض زيكولا )


كان خالد إن سمع كلمة مجنون دائما يتذكر والد منی .. و
. ولا أعتقد أنه خالد فقط
بل جميع أهل البلدة.. ولكنه أكثر من عرف جنونه؛ فمنذ أن أنهى دراسته وعزم
على أن يتقدم للزواج من منى حتى فوجئ به – في أول زيارة لخطبتها ينظر إليه
بغرابة ويسأله:
– أنت عايز تتجوز منى ؟!
– أيوة
فسأله مجددا:
– وانت عملت إيه في حياتك؟!
فازداد وجه خالد احمرارا، واضطرب كأنه لم يتوقع سؤاله.. حتى رد:
– عملت إيه في حياتي؟!. الحقيقة، أنا خريج كلية تجارة جامعة القاهرة.. وحضرتك
عارف إن والدي توفاهما الله وأنا صغير وعايش مع جدي .. ومعفي من جيش..
وحاليا بدور عن وظيفة مناسبة..
فقاطعه :
– وتفرق إيه عن غيرك عشان أجوزك بنتي؟!!..
ثم أنهى المقابلة بالرفض..
***

( رواية ارض زيكولا )

6
اعتقد خالد وقتها أن سبب رفضه للمرة الأولى أنه لم يجد الوظيفة المناسبة،
ولكنه تأكد أن السبب ربما يكون غير ذلك تماما حين وجد عملا وتوجه لخطبة
منى مجددا.. حتى قوبل بالرفض للمرة الثانية ونفس سؤال الأب.. ماذا فعلت في
حياتك.. وفيم تختلف عن غيرك.. هذا السؤال الذي لم يجد له إجابة مستوفاة
حتى المرة الثامنة لطلبة الزواج ، ولم يراع في كل مرة حب خالد لابنته أو حب ابنته
اله.. حتى فاض به الكيل في تلك المرة وصاح به:
– أنا معملتش حاجة في حياتي.. أعمل إيه يعني؟!!.. عارف إنك حاربت في 73..
شايف إن ده سبب يخليك تذلنا؟ !.. طب انت عايز ابنتك بطل.. قولي أبقى بطل
ازاي.. أروح أحارب في العراق عشان تنبسط؟ !!.. ثم نظر إليه، وظهر الغضب في
عينيه:

( رواية ارض زيكولا )
– هتجوز منى يعني هتجوزها.. غصب عنك هتجوزها.
البلدة كلها تعرف غرابة أطوار هذا الرجل .. يريد أن يزوج ابنته الوحيدة لشخص
فريد من نوعه.. أي فريد هذا؟ .. لا أحد يعلم.. الكل يعلم أن مصير ابنته العنوسة
لا غير.. طالما أبوها ذلك الرجل.. ومع هذا لم يطرق الاستسلام قلب خالد، ولم
يعد بباله سوى هذا الشيء الذي يجعله فريدا من نوعه، ويجعله يستحق مني كما
يريد أبوها.. لكن ما هو؟!.. لايعلم، فلم يجد سوى أن يتوجه بالدعاء إلى الله أن
يأخذ أباها..
***

( رواية ارض زيكولا )


رغم أن خالدا كان يتسم بخفة الظل والروح المبهجة، إلا أن حبه لمنى ورفض أبها
الدائم له، جعل وشاحا دائما على وجهه.. حتى لاحظ جده – والذي كان
يقترب من عامه الثمانين، وكانا يعيشان سويا منذ وفاة والدي خالد – حزنه الشديد
بعد رفضه تلك المرة، واقترب منه وسأله :
– انت لسه زعلان؟.. انت المفروض خلاص اتعودت ..

( رواية ارض زيكولا )
7

رد خالد:
– مش متخيل إني أشوفها لحد غيري.. ومش عارف أبوها عايز إيه.. مش عارف إن
زمن المعجزات انتهی ..
– وانت هتقعد جنبي كده حاطط إيدك على خدك؟!
– طب هعمل إيه؟
ضحك الجد مداعبا له :
. لا.. انت أحسنلك تدفن نفسك في سرداب..
فلمعت عينا خالد.. وكأنه تذكر شيئا ما:
– السرداب..كاليل
وأكمل:
– جدي.. انت فاكر لما كنت صغير، وكنت لما أعيط تحكيلي عن قصة السرداب
الموجود تحت بلدنا.. وإنك نزلته من أكثر من خمسين سنة؟
رد جده مبتسما:
– أيوة طبعا فاكر لما كنت بتعيط.. تحب أفكرك بأيامك..
ضحك خالد :
– لا.. تحكيلي عن السرداب.. ونزولكم له.
فصمت جده متذكرا :
– یااه.. دي أيام فاتت من زمن.. كنا أربع شبان بنحب الشقاوة.. وسمعنا كلام كتير
عن كنز موجود في سرداب بيعدي تحت بلدنا.. وإن السرداب ده زمان كان مخزن
كبير للأغنياء وقت أي غزو..

8

( رواية ارض زيكولا )

– الكل كان عارف إن السرداب موجود فعلا.
.. بس محدش جرب ينزله لأنه مسکون
بالعفاريت، وإن اللي هينزله مش هيخرج منه.. بس احنا رمينا الكلام ده ورا ضهرنا..
وقلنا لازم ننزل..
كنا عارفين إن باب السرداب موجود في بيت مهجور في البلد.. وان هناك صخرة
كبيرة موجودة على الباب ده.. و وفي ليلة توكلنا على الله.. ورحنا للبيت ده في السر،
وقدرنا نحرك الصخرة وبدأنا ننزل واحد ورا التاني.. ومع كل واحد فينا لمبة جاز..


وبعد ما نزلنا سلم طويل لقينا نفسنا في نفق.. ومشينا کام خطوة في النفق ده لحد
ما بقينا مش قادرين ناخد نفسنا.. وفجأة انطفت لمبات الجاز كلها في وقت واحد..
وصرخ واحد فينا: “عفريت”.. وبعدها كل واحد خد ديله في سنانه.. ورجعنا جري
على برة.. وركبنا بتخبط في بعضها.. ومن وقتها ومحدش فكر إنه ينزل هناك.
فضحك خالد :
– بس هتفضل ذكرى حلوة.. كفاية إنكم مخفتوش تنزلوا.. حتى لو أخدتوا دیلكم
في سنانكم.. فعقد جده حاجبيه مازحا:
متقولش لحد حكاية ديلنا دي..
***

( رواية ارض زيكولا )
بعدها عاد خالد إلى حجرته.. وحاول أن ينام، ولكنه لم يغمض له جفن.. يفكر
كثيرا فيما أخبره به جده.. هو يعلم أن ما سمعه يبدو أسطورة.. ولكن السرداب
موجود بالفعل، وجده لا يكذب قط.. ثم نظر فجأة إلى الورقة المكتوب بها سبب
رفض والد منی.. يريد . شخصا فريدا.. شخصا يرضي جنونه.. وحدث نفسه..
أنه لن يتزوج غير مني وإلا فلن يتزوج.. ثم علا صوته:
– فيها إيه لو نزلت السرداب.. إفرض كان فيه كنز موجود فعلا..
ثم صمت، وتحدث لنفسه وكأن شخصا آخر يحدثه :

( رواية ارض زيكولا )

9
– کنز إيه؟.. ده كلام مجانين.. متنساش إن السرداب مسكون عفاريت وأشباح.. ثم
عاد مجددا:
– لو كنت جبان يبقى متستحقش مني.. انت عاجبك حياتك كده.. خريج كلية تجارة
وشغلك ملوش أي صلة بالتجارة.. درست أربع سنين عشان تخرج تشتغل في مخزن
أدوية.. ولولا إنك عايش مع جدك كان زمان مرتبك خلصان نص الشهر.. لو كنت
بتحب مني إثبت لنفسك ولها إنك بتحبها فعلا..
– لو لقيت الكنز ده هتكون أشهر واحد في البلد دي.. لا في مصر.. الأفي العلم كله.
لو ملقتوش ، كفاية إنك حاولت..
ثم انتفض من سريره.. وأخرج صورة لمنى.. ونظر إليها قائلا:
– أنا هنزل السرداب ده.. هنزل مهما حصل.. وإن كان أبوكي مجنون.. فأنا أوقات
كتيرة بكون الجنون نفسه..
***
10

رواية ارض زيكولا الفصل الثاني

ارض زيكولا
ارض زيكولا

(2)
كان خالد يظن أنه يتحدث إلى نفسه وحيدا.. ولم يكن يعلم أن هناك من يسمع
حديثه إلى نفسه بصوت عالي خارج الحجرة.. حيث وقف جده مجاورا لباب
الحجرة يستمع إلى ما حدث به نفسه.. ورغم هذا لم تب على وجهه أي دهشة،
وكأن ما سمعه من حديثه عن نزوله السرداب أمر لم يمثل له أي اختلاف، بل بدا
كأنه أمر توقع حدوثه.. وظل واقفا حتى صمت خالد، وأغلقت أنوار حجرته، وساد
الهدوء المكان، لم يقطعه إلا هذا الصوت المميز الذي يعلمه جيدا حين ينام
حفيده ..
***

( رواية ارض زيكولا )

بعدها غادر متكئا على عصاه إلى حجرته حيث جلس صامتا على أريكته لدقائق
ثم حرك عصاه ليجذب بها صندوقا خشبيا صغيرا بدا عتيقا وفتحه، وأخرج منه
ألبوم ) قديما للصور طى بالكثير من الأتربة.. وبعدما أزاح عنه الأتربة بدأ يقلب
في صفحاته صفحة تلو الأخرى ، ويشاهد ما به من صور.. حتی توقف كثيرا عند
إحداها..
***

( رواية ارض زيكولا )

11
في اليوم التالي استيقظ كل من خالد وجده مبكرا كما تعودا دائما، فخالد لديه
عمله المبكر، وجده لا ينام بعد صلاة الفجر، ويظل يقرأ في كتاب الله حتى ينهض
خالد فيتناولا إفطارهما سوا.. والذي تعده لهما فتاة تسكن بجوارهما، قد
اعتادت على هذا منذ سنوات.. حتى جلس خالد وكان ينظر إلى جده بين الحين
والأخر وكأنه يريد أن يخبره بشيء.. حتى قطع صمته، وسأل جده:
– عبدو ( كما كان يحب أن يناديه ).. انت تقدر تعيش لوحدك؟
فنظر إليه جده.. وأظهر أنه لا يفقه سؤاله:
– انت عايز تسافر ولا إيه؟!
صمت خالد.. ثم نظر إليه مجددا:

( رواية ارض زيكولا )

– لو سافرت لفترة قليلة. تقدر تعيش لوحدك؟ ثم أكمل وكأنه يوضح كلامه:
– أنا عارف إن كلامي صدمة ليك.. بس انا قررت إني أسيب البلد لفترة.. وأقسم لك
إني هرجع في أسرع وقت.. ومش هتحس بغيابي.. ثم حاول أن يبرر حديثه:
– أنا هسافر أي مكان ألاقي فيه نفسي.. أحس فيه بوجودي.. انت عارف ابن ابنك
خريج كلية التجارة بيشتغل إيه؟
– أه.. شغال في مخزن أدوية..
– ابن ابنك شغال شال في مخزن أدوية.. شال.. هات الكرتونة دي حطها هنا.. خد
الكرتونة دي ودها هناك..
ثم هم بالوقوف ليغادر.. وقال لجده:
– هسافر فترة مش طويلة.. ثم التفت خارجا، حتى أوقفته کلمات جده :
– انت ليه بتكدب یا خالد؟!.. انت ليه مش عاوز تعرفني إنك عاوز تنزل السرداب ؟!

( رواية ارض زيكولا )

12
كانت تلك الكلمات كالصاعقة التي وجهت إلى خالد بعدما اختلق رغبته في السفر
الفترة كي لا يعلم جده بذلك ، ويظن أنه أصيب بالجنون.. ولم يعلم كيف عرف جده
بنيته.. فنظر إليه مرتبگا:
– سرداب؟!.. انت عرفت منين؟ !!.. أقصد سرداب إيه.. وكلام فاضي إيه..
فأكمل جدة:
– عرفت من زمان.. من زمان جدا.. ثم أمره بالجلوس مجددا.. وسأله في جدية:
– انت عاوز تنزل السرداب ليه؟


صمت خالد.. ثم تحدث محاولا أن يجعل الحديث مزحة:
– انت ليه مصمم على حكاية السرداب دی.. أنا بقولك أنا هسافر..
أعاد جده سؤاله: خالد.. انت عاوز تنزل السرداب ليه؟
فلم يجد مفرا وأخرج زفيرا طويلا، وأجاب:
– عايز أنزل عشان أثبت لمنى وأبوها إني بطل.. إني مختلف عن غيري..
فسأله جده:
– بس؟
فأجابه في تعجب:
– أيوة بس.. وأكمل:
– ومين عارف، يمكن ألاقي الكنز اللي انتوا كنتوا نزلتوا قبل كده عشانه..
فكرر جده سؤاله:
. بس؟

( رواية ارض زيكولا )

13
– أيوة.
فقال جده في جدية:
– انت مش عايز تنزل عشان كده..
فنظر إليه خالد متعجبا من الجدية التي لم يرها على وجهه من قبل.. حتى أكمل
جاده
– إفرض إن مني اتجوزت حد تاني، هتنزل السرداب ولا لا؟
فصمت خالد.. و أكمل جده:
– عمري ما هصدق إنك عايز تنزل عشان مني .. انت عايز تنزل لسبب تاني تماما..
سبب نزولى ونزول غيري.. السبب اللي بيجري في دمنا.. دمى، ودمك ، ودم أبوك..
السبب هو حبنا للمجهول.. حبنا للتمرد.. حبنا لاكتشاف حاجة جديدة.. حبنا
للاختلاف.. وأردف:

( رواية ارض زيكولا )

– لما كنت صغير كنت بحكيلك عن السرداب وانت بتعيط.. ويمكن كنت بتبص لها
إنها مجرد حكاية عشان أسكتك بيها، لكن صدقني كنت عارف إن هيجي يوم وتكبر
وأحكيلك من تاني عن السرداب.. مجرد حكاية صغيرة عنه وهتنتفض من جواك.
وتابع:
– ما انت ياما رفضك أبو منى.. وكنت عارف سبب رفضه.. إشمعنى المرة دي اللي
حبيت تكون بطل.. لحد ما جه اليوم ده امبارح، وحصل جواك نفس اللي حصل
الأبوك يوم ما حكيت له عن السرداب.. بس الفرق إني عرفت إنك عايز تنزله، أما
هو راح فجأة..
فقاطعه خالد :
– أبويا نزل السرداب ؟!

( رواية ارض زيكولا )

14
فأجابه:
– مش أبوك لوحده.. أبوك وأخد أمك معاه.. كانوا فاكرين إنهم هيروحوا رحلة
صغيرة ويرجعوا.. عشان كده سابوك وانت ابن سنتين.. وقالوا راجعين بعد أيام..
لكن الأيام بقت شهور، والشہور بقت سنين، والسنين فاتت ومرجعوش.. والبلد
كلها عرفت إنهم ماتوا في حادثة.. والكل شكر ربنا إنك مكنتش معاهم ونجيت من
الحادثة دي.. لكن الحقيقة إنهم نزلوا السرداب.
ثم تند وأكمل:

( رواية ارض زيكولا )

– عمري ما أثبتهم على كده.. بقول لنفسي ما انت كمان نزلت السرداب وكنت فخور
بنفسك.. بس الفرق إن ربنا نجاك
ثم نظر إلى خالد:
– عشان كده عمرى ما هزعل إنك كمان تنزل السرداب.. حتى لو كنت عارف إن
قرارك ده ممكن يبعدك عني.. بس لازم تكون متأكد إنك نازل من جواك انت.. مش
نازل لسبب ووهمي
حاطه لنفسك هومنی..
وهم بالوقوف.. ومشي بضع خطوات معطيا خالدا ظهره:
– ساعة ماتقرر قولي.. لأن لسه كلام كتير عن سرداب فوريك، حد غيري هيقوله لك..
***

( رواية ارض زيكولا )

بعدها غادر خالد، ولم يتجه إلى عمله كما كان يذهب كل يوم، بل توجه لمقابلة مني
بعدما هاتفته، وطلبت مقابلته بأحد الأماكن داخل جامعة المنصورة.. حيث كانا
يلتقيان دائما.. وفي طريقه لم يشغل باله سوى حديث جده إليه.. وهل يرغب في
نزول السرداب حبا لمنى أم حبا للمغامرة.. ثم تذكر حديث جده عن والديه اللذين
لا يعلم عن هيئتهما شيئا.. فقد وجد نفسه دائما مع جده، ولم ير صورة واحدة


15
الأبيه أو أمه.. لم يساعده على تخيلهما إلا كلمات بعض أقاربه.. أنه طويل مثل أبيه،
فقد كان تقريبا في مثل طول أبيه الذي يبلغ أكثر من مائة وثمانين من
السنتيمترات.. كما كانوا يقولون له، وكتفاه العريضان والبينة القوية.. هذه
أشياء يقولون أنه شابه أباه فيها.. أما أقارب أمه فطالما أخبروه أن شعره الأسود
الداكن وابتسامته الدائمة يظلان شبها دائما بينه وبين
أمه..
***

( رواية ارض زيكولا )

بعدها عاد بتفكيره إلى ذلك الرجل الذي أخبره جده أن لديه كلاما كثيرا عن
السرداب.. وهذا الاسم الذي سمعه لأول مرة.. سرداب (فوريك).. وظل تفكيره
منشغلا، حتى وصل إلى المكان الذي كان يقصده لملاقاة منى.. فوجدها في انتظاره
بحجابها المميز وألوانه المتعددة، وعباءتها السمراء التي طالما داعها وأخبرها أنه
يتشاءم حين تقابله بتلك العباءة.. فنظر إليها بابتسامة فلم تبتسم كعادتها،
وقالت:
– أنا متأسفة إن بابا عمل معاك كده للمرة الثامنة.. فضحك :

( رواية ارض زيكولا )

. لا.. أنا خلاص اتعودت.. أنا بقيت مفضوح في البلد أساسا.. الناس بتقول عليا
إني ضربت الرقم القياسي في رفض جوازك بيا.. وإني المفروض أدخل موسوعة
جينيس.. قال تلك الكلمات كي يخرجها من حالة الحزن التي وجدها بها.. ولكن دون
فائدة فأكملت:
– أنا كنت مفكرة زيك إن بابا عاوز حد مختلف.. بس للأسف بابا اتغير فجأة ..
اندهش خالد:
– يعني إيه اتغير؟!!
أجابته:

( رواية ارض زيكولا )

16
– فيه دكتور اتقدم لبابا عشان يتجوزني.. وطبعا أنا كنت متأكدة إن بابا هيرفض
بس فوجئت إنه وافق..
فصاح بها:
– إيه.. وافق ؟!!
– آه.. وافق ومصر إني اتجوزه.. وتساقطت بعض دموعها بينما شرد خالد
– وأنا؟
– حاولت اتكلم معاه بخصوص حبي ليك.. فضربني على وشي.. وقال إنه عارف
مصلحتي أكتر مني.. وإن مستقبلي مضمون مع الدكتور.. وإني هتعب معاك..
***

( رواية ارض زيكولا )

كانت من تتحدث، واختلط حديثها بدموعها.. وخالد ينصت لها لا يصدق ما تسمعه أذناه.. ماذا يريد هذا الأب المجنون؟ كان يخبره بأنه يريد لابنته شخصا
فريدا من نوعه.. ولكن يبدو أنه كان يريد أي شخص إلا خالد حسني.. أنا.. هل
يضيع حب تلك السنوات بين عشية وضحاها؟!.. إنه لم يحب في حياته مثلما
أحبها.. ولماذا لم تعترض هي على قرار أبيها؟ !.. هل استسلمت خوفا من عنوستها؟..

( رواية ارض زيكولا )

كلها أسئلة دارت في ذهنه بينما كانت تتحدث، حتى طلبت منه الرحيل كي لا تتأخر
عودتها إلى منزلها.. وكأنها تهرب من لقائه.. فابتسم ساخرا مشيرا لها بيده أن ترحل
دون أن ينطق .. وكانت المرة الأولى التي يتركها ترحل بمفردها.. وجلس بمكانه ينظر
إليها وهي تغادر، وكأنها المرة الأخيرة التي يراها بها، ويخنقه هذا الضيق الذي يشعر
به.. تلك هي المرة الأولى التي يشعر معها بالهزيمة.. إحساس لم يجتحه من قبل.. لم
ينتبه في أي مرة تقدم إليها لخطبتها ورفض بها.. كان يعلم أن هناك ما يدعى الأمل
حتى لو تقدم إليها مائة مرة حتى يقبل أبوها..
يتذكر تحمله لنظرات الناس إليه، وسخريتهم منه حين كان يخبرهم بأنه سيتزوجها
ذات يوم، وستبقى قصة حب يخلدها التاريخ.. كان يظن نفسه أحمق حين طلب

( رواية ارض زيكولا )

17
منها ذات مرة أن يتزوجها دون معرفة أبيها فرفضت، ودام خصامهما لمدة طويلة
حتى اعتذر منها مجددا.. ولكنه أكثر حماقة الأن.. إنها ستوافق على ذلك الطبيب
كما وافق أبوها.. ربما أرادت أن تقابلني تلك المرة كي ترضي ضميرها فقط لا غير..
هكذا حدث نفسه.. حب سنوات يذوب كقطعة جليد في ثواني قليلة..
حتى قطع شروده صوت رنين هاتفه.. وحين قام بالرد، وجد صاحب العمل الذي
يعمل لديه يوبخه لتغيبه، فلم يتمالك أعصابه، وأخبره أنه لن يعمل لديه مجددا..
وأغلق الخط على الفور..
***

( رواية ارض زيكولا )

بعدها عاد إلى بلدته.. يمشي في شوارعها مطأطئ الرأس.. يشعر بطعم الهزيمة في
حلقه.. لا يريد أن يتحدث إلى أحد.. حتى وصل إلى بيته، ودخل غرفته ثم نظر إلى
حوائطها المغطاة بتلك الأوراق التي كان يعلقها دائما. أوراق طلبه للزواج من منى
ورفضه في الثماني مرات، ووقف أمام كل ورقة على حدة ينظر إليها وهو يسخر
من نفسه.. ويضحك بصوت عالي كأنه أصابه الجنون ثم قام بتمزيقها جميعا،
وجلس على أرضية الغرفة واضعا رأسه بين يديه.. سابا في ذكرياته مجددا، حتى
انتفض ذاهبا إلى حجرة جده.. فوجده قد أنهى صلاته.. فسأله:
– انت قلت لي إن فيه حد عنده كلام كتير عن السرداب..
فرد جده في هدوء:
– انت خلاص قررت؟
– أيوة.. أنا عايز أنزل السرداب .
– عشان منی؟!
تمالك خالد نفسه:
– مغنى خلاص راحت من إيدي.. وخلاص سيبت شغلي.. ولازم أنزل..

( رواية ارض زيكولا )

18
ثم أكمل:
. لازم ألاقي حاجة واحدة في حياتي أقدر أحكيها لولادي من بعدي.. عايز أحس مرة
واحدة إني بطل قدام نفسي.. إحساسي بفشلي بيقتلني..
فسأله جده :
– مش خايف إنك مترجعش زي أبوك وأمك؟
فأجابه:
– صدقني.. الحاجة الوحيدة اللي كنت خايف عليها.. إني أسيبك لوحدك، لكن
طالما انت بتشجعني، مفيش مكان لأي خوف في قلبي..
فابتسم جده:
– والعفاريت.. والأشباح وإنه مسکون ؟

( رواية ارض زيكولا )

– معتقدش إني هلاقي عفريت أصعب من بني آدم.. أنا خلاص قررت إني هنزل .. وكان
عندك حق لما قلت لي إن منى مش هي السبب.. بالعكس بعد ما منی راحت من إيدي
بلحظات، زاد حبي
للنزول أكتر من الأول.. يمكن ألاقي في السرداب الذكرى اللي
تخليني أقدر أنسى إهانة ست سنوات لنفسي.. ثم سأل جده:
– مين الراجل ده.. وفين ألاقيه.. فابتسم جده:
– اطمن .. هو سمع كل كلامنا.. ويمكن اتأكد إنك عاوز تنزل السرداب فعلا..
***

( رواية ارض زيكولا )

نظر خالد إلى جده مندهشا وكأنه لا يفهم شيئا حين دخل عليهما رجل عجوز
يقترب في سنه من جده.. وعلى الفور تحدث جده، وأشار إلى العجوز :
– أعرفك بمجنون السرداب.. أكيد تعرفه..
نظر إليه خالد :
19
( رواية ارض زيكولا )

– أيوة طبعا.. الحاج مصطفى أصلان !!
فأكمل جده :
– مصطفي كان أول واحد فكر إنه ينزل السرداب من خمسين سنة.. وكنا مسمينه
مجنون السرداب.. وكان دايما يقول إن عنده معلومات محدش يعرفها عن
السرداب، ومستني اليوم اللي يقرر فيه حد ينزله.. بعد ما أبوك وأمك مرجعوش..
ثم تركهما كي يكملا حديثهما بمفردهما..
***

( رواية ارض زيكولا )

نظر خالد إلى هذا العجوز.. وتعجب مما قاله جده؛ فإنه يعرفه منذ سنوات
عديدة.. ولم يعلم أنه مجنون السرداب الذي طالما سمع جده يتحدث عنه وهو
صغير.. حتى قطع صمته العجوز :
– جدك حكى لي أد إيه انت عاوز تنزل سرداب فوريك.. وأنا اتأكدت دلوقت..
– أيوة.. بس أنا أول مرة أسمع إن السرداب اسمه سرداب فوريك..
( رواية ارض زيكولا )


تابع العجوز حديثه :
– هو ده الإسم الحقيقي للسرداب.. ولو بحثت عن الإسم ده في أي مكان استحالة
تلاقي أي معلومة عنه..
ثم تنهد وأكمل:
– الناس بتفكرنا أنا وجدك في عداد المجانين لو اتكلمنا عن السرداب.. ومش
مصدقين إننا من خمسين سنة نزلناه فعلا.. بس دي عندهم حق فيها..
فسأله خالد:
– عندهم حق .. بعني
إيه؟

( رواية ارض زيكولا )

20
فأجابه العجوز :- أيوة.. عندهم حق، يمكن دي معلومة أنا الوحيد اللي أعرفها..
إن من خمسين سنة لما نزلنا احنا الأربعة.. منزلناش سرداب فوريك.. ويمكن عشان
كده طلبت من جدك إنه يسيبنا لوحدنا.. لأني مش عايز أحطم نقطة فخره
بنفسه ..
– أومال النفق اللي نزلتوه ده كان إيه؟
– النفق ده مجرد طريق لسرداب فوريك.. والدليل على كلامي إن النفق على عمق
مش كبير.. وله مسافة معينة، والدليل الأكبر إن لمبات الجاز انطفت بعد دقايق
من نزولنا..
– أ… العفاريت ..

( رواية ارض زيكولا )

فضحك الرجل:
– لا، تقصد التهوية.. النفق غير السرداب.. الأكسجين في النفق قليل.. وتقريبا
ممكن ميكونش موجود لو باب النزول اتقفل.. ووقتها لما لمبات الجاز انطفت أنا
قلت عفريت.. والكل خاف وجري.. بس بعد كده اكتشفت إنه كان خيال حد فينا..
ومن جوايا كانت سعادتي ملهاش وصف.. لأني حسيت إني حطيت رجلي على أول
طريق السرداب.. وفضلت حاطط أمل لنفسي إني هوصل للسرداب في يوم.. بس
السنين فاتت، والمرض حاصرني، وفضلت مستني اليوم اللي ينزل فيه حد غيري
السرداب.. ويحقق حلمي.. ثم أخرج كتابا قديما من معه.. وأكمل:


– الكتاب ده من نسخة واحدة.. اللي كتبه شخص نزل السرداب قبل كده.. لقيته
بالصدفة في كتب والدي لما كنت شاب.. لكن للأسف عامل الزمن كان أثر عليه
قبل ما ألاقيه.. فكان السليم منه تقريبا عشر ورقات بتتكلم عن سرداب فوريك..
ثم أعطى الكتاب لخالد.. وأشار إليه أن يقرأ سطور الكتاب بصوت عالي..
***
( رواية ارض زيكولا )
21

أخذ خالد الكتاب ليقرأ وريقاته.. بينما جلس العجوز ليستمع إليه، ويحتسي كوب
الشاي الذي برد بالفعل.. وبدأ خالد في قراءة سطوره المكتوبة بخط اليد.. والتي
تحدثت عن فوريك، أحد الأثرياء الذين تواجدوا في العصر المملوكي.. وكان يمتلك
تلك المنطقة التي توجد بها بلده، الهو فريك – التي كانت تسمى وقتها.. بهو فوريك..
وما يحيطها من بلدان، وقد أمر أن يتم حفر ذلك السرداب على عمق كبير كي
يكون ملاذا له ولأهل مدينته إن تعرضت بلاده لأي غزو.. واستغرق حفره وتشييده
أكثر من خمسة عشر عاما.. وخزنت به ثروات كثيرة من ذلك الزمن…
ثم تحدث من قام بكتابته عن رحلته للسرداب.. وعن ذلك النفق الذي لا توجد
به تهوية.. ولابد من تجاوزه في أسرع وقت إلى السلم الحقيقي للسرداب.. والذي
يمتد لأكثر من ثلاثين مترا تحت الأرض.. ومنذ تلك اللحظة فلن توجد أدنى مشكلة
بالتهوية.. فقد صمم هذا السرداب بكل براعة.. لا يعرف كيف تمت تهويته بتلك
الطريقة.. أما تعجب خالد فقد زاد حين قرأ أن السرداب لايكون مظلما ليلا يوم
يكتمل البدر في السماء رغم وجوده تحت الأرض.. إنهم مهندسو الماضي.. يا لها من
براعة.. حتى انتهت العشر ورقات حين كتب صاحبه:
“كنت أظن أن الكنز الحقيقي هو الثروات التي تمنت به.. ولكنني اكتشفت ما هو
أثمن من ذلك كثيرا، وأعظم من كنوز فوريك.. إنني اكتشفت..
حتى انتهت العشر ورقات دون أن تكتمل الجملة..
***


نظر خالد إلى العجوز في لهفة:
. اكتشف إيه؟
فأخبره العجوز أنه لا يعلم.. وأنه وجد الكتاب على تلك الحالة.. وظل سؤال ماذا
اكتشف صاحب هذا الكتاب يشغله طوال خمسين عاما.. ثم نظر إلى خالد:
– لو كنت عاوز تكتشف اللي اكتشفه.. لازم تكون في السرداب الليلة دي ..
( رواية ارض زيكولا )
22
– الليلة دي؟!!
دي
– أيوة.. الليلة القمر بدر.. وده التوقيت اللي بيكون فيه السرداب منور حسب
کلام الكتاب..
فصمت خالد قليلا.. ثم نظر إليه:
– وأنا مستعد أنزل.. مستعد لفرصة حياتي..
***
كانت الساعة تقترب من السادسة حين تركه العجوز وغادر.. وترك معه هذا
الكتاب الذي تصفحه لأكثر من مرة.. ومع كل مرة تزداد رغبته في نزول السرداب..
يدفعه ذلك الفضول إلى معرفة ما اكتشفه كاتبه.. يشعر أنه يمتلك سرا من أسرار
الزمان.. ويسأل نفسه: هل اكتشف کنورا لا حصر لها؟.. هل توجد آثار بالأسفل،
وأكون أنا مكتشف القرن الحادي والعشرين؟ .. وظل هائما في أحلام اليقظة..
***
اقتربت الشمس من المغيب فصعد أعلى بيته.. ونظر إلى بلدته.. ينظر إلى أراضيها
الزراعية.. وإلى الأشجار العالية، والطيور التي تزينها.. ينظر إلى البيوت المجاورة
وكأنه يراها لآخر مرة.. يستنشق نسيم بلده العطر، ويتحدث إليها.. ربما يكون آخر
نهار لي هنا.. أتمنى ألا يكون.. ثم عاد إلى حجرته ليتم استعداده لرحلته.
***
مر الوقت، ودخل الليل، وينت السماء بالبدر.. وها هوينتظر حتى يسكن الهدوء
البلدة.. وهو يعلم أنه لن ينتظر كثيرا.. فعادة يدب الهدوء بلدته بحلول العاشرة
مساء على الأكثر.. لا يتأخر بها سوى صديقه دكتور ماجد منير، والذي يغلق
صيدليته في وقت قد يتجاوز الثانية عشرة.. إنه لا يريد أن يراه أحد وهو متجه إلى
( رواية ارض زيكولا )
23
ذلك البيت المهجور في أطراف البلدة.. حتی دقت الساعة الواحدة صباحا..
واستعد للرحيل، ونظر إلى جده مبتسما مودعا له:
– إن شاء الله هرجع..
فابتسم جده :
. أكيد هترجع إن شاء الله.. ثم طلب منه أن ينتظر لحظة.. وأخرج الصندوق
الخشبي.. ثم فتحه وأخرج منه (ألبوم الصور القديم.. فسأله خالد:
– إيه ده؟!!
فقام جده بتقليب بعض صفحاته ووقف على تلك الصورة التي توقف أمامها من
قبل، وتحدث إليه:
سلام
– عارف مين دول؟
فنظر إليها خالد وما زالت الدهشة تتملكه.. فأكمل جده:
– دي صورة أبوك وأمك.. كانت آخر صورة لهم قبل ما يسيبوني.. ثم دمعت عيناه
فدمعت عينا خالد هو الآخر.. وظل متأملا بها:
– أول مرة أشوف صورتهم..
فأكمل جدة:
– كنت مستني اليوم ده.. وفضلت معذب نفسي عشان اليوم ده.. ثم أعطاه
الصورة، ومسح بيده دموعه، واحتضنه.. فهمس خالد في أذنه:
– هرجع لك يا عبده.. هرجع..
ثم غادر..
***
24
( رواية ارض زيكولا )
كان الهدوء يسود البلدة.. ولم يكن يسير بشوارعها أحد سوى خالد والذي كان
يحمل حقيبة كتفه ، وما بها من طعام يكفيه لعدة أيام، ومصباح للإنارة، والكتاب
الذي أعطاه له العجوز، وبعض الأوراق والأقلام، اعتقادا منه أن هناك ما قد
يحتاج لتدوينه.. وقد وجد عدم حاجته ل (كاميرا ) تصویر: فوجود هاتفه الخلوي
يغنيه عنها ..
كان يسير مسرعا إلى أطراف البلدة حيث ذلك البيت المهجور.. وما إن اقترب منه
ومن سوره العالي حتى عزم على تجاوز ذلك السور..
***
أما جده فكان يجلس وحيدا يقرأ في كتاب الله، ويدعو ربه أن يعود به سالما.. حتى
سمع
طرقات على باب بيته.. وقد ظن أن خالا عاد من جديد.. وما إن قام ليفتح
الباب حتى وجد مني في وجهه.. وقد اندهش حين وجدها أمامه في ذلك الوقت
المتأخر من الليل .. حتى سألته :
– فين خالد..؟!! ومش بيرد على تليفونه ليه؟!
رد جده:
– ليه؟!
أجابت مني في فرحة:
– خلاص يا جدو.. قدرت أقنع بابا إننا نتجوز أنا وخالد.. ومش قادرة استنى للصبح
عشان أقوله.. خايفة يكون لسه زعلان من الصبح ..
فابتسم العجوز ثم صمت..
***
تجاوز خالد سور البيت المهجور.. وأنار مصباحه حين وصل إلى مكان الصخرة
الذي وصفه له جده بالتفصيل.. والتي كان يصعب أن يصل إليها دون وصف جده
25
( رواية ارض زيكولا )

له.. ثم حاول إزاحتها فلم يستطع في البداية رغم قوته البدنية.. فحاول مرة أخرى
دون أن يستطيع.. فصاح بنفسه أنه لن يستسلم.. وعاد للمحاولة مرة ثم مرة ثم
مرة.. وقد انساب العرق من جبينه، ولكن دون جدوى..
حتى وجد لوحا قديما من الخشب ففكر أن يكون وسيلة لإزاحة الصخرة.. وبدأ
يحاول من جديد، ويصرخ مجددا لن أستسلم.. ويدفع بقوة، ويضغط أسنانه
ببعضها.. ويدفع اللوح الخشبي.. ويصيح، ويدفع.. حتى تحركت الصخرة بعض
الشيء تبعها سقوطه على الأرض..
ما إن تحركت الصخرة تلك الحركة الضئيلة.. حتی سہل تحريكها بعد ذلك..
ودفعها رويدا رويدا.. بعيدا عن باب حديدي كان يرقد أسفلها. حتى سقط على
ركبتيه.. وازدادت ضربات قلبه، وتسارعت أنفاسه.. وقال مبتسما لنفسه:
– إجمد يا بطل .. إحنا لسه في البداية..
***
بعدها نظر إلى الباب الحديدي الذي احتل مربعا من الأرضية.. وسمى الله.. وقام
بفتحه، فلم يكن موصدا بأي نوع من الأقفال سوى الصخرة.. وما إن فتحه حتى
أحدث صریرا دل على غلقه لمدة طويلة.. ثم وجه ضوء مصباحه بداخله فوجد
سلما عموديا إلى الأسفل.. فتحدث إلى نفسه مشجعا لها:
. بسم الله نبدأ طريقنا للسرداب..
***
بعدها بلحظات بدأ نزول ذلك السلم.. وما إن نزل حتى أغلق الباب مجددا.. وكأنه
حبس.. فعلم أن اللوح الخشبي الذي كان يدعم فتح الباب قد كسر.. فلم يهتم
بذلك.. ما شغل باله هو تجاوز النفق في أسرع وقت.. وتابع نزوله دون أن ينظر
الأسفل.. يخطو درجة وراء الأخرى .. حتى وجد نفسه داخل نفق مظلم.. لا ب
يوجد به
ضوء سوى ضوء مصباحه.. فتحرك بضع خطوات يتحسس طريقه.. يمسك
( رواية ارض زيكولا )
26
المصباح بيده اليمنى، ويزيح شباك العنكبوت الكثيفة بيده اليسرى.. حتى سار
العدة أمتار فبدأ يشعر بسرعة ضربات قلبه.. يحاول أن يرى نهاية ذلك النفق..
ولكن دون جدوى بعد ما حالت شباك العنكبوت دون ذلك..
***
تقدم خالد في الظلام أكثر وأكثر.. يبحث عن سلم السرداب الذي أخبره به
العجوز.. وأسرع في تحركه بعدما شعر بضيق صدره الذي ازداد حين قل الهواء
بصورة شديدة.. وبدأ يضع يده على رقبته من الاختناق.. ويتحرك، ولا يجد ذلك
الطريق إلى السرداب.. يجري كالمجنون وقد خرت قواه.. يتحسس حوائط النفق
بيده.. يبحث عن أي فجوة بها.. ولكن دون جدوى.. يسأل نفسه لاهثا: أين أنت أيها
الطريق؟ .. يعلم أنه لن يستطيع حتى العودة إلى سلم النفق.. سيموت مختنقا قبل
أن يعود.. يسرع في طريقه إلى الأمام.. يبحث في كل مكان.. على الجانبين وأعلى
وأسفل.. ولكنه لم يجد شيئا.. حتى سقط على الأرض.. وسقط بجانبه مصباحه،
وصرخ بصوت واهن:
– لا يوجد سرداب.. لا يوجد..
ثم صمت.. وأمال رأسه جانبا.. وكاد يغمض عينيه مستسلما.. قبل أن ينظر بعيدا
إلى بقعة أضاءها مصباحه الملقى بجواره.. فابتسم ابتسامة شابها إعياء شديد ،
وتحدث:
– سرداب فوريك.. ثم أغمض عينيه للحظات حتى فتحهما مرة أخرى.. ونظر
مجددا إلى ألواح خشبية متراصة ظهرت في بقعة الضوء، وكأنها باب صغير يوجد
بأحد جانبي النفق..
***

( رواية ارض زيكولا )

رواية ارض زيكولا الفصل الثالث

ارض زيكولا
ارض زيكولا

( رواية ارض زيكولا )

27
(3)
كان الباب الخشبي يبعد عن خالد عدة أقدام.. ومازال خالد ملقى على ظهره من
شدة الإعياء حتى انتفض مجددا، وتحرك بجسده تجاه هذا الباب، يزحف كأنه
إحدى الزواحف.. لا يقوى أن يقف على قدميه، وينازع اختناقه كمن ينازع الغرق..
يتحرك بجسده، ويدفع بقدميه، ويستعين بذراعيه.. واضعا مصباحه بين فكيه..
يقاوم أكثر وأكثر.. ويحدث نفسه أنه الأمل، إنه سرداب فوريك.. حيث الهواء..
حيث الحياة، هذي بكلمات يقوي بها نفسه.. ويقترب أكثر وأكثر من الباب.. ويدفع
بقدمه في قوة.. حتى توقف جسده مرة أخرى بعدما خرت قواه، ولم يكن يتبقى
سوی أقدام قليلة نحو الباب..
تنظر عيناه إلى الباب.. ويحاول أن يمد ذراعه إليه لكنها لا تلمسه وكأنها
استسلمت.. حتى صرخ صرخة قوية، وكأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة، وقذف
بجسده تجاه الباب كصخرة اندفعت نحو باب خشبي أذابه الزمن فانكسرت
الواحه.. واندفع بداخله ليجد جسده يهوى على سلم خشبي مغمضا عينيه
الكرة حين تسقط على درجات سلم.. ولم يستطع السيطرة
على جسده على الإطلاق.. يرتطم بين الحين والآخر.. ويزداد سقوطه أكثر وأكثر..
ثم هدأ ارتطامه قليلا حتى توقف.. وقد فتح عينيه ليجد نفسه في مكان مختلف
يتدحرج
كما تتدحرج
تماما..
***

( رواية ارض زيكولا )

28
فتح خالد عينيه.. فوجد نفسه ملقى على إحدى درجات السلم العريضة.. وقد
انتعش صدره بالهواء كأنه ارتوی ببئر ماء بعد ظمأ شديد.. وزاد سروره حين وجد
نفسه يرى كل شيء دون الاستعانة بمصباحه وقد زال ظلام النفق.. حتى وقف على
قدميه، وصرخ:
– أنا في سرداب فوريك.. أنا في سرداب فوريك..
بعدها نظر إلى أسفل حيث لم ينته السلم بعد.. وأسرع إلى أسفل يخطو درجاته في
أمل.. لا تعوقه آلام ارتطامه حين سقط.. يريد أن يكتشف كل شيء في وقت قليل
قبل أن يختفي البدر.. ويتحدث إلى نفسه أن كل ما ذكره الكتاب حتى الآن قد
وجده.. الهواء موجود بالفعل، وإضاءة البدر تنير له طريقه، وكأنها جمعت لتزداد
قوة إضاءتها داخل السرداب.. يالها من براعة هندسية.. ولكن ظل سؤاله إلى
نفسه: ماذا اكتشف صاحب الكتاب؟!.. حتى انتهى السلم.. ووصل إلى نهايته،
فوجد نفسه في السرداب..
***
وجد خالد نفسه أمام نفق كبير أكبر كثيرا من النفق الذي مر به سابقا.. فارتفاعه
يقترب من العشرة أمتار.. واتساعه يبلغ مثل ارتفاعه.. حتی سار به، وينظر إلى
جدرانه الضخمة في دهشة كأنه في مزار سياحي.. وأخرج قلمه وأوراقه.. وأخذ
يكتب بعض السطور عما يراه.. ويتقدم أكثر وأكثر، ويسأل نفسه: كيف يوجد
هذا السرداب الضخم أسفل بلده ولا يعلم عنه سوى صاحب الكتاب المجهول
وبعض الأشخاص الذين لن يصدقهم أحد؟!!.. إنه قد يكون أعظم اكتشاف
بالعصر الحديث.. وقد يجعل من بلده مزارا سياحتيا. يبدو أن الكاتب قصد
باكتشافه، السرداب نفسه.. ويسير منها ويتقدم.. ويضحك بهستيرية ، لقد انتہی
الألم.. لعله يجد أحد الكنوز الأن…
يبحث في كل جوانب السرداب.. لا ب يريد أن يترك شبرا واحدا يفوته.. حتى ارتطمت
قدماه بشيء ما.. وما إن نظر إليه حتى انتفض قلبه حين وجده هيكل عظميا لأحد

( رواية ارض زيكولا )

29
الأشخاص.. وقد كانت المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذا الهيكل، لكنها لم تكن
الأخيرة.. فكلما تقدم وجد أكثر وأكثر.. حتى بدأ الخوف يتسرب إلى قلبه.. وكأن تلك
الهياكل تتحدث إليه بأنها مصير كل من دخل هذا السرداب.. ودار بخلده أن يكون
أحدها لأبيه أو أمه.. وتمنى أن تكون الحقيقة غير ذلك..
***
بعدها شعر أن الإضاءة تقل شيئا فشيئا من خلفه.. فنظر إلى ساعة يده فوجدها
قاربت الخامسة فجرا.. وعلم أن البدر قد بدأ في زواله.. ولا يعلم ماذا سيحدث
بعد ذلك.. ما ذكره الكتاب أن السرداب يظل مضاء وقت وجود البدر.. ولم يذكر
شيئا آخر، حتى مر قليل من الوقت.. وتلاشت معه إضاءة السرداب تدريجيا.. فلم
يعط اهتماما لذلك.. وتقدم أكثر وأكثر.. حتى وجد صورة قشت على أحد جداري
السرداب لشخص تبدو على ملامحه الثراء.. فتحدث إليه مبتسما:
– أكيد انت فوريك.. أحب أعرفك بنفسي.. أنا خالد . مكتشف
العظيم.. واللي بسببك هيعيش أحلى أيام حياته..
ثم أخرج هاتفه ليلتقط له صورة.. وما إن التقطها حتى شعر بهزة عنيفة تحت
قدميه كادت تسقطه، فالتفت جانبا ليجد جدران السرداب تنهار بعيدا في طريقها
إليه ويقترب منه الانهيار بشدة، فعاد بظهره للخلف بضع خطوات.. بعدها لم يجد
أمامه سوى أن يلتف بجسده ويجري للأمام..حسني سردابك

( رواية ارض زيكولا )

***
يجري خالد سريعا وانهيار الجدران يسرع خلفه كأنه فريسة يلاحقها أسد مفترس..
لا يصدق عينيه.. يشعر بأنه في حلم ما، ويسرع.. ونسمع أذناه صوت ارتطام
صخور الجدران الضخمة.. لو أصابته صخرة واحدة لقتلته.. حتى سقطت حقيبة
كتفه وما بها فلم يعبأ بذلك.. وواصل عدوه.. تساعده قدماه الطويلتان وخطواته
الواسعة.. ويجري إلى حيث لا يعرف.. يجري إلى المجهول.. ويصرخ بداخل نفسه..
( رواية ارض زيكولا )
30
كيف يعود إلى بلده مجددا؟ !.. إنه الهلاك.. إن السرداب ينهار.. ماذا حدث
بالأعلى؟! حتى وجد نفسه أمام طريقين انقسم إليهما السرداب.. فاندفع إلى
أحدهما، دون رغبته حين انهار الطريق الآخر قبل أن يصل إليه.. وكأن الانهيار
يتحكم في مساره.. ثم فوجئ بنفسه يجري إلى مرتفع يتجه للأعلى.. ويلاحقه الانهيار
أسرع وأسرع يريد أن يبتلعه..
يحاول أن يقاوم صعوبة الصعود.. ويتقدم ويخطو بقدميه سريعا.. حتى وجد نوژا
شديدا على مرمى بصره :
كأنه
نور النهار الذي يعرفه جيدا فأسرع إليه ومازال
الظلام والانهيار يلاحقاه حتى اقترب من الفتحة وقفز منها لتنهار من
أسفله، وتغلق
وكأن الأرض قذفته خارجها..
***

( رواية ارض زيكولا )

وجد خالد نفسه ملقى على الأرض.. ورأسه منغمسة في رمال.. فرفع رأسه، وأزال
الرمال عن وجهه وعن عينيه.. ونظر إلى السماء وضحك.. وشكر الله بعدما ظن
أنه عاد مرة أخرى إلى أعلى.. وأنه قد نجا من انهيار هذا السرداب الملعون.. حتى
نظر إلى السماء مجددا.. ولاحظ زرقتها وصفاءها إلى درجة لم يرها من قبل، ونظر
حوله فوجد رمالا بكل مكان وعلى مرمى بصره.. فنهض ودار بجسده ليرى ما حوله..
فلم يجد سوى صحراء واسعة تظلها سماء صافية فضرب رأسه بيده، وهمس إلى
نفسه
– فوق يا خالد.. انت بتحلم ولا إيه.. انت فين؟!.. وإيه اللي جاب الصحرا دي هنا..
ثم نظر حوله مجددا، وسأل نفسه غير مصدقا ما يراه: أين هو؟.. وسار بضع
خطوات في كل اتجاه لكن دون جدوى.. إنها صحراء لا يوجد بها أحد فجلس مكانه
في دهشة.. ونظر إلى فتحة السرداب التي خرج منها فوجدها وكأنها لم تكن..
فضحك ساخرا.. وتحدث خائب الأمل :
31

( رواية ارض زيكولا )

– واضح إن السرداب كان معمول عشان نعمر الصحرا.. والكنز وفوريك ده كان
مقلب.. ويا ترى أنا في الصحرا الشرقية.. ولا الغربية.. ولا في سينا؟!!.. ولا أكون
عبرت الحدود.. ورحت ليبيا.. أو السعودية.. ثم صرخ وكان الجنون أصابه:
– أنا فين ؟!!!..
***
مرت ساعات على جلوسه. يجلس ولا يعلم أين يذهب.. وخلع قميصه، ووضعه
فوق رأسه كي يقيه حرارة الشمس.. واندهش حين نظر إلى ساعة يده فوجد
عقارها توقفت عن الحركة.. ولم يفكر بهذا الأمر كثيرا حيث فوجئ برجلين يجریان
بعيدا عنه.. . فنهض وأسرع إليهما.. وبدأ الأمل يدق قلبه حتى اقترب منهما فلاحظ
زيهما الغريب وشدة إعيائهما، وكأنهما مريضان بمرض مزمن شديد فأوقفهما..
وسألهما:
– لو سمحتوا، أنا محتاج مساعدتكم..
فتركاه.. وواصلا جريهما، فأسرع خلفهما ليوقفهما مجددا:
– انتوا بتجروا ليه؟!.. فنظر إليه أحدهما:
– ألا ترى ما نحن به؟!
تعجب خالد من لهجتهما الغريبة.. وابتسم ساخرا مقلدا له:
– أجل أری يا سيدي.. ثم سأله:
– إحنا في السعودية، صح؟ !
نظر إليه الرجل متعجبا:
– ماذا تعني السعودية؟ !!
ابتسم خالد.. وزفر زفيرا طويلا.. وتحدث إلى نفسه:
32

( رواية ارض زيكولا )

– دول في الضياء
فسأله الرجل الآخر لاهئا:
. أأنت غريب؟
فأجابه خالد على الفور:
– أيوة أنا غريب.. ثم أكمل:
– إحنا فين؟.. وانتوا مين؟
أجابه أحدهما:
– إننا فقراء.. وقد هربنا إلى الصحراء.. ألا يوجد معك طعام؟!
أجابه:
– لا للأسف.. كان معايا بس ضاع مع الشنطة.. ثم وضع يده في جيبه،
، وأخرج ورقة
من فئة العشرة جنيهات.. وأكمل:
– أنا معايا فلوس ممكن تشتروا أكل لو قلتوا لي إحنا فين.. وازاي أرجع بلدي..
فخطف أحدهما ما أخرجه خالد من نقود ووضعها بفمه وأكلها.. فاندهش خالد،
وسأله متعجبا:
– انت جعان للدرجة دي؟
فأجابه الأخر:
– يبدو لي أنك کریم، ولهذا تأكدت أنك غريب عن هنا.. أشعر بأنك غني للغاية…
ضحك خالد.. ونظر إلى نفسه، وملابسه البالية التي غطاها تراب النفق
والسرداب، وحالته التي يرثى لها.. وسأل نفسه.. أي غني يتحدث عنه هذا الأبله؟
عشرة جنيهات رأها شعر بأنني غني؟.. ثم تجاوب معهما وكأنهما مجنونان.. وسألهما
مجددا، وقد ضاق صد رہ:
( رواية ارض زيكولا )
33
– دلوقتي أنا عايز أعرف انتوا هتعيشوا ازاي في الصحرا دي؟ ! ، وهربانين من إيه؟
وسؤالي الأهم: إحنا فين أساسا؟..
أجابه الذي أكل النقود بعدما حاول أن يفهم ما يقصده :
– إننا فقراء، وستكون الصحراء أفضل لنا كثيرا من أرض زيكولا..
فسأله خالد مندهشا :
– أرض زيكولا ؟!!
فسأله الأخر:
– ألا تعرف أرض زيكولا؟!
أجابه خالد:
. لا.. فين زيكولا دي؟.. أنا مش شايف إلا صحرا في كل مكان..
فأكمل الرجل:
– من يوجد في هذا الزمان ولا يعرف أرض زيكولا؟! ثم أكمل محدثا صديقه:
– إنهم الأغنياء، يسخرون منا هكذا دائما.. ثم أشار إلى خالد أن يتحرك عدة أمتار
في اتجاه يده:
– إنها هناك بالأسفل .. أيها الغني..
ثم تركاه وواصلا جريهما في الصحراء.. وتحرك خالد إلى ما أشار إليه الرجل،
وواصل تحركه حتى وجد نفسه على حافة هضبة عالية فنظر إلى أسفل فوجد
مدينة كبيرة ذات منظر بديع من أعلى.. بها مباني شتي وتتخللها مساحات خضراء
كأنها أراض زراعية، ومسطحات من الماء ..
***

( رواية ارض زيكولا )

رواية ارض زيكولا الفصل الرابع

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا

( رواية ارض زيكولا )

34
(4)
اتسعت عينا خالد من الدهشة، وسأل نفسه: كيف توجد تلك المدينة بجوار تلك
الصحراء الجرداء؟!.. حتى قاطع تفكيره صياح أحد الرجلين إليه مجددا :
– إياك أن تذهب إلى زيكولا.. إياك.. وواصل جريه مع صاحبه.. فلم يعطه خالد
اهتماما.. وظل ينظر إلى تلك المدينة من أعلى.. وسأل نفسه: أين هو من العالم؟
وأين توجد أرض زيكولا تلك؟.. حتى ابتسم حين نظر بعيدا إلى أسفل فوجد طريقا
طويلا ممهدا إلى تلك المدينة.. به كثير من التعرجات ومرتفعا إلى أعلى حيث يمر
بالقرب من تلك الهضبة التي يقف عليها.. فلم يجد
أمامه
سوی أن
عنه.. يريد أن يذهب إلى المدينة في أسرع وقت بعد ما حل به الجوع والعطش بعدها
يحاول أن يعرف أين هو..
( رواية ارض زيكولا )
***
( رواية ارض زيكولا )
بعدها سار في الصحراء متجها إلى ذلك الطريق.. وظين في البداية أنه |
فاكتشف غير ذلك تماما.. فكلما تقدم لم يجد شيئا فاعتقد أنه سراب.. حتى
تحقق من وجوده حين رأي عربة يجرها حصان تسير على مقربة منه.. د
.. فأسرع في
اتجاهها فوجد أمامه ذلك الطريق الذي شاهده من أعلى.. ولكن سائق العربة لم
يلحظ وجوده وابتعد بها عنه فواصل تحركه في نفس الاتجاه الذي سلكته العربة..
***

( رواية ارض زيكولا )

35
مر الوقت وأصبحت الشمس عمودية.. وزادت حرارتها، وحل الإرهاق والتعب على
خالد.. وبدأت الام ارتطامه في السرداب تحل عليه مرة أخرى.. ولكنه تابع سيره رغم
علمه بأن هذا الطريق طويل للغاية، ولابد له من نيل قسط من الراحة.. يريد أن
يصل إلى هناك في أسرع وقت.. يشعر أن هناك أملا ما في انتظاره.. حتى سمع صوتا
التف وجد عربة أخرى يجرها حصان فأشار إلى سائقها أن يقف
فأوقف السائق حصانه بالفعل.. فنظر إليه خالد في تعب:
– أنا عايز أروح أرض زيكولا ..
من
خلفه.
وحين
فسأله السائق
– وكم تد فع؟
فوضع خالد يده في جيبه.. و
.. وأخرج بعض النقود الورقية. وأشار إلى السائق أن
يأخذها.. فسأله السائق غاضبا:
– ورق؟!
ثم ألقاها في وجهه.. وتركه وغادر.. وخالد لم يفقه شيئا مجددا.. وحدث نفسه
بصوت مسموع :
– البلد دي
كلها مجانين ولا إيه؟!
وواصل تحرکه، فجاءت عربة أخرى وحدث معها مثلما حدث مع العربية السابقة
تماما.. وتركه سائقها وغادر.. فابتسم خالد ابتسامة بها خيبة أمل كبيرة محدثا
نفسه: ” إنها زيكولا أرض المجانين “.. وسار مسافة أخرى، وازداد تعبه.. حتى سمع
من جديد صوت عربة فالتفت فوجدها عربة ضخمة يبدو عليها الثراء، وقد
اختلفت عن العربات السابقة من حيث تصميمها وأناقتها.. فرأى أن يوفر تعبه..
ولا يشير إليها ويكمل سيره، ومرت بجواره فوجد شابا في مثل عمره متشبثا
بمؤخرتها دون أن يراه سائقها.. وحين وجد خالدا أشار إليه بيده أن يسرع إلى
36
العربة.. فأسرع خالد إلى مؤخرة العربة هو الآخر.. وتشبث بها.. ونظر إلى الشاب
مبتسما: “شكرا”.. فهمس الشاب إليه، ووضع يده على فمه:
– اصمت.. كي لا يسمعنا أحد..
***

( رواية ارض زيكولا )

سارت العربة في طريقها إلى زيكولا، يصيح سائقها إلى جيادها أن تسرع.. وخالد
مازال متشبثا بمؤخرتها معه هذا الشاب .. ينظر إليه في دهشة من ملابسه.. وشعر
بدهشته هو الآخر منه أيضا.. حتى اقتربت العربية من سور ضخم.. فأشار الشاب
إلى خالد أن يقفز معه تاركين العربة.. فقفزا، وما إن نظر خالد أمامه حتى وجد
سورا ضخما يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من خمسة طوابق، تزينه نقوش غاية في
الجمال، به باب ضخم كان مفتوحا على مصراعيه تمر منه العربات مجيئا
وذهابا.. فنظر خالد إلى الشاب قائلا:
– أنا بشكرك جدا ..
رد الشاب:
– لا تشكرني يا أخي.. إنني مثلك، كادت تقتلني حرارة الشمس..
فسأله خالد:
– أنت من زيكولا؟
– نعم.. وأنت تبدو غريبا..
فابتسم خالد:
– أيوة.. أنا من البهو فريك.. بلد جنب المنصورة ..
فارتسمت الدهشة على وجه الشاب:
– ماذا؟!!
فأسرع خالد وكأنه يصحح حديثه :
( رواية ارض زيكولا )
37
– أقصد مصر
أنا من مصر
فلم تختف دهشة الشاب وسأله:
– ماذا تقصد بمصر؟!.. هل هي في الشمال؟
فأجابه مندهشان
– انت مش عارف مصر أم الدنيا؟
رد الشاب:
– نعم أخي.. لا أعرفها..
فصمت خالد مفكرا ثم أجابه وكأنه يريح نفسه من غرابة هؤلاء الناس الذين
يقابلهم

( رواية ارض زيكولا )
– أيوة مصر في الشمال.. ثم سأله:
– إحنا فين؟
رد الشاب:
– ألا ترى يا أخي.. إننا في زيكولا.. أرض الذكاء..
فلم يتمالك خالد نفسه من الضحك :
– أرض الذكاء؟!.. لا فعلا الذكاء واضح على كل اللي قابلتهم ثم سأله:
– يعني تبع دولة إيه؟ .. قارة إيه؟
رد الشاب متعجلان
– لا أفهم قصدك.. إنها زيكولا وفقط.. والآن لابد أن أتركك.. إنني أضعت اليوم وقئا
من العمل.. ولابد لي أن أقوم بتعويضه..
ثم مد يده مودعا خالد، فمد يده هو الآخر:
– اسمي خالد..
( رواية ارض زيكولا )
38
رد الشاب:
– وأنا يامن.. حظا سعيدا في أرض زيكولا .. ثم تركه وغادر ..
***
كان خالد مازال واقتنا أمام باب المدينة الضخم.. حتى تقدم إليه، وما إن مر خلاله
حتى شعر برعشة قوية تسري بجسده، و
، وألم شديد برأسه كاد يقتله.. حتى سقط
على ركبتيه ممسكا رأسه بيده من الألم الذي لم يشعر بمثله في حياته .. واستمر
ألمه لدقائق حتى بدأ يتلاشى شيئا فشيئا وكأنه لم يحدث، ثم تابع مسيره إلى داخل
المدينة..
سار خالد بالمدينة وكأنه يسير بمدينة الأحلام.. ينظر إلى وجوه الناس وتعبيراتهم
المختلفة.. منهم من ترتسم البسمة على وجهه، ومنهم من انطبع الحزن على جبينه..
وإلى زيهم الذي انقسم إلى أقسام عدة؛ فمنهم من يرتدي جلبابا وعلى رأسه عمامة،
وقد كانوا كبار السن.. أما الشباب والصغار فكانوا يرتدون سراويل واسعة من
أعلى وضيقة من أسفل.. وكأنها زي الصيادين الذي اعتاد أن يراه ولكنها أكثر
أناقة.. ومن أعلى يرتدون قمصانا واسعة منقوشة صنعت ببراعة من الجلد أو
القماش..

( رواية ارض زيكولا )

أما النساء فقد وجدهن يرتدين فساتين فضفاضة ذات ألوان براقة..
وجميعهن لا يضعن شيئا فوق رؤوسهن .. ولاحظ جمال الكثير من النساء في تلك
المدينة.. وخشي أن ينظر إلى إحداهن.. وهو لا يعلم كيف ستكون ردة الفعل في
تلك المدينة.. ويعجبه ذلك التنوع في الزي.. وتلك الأناقة التي بدت على كل فتی
وفتاة بالمدينة.. ويسير بشوارعها منبهرا بتلك المباني المتلاصقة.. التي بدت عليها
المهارة المعمارية.. وكانت تمتلك ارتفاعا واحدا لا يتجاوز الثلاثة طوابق.. وتنيت
جميعها من الطوب المحروق والأخشاب..
***

( رواية ارض زيكولا )

39
أكمل خالد مسيره حتى وجد مكانا يقم طعاما فسمع أصوات بطنه تناديه،
وتذكيره بالجوع.. فاقترب من ذلك المكان.. وجلس به.. وطلب طعاما.. ثم جاءه رجل
بطعام من الخبز واللحم.. وقال له :
– شكرا لتشريفك لنا أيها الغني.
فابتسم خالد :
– تاني غني !!
ثم أكل وامتلأت بطنه.. وانتظر أن يأتي الرجل ليأخذ نقوده فلم يأتي.. فأكل
ومشي.. وعادت إليه قوته مجددا.. وأكمل سيره في المدينة حتى وجد مكانا أخر
الصناعة الملابس وبيعها.. فنظر خالد إلى نفسه.. ووجد أن يشتري لنفسه زا.. كي
لا يكون زيه مختلفا عن باقي أهل المدينة.. حتى يعرف أين هو.. ودخل ذلك المكان
فسأله من به
في اهدمر
. لست من زيكولا؟
فأومأ خالد موافقا كلامه فأعطاه الرجل زا مناسبا.. بنطالا واسعا.. وقميصا
منقوشا من القطن.. ولم يأخذ منه نقودا.. وقال له مثلما قال صاحب المطعم:
– شكرا لتشريفك لنا أيها الغني..
فابتسم وتذكر كلام من قابلهما بالصحراء.. وأنه غريب لأنه كريم.. وقال لنفسه
إنهما مجنونان بالفعل.. فما وجده من أهل المدينة حتى الآن کرم مبالغ فيه.
***
وهو يسير بالمدينة بزيه الجديد.. ويقلب عينيه هنا وهناك.. وقد لاحظ شيئا لم يفهمه..
أن كل مكان للبيع والشراء يجد مكتوبا عليه أرقام ووحدات.. عشر وحدات
أو خمس.. أي وحدات تلك لا يفهم.. حتى أكمل مسيره وحل الليل.. ففوجئ بأن تلك
المدينة رغم ما يبدو عليها من ثراء إلا أنها لم تصلها الكهرباء بعد.. ثم اندهش حين

( رواية ارض زيكولا )

40
أضيئت المدينة بالنيران.. وانتشر الضياء في كل مكان.. ولا تختلف إضاءتها عن
المصابيح التي يعرفها.. تلك هي ا الأخرى براعة هندسية..
بعدها جلس على جانب أحد الشوارع.. وكاد يغلبه النعاس.. فوجد أهل المدينة
يستعدون وكأنهم يحتفلون بشيء ما.. الجميع يلعبون ويمرحون.. والأطفال
يرقصون.. وسأل نفسه هل هناك عيد ما؟ .. يبدو كذلك.. وفرح بذلك فجميع أهل
المدينة خارج منازلهم.. وسيؤنس ذلك وحدته دون مسكن.. حتى اقترب منه فتى
فسأله لماذا يحتفل الناس هكذا .. فأجابه الفتى فركا:
– إن الاحتفال لم يبدأ بعد
فضحك خالد مداعبا الفتي:
– أمال هيبدأ إمتى؟
تعجب الفتي:
– لماذا لہجتك غريبة؟
رد خالد:
– أنا من الشمال.. إنني غريب..
رد الفتي:
– تقصد كنت غريبا.. أما الآن أنت من أهل زيكولا..
فابتسم خالد ووضع يده على رأس الفتي:
– عارف إن زيكولا أرض الكرم…
فأكمل الفتي:
– اليوم الكل يستعد للاحتفال.. أما الاحتفال الحقيقي سيكون غدا.. إنه أعظم
احتفال بالكون.. والكثيرون من البلاد البعيدة يأتون للهضبة المجاورة.. ويقفون
بها لمشاهدة احتفالاتنا..
( رواية ارض زيكولا )
41

فتعجب خالد وسأله عن سبب الاحتفال، فظهر التعجب على وجه الفتي:
– إنني كنت أظنك غنيا.. أرجوك لا تدعني أشك في قدراتي بمعرفة الأغنياء.. ثم
أكمل :
– إن احتفالاتنا ستبدأ غدا احتفالا بيوم زيكولا .. اليوم الذي يجعل من زيكولا
أشهر مدينة بالتاريخ.. اليوم الذي يسعد به كل أهل زيكولا..
ثم صمت قليلا.. وأكمل :
– ماعدا شخصا واحدا بالطبع..
فسأله خالد:
– مين الشخص ده؟
فضحك الفتى:
– يبدو أنك لا تعرف كثيرا عن زيكولا .. ثم تنهد.. ونظر إليه:
– سيدي، إن يوم زيكولا يذبح فيه أفقر شخص يوجد بالمدينة.
***

رواية ارض زيكولا الفصل الخامس

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا

( رواية ارض زيكولا )

42
(5)
شعر خالد بالصدمة حين أخبره الفتى أن يوم زيكولا يذبح به أفقر من يوجد
بالمدينة.. وحدث نفسه بأنه أفقر من بها.. وما معه من نقود لا تفيد بعدما تيقن
من مواقفه السابقة أنهم لا يعترفون بها.. وإن كان حديث الفتى صحيحا سيكون
هو الضحية.. حتى قاطع تفكيره الفتى حين أكمل:
– في يوم زيكولا تجرى منافسة بين أفقر ثلاثة أشخاص بالمدينة.. أما غدا للأسف
فسيذبح الشخص مباشرة دون منافسة بعدما نجح الآخران في الهرب.. أه لو
رأيتهما بعيني..
فتذكر خالد من قابلهما بالصحراء.. وقال بصوت عال:
– المجانين؟ !!
فنظر إليه الفتى فتدارك خالد قوله، وسأله:
– تقصد إن الفقير تم اختياره فعلا؟
رد الفتي:
– نعم
فتنفس الصعداء، وأخرج زفيرا طويلا، وشكر ربه في سره، وأكمل الفتي:
43
– المعتاد في زيكولا أن يحبس الفقراء الثلاثة قبلها بأيام.. ثم تقوم بينهم ه
منافسة
الغني والفقر.. الزيكولا.. ومن يخسر منهم يذبح.. وبالطبع طالما هرب الاثنان
سيذبح الشخص الثالث.. ثم أشار إلى بيت مجاور:
– إنه من منطقتنا.. فنظر خالد إلى البيت، وتعجب:
– ازاي ده بيت فقير؟
بعدها تركه الفتى، ومضى ليلعب مع من معه..
***

( رواية ارض زيكولا )

جلس خالد مرة أخرى في مكانه.. يفكر بما يحدث له، ويتذكر ماذا حدث له منذ أن
وجد نفسه باله
راء.. وزاد إلحاح سؤاله الذي تعمد تجاهله دائما.. أين هو؟..
وأين زيكولا تلك التي لم يسمع عنها من قبل.. وعن أهلها المثيرين للدهشة؟..
بعضهم يبدو عاقلا.. والكثيرون لا ينتمون للعقلاء بشيء.. ثم انتفض جسده حين
سأل نفسه ماذا لو انتقل به الزمن عبر السرداب إلى الماضي كما كان يقرأ دائما في
الأدب الأجنبي.. ماذا؟.. هل هذا صحيح؟! (( لا.. لا .. إنه خيال.. إنني لم أسمع عن
زيكولا .. ولم أقرأ عنها من قبل )).. هكذا أجاب نفسه.. ثم علا صوته:
– بس ليه لأي
– الأحصنة اللي بتجر العربات.. ولبس الناس هنا.. مش معقول يكون لبس حد في
القرن الواحد والعشرين.. الحاجات دي فات عليها قرون.
ثم عاد إلى نفسه: ممكن تكون دي بلد معزولة انت مسمعتش عنها.. وده فيهم
الوطني فعلا.
فصاح إلى نفسه: بلد إيه.. كل اللي مشيته في السرداب حوالي كيلو أو اتنين
بالكتير..
44
– أكيد أنا انتقلت في الزمن.. والدليل إنهم بيتكلموا عربي وميعرفوش مصر.. هو
فيه منطقة بتتكلم عربي في العالم كله إلا الوطن العربي؟!!
ثم أمسك رأسه بيديه: أنا حاسس إني مش قادر أفكر.. أنا كنت أذكى من كده.. ثم
نظر بعيدا: بس.. ده الدليل إني انتقلت للماضي..
قال ذلك حين وجد جماعة يحملون سيوفا ودروعا وكأنهم جنود.. ويسيرون في
صف واحد.. فوقف على قدميه.. واتجه مسرعا إلى الفتى الذي كان يمرح مع
أصدقائه.. وجذبه من بده :
– أنا عايز اسألك سؤال واحد.. إحنا في سنة كام؟
فأجابه الفتى متعجلا :
أنك تشرب الكثير من الخمر.. إننا في نهاية العام التاسع بعد الألفين يا
( رواية ارض زيكولا )
– يبدو
سيدي
فعاد خالد بقدمه للخلف.. ودارت به رأسه حتى سقط وكأنه فقد وعيه.. فضحك
الفتى وتحدث إليه:
– نعم سيدي، أرى أن النوم قد يفيدك، ثم تركه ومضى..
***

( رواية ارض زيكولا )

في صباح اليوم التالي، فتح خالد عينيه على صوت ضوضاء شديدة.. فوجد نفسه
ملقى على جانب أحد الشوارع فنهض مسرعا.. وحاول أن يصلح من هيئته، وأزال
الغبار عن ملابسه.. ثم نظر أمامه وفرك شعره حين وجد ذلك الكم الهائل من
الناس يسيرون بانتظام في اتجاه معين.. والجميع يرتدون ملابس تبدو جديدة..
الرجال يمسكون بأيدي النساء.. والفتيان يمسكون بأيدي الفتيات، واللاتي بدا
عليهن الجمال الشديد.. يسيرون في فرحة كبيرة.. ويضع كل منهم حول رقبته عقدا
من الورد.. وتظلهم موسيقي لم يسمعها من قبل ولم يسمع في جمالها.. يعزفها
( رواية ارض زيكولا )
45
مجموعة من الأشخاص أصحاب زي مختلف، ويحملون طبولا ووتريات والات نفخ
لم ير مثلها، ولكنها تخرج صوتا بديعا.. ويسيرون وسط ذلك الحشد من الناس..
ثم وجد بعض الشباب يمتطون أحصنتهم.. وخلف كل شاب توجد فتاته تلف يدها
اليسرى حول خصره ، واليمني تمسك بها الورد وتلوح بها.. فابتسم خالد، وقال:
– أنا عرفت ليه الكل مستني اليوم ده..
ثم أعجبته تلك الحركات البهلوانية التي كان يقوم بها البعض.. حتى فوجئ بالعربة
الثرية – التي كان قد تشبث بها هو ويامن حينما كان في الصحراء … تسير وسط
الحشد، وقد خرجت منها فتاة في غاية الجمال، وما إن خرجت حتى صاح البعض
فرگا وزاد سرورهم.. وبدأت تلقي بالكثير من الورد.. والكل يتهافت ويتسابق على
أخذه.. ثم بدأت تقذف الورد لأعلى وما إن يسقط حتى يرتطم الشباب بعضهم
ببعض.. وتزداد بسمتها الرقيقة.. وخالد يشاهد ذلك في سعادة كبيرة.. وينظر
مجددا إلى تلك الفتاة وقد شعر براحة نفسية كبيرة.. حتى وجد إحدى الفتيات
تقترب منه، وتسأله:
– لماذا تقف بمفردك؟.. يمكنني أن أصطحبك اليوم مجانا..
فنظر إليها خالد.. ثم نظر إلى فتاة العربة مرة أخرى:
. لا شكرا..
ثم نظر بعيدا.. فوجد يامن، فأسرع إليه وسط الزحام ووصل إليه بصعوبة
وسأله:
– بامن.. انت فاكرني؟
فابتسم يامن :
– نعم.. أهلا بك يا صديق .. ثم نظر إلى نيټه :
– مبارك عليك الزي الجديد.. وسأله :

( رواية ارض زيكولا )

46
– كيف كان يومك الأول بزيكولا؟
كانت الأصوات عالية من حولهما فاضطر خالد أن يرفع من صوته:
– يومي
الأول؟.. مش فاهم لحد دلوقتي إيه اللي بيحصل لي..
ضحك يامن:
– ربما لأننا في أعياد زيكولا .. ما إن تنتهي الأعياد حتى تعود الحياة مرة أخرى إلى
الطبيعة.. إنها أيام استثنائية ليست كباقي الأيام..
فابتسم خالد:
– ياريت ثم سأله:
– أمال فين المزة بتاعتك؟
فاندهش يامن: ماذا؟ !
فضحك خالد:
– أقصد حبيبتك.. أنا شايف معظم الشباب معاهم بنات..
فابتسم:
– آه .. لا، إنني لم أرتبط حتى الآن..
نظر خالد إلى الأمام وسأله:
– هو إحنا رايحين فين؟ ثم شعر أنه لم يفهمه فسأله مجددا:
– إلى أين نحن ذاهبون؟
فضحك يامن:
– إننا ذاهبون إلى أرض الاحتفال حيث سيلتقي هناك كل أهل زيكولا .. وسيذبح
شخص ما..
فقال خالد:

( رواية ارض زيكولا )

47
– آه ، عرفت.. الفقير.. ثم صمت، وأكملا مسيرهما مع السائرين.. حتى سأله مجددا:
– يامن.. هي مين دي؟ وأشار إلى الفتاة التي ترمي بالورد من العربة..
فأجابه:
– إنها أسيل.. طبيبة زيكولا..
فهمس إلى نفسه: أسيل.. طبيبة؟
ثم وجدها تقذف بوردة إلى أعلى وتسقط تجاهه.. وتصارع الشباب معه حتى قفز
مستغلا طوله، وأمسكها ونظر إليها مبتسما فابتسمت له ابتسامة جعلته هائما
اللحظات..
الجميع يسيرون، وخالد يعجبه ذلك الاحتفال.. والموسيقى الرائعة التي تحلق في
كل مكان، ورائحة الورد التي أنعشت صدره حتى تناسى أسئلته لنفسه عن أرض
زيكولا .. وسار بجوار یامن وهو ينظر إلى العربة وإلى أسيل التي تبتسم كلما أمسك
أحد بوردة قذفتها.. ثم ينظر نظرة مختلفة تماما مقوا حاجبيه إلى الفتاة الأخرى
التي رفض أن يسير معها.. والتي لم تزح نظرها عنه طول الوقت، وما إن تصطدم
عيناه بها حتى تخرج له لسانها غضبا.. فينظر مجددا إلى أسيل، ويستنشق رحيق
الوردة التي أمسكها ويبتسم.. وتابع سيره معهم حتى وصلوا إلى أرض واسعة..
وفوجئ بوجود كم هائل من الناس قد يتعدى الخمسين ألفا.. فاندهش وسأل
پامن:
– إيه الناس دي كلها؟ !
فرد يامن:
– إنهم أهل زيكولا .. جاءوا من مناطقها الكثيرة.. إننا جئنا من منطقة واحدة، وباقي
الناس جاءوا من المناطق الأخرى..
ثم ابتسم فرحا حين اقترب منه شاب آخر.. واحتضنه كثيرا ثم نظر إلى خالد :
– إنه صديق عمري إياد.. وأشار إلى خالد محدثا صديقه:
( رواية ارض زيكولا )
48
– إنه خالد.. صديقي الجديد.. وتبدو عليه الشهامة، وسيكون صديقك بالطبع..
صافح خالد إياد، وقال مبتسما:
– أيوة.. هنكون أصدقاء لغاية ما أرحل قريبا..
فضحك إياد بصوت عال:
– ترحل؟! ثم نظر إلى يامن:
– صديقك يريد أن يرحل!!.. ثم ضحك مجددا فغضب خالد من سخريته.. ونظر
إلى يامن :
– هو غريب إني أرحل ولا إيه؟
***

( رواية ارض زيكولا )

كاد يامن يجيبه ولكنه أشار إليه أن يصمت بعدما دقت الطبول كثيرا.. وصمت
الجميع، وصمتت الموسيقى .. بعدها صعد رجل ضخم إلى منصة عالية وبيده
سيف طويل.. فأدرك خالد أن الذبح سيتم.. وأن الفتى كان صادقا معه حين أخبره
بذلك، ثم صعد رجلان قويان يجران رجلا حليق الرأس يبدو عليه المرض رغم
شبابه.. والصمت يخيم على الجميع.. بعدها دقت الطبول مرة أخرى فنزل أهل
المدينة كلهم على ركبهم عدا خالد.. فجذبه يامن حتى نزل هو الآخر على ركبتيه
بجواره هو واياد.. ونظر إلى المنصة حيث سقط الفقير هو الآخر على ركبيته،
ويداه مقيدتان بالخلف.. وبعد لحظات وخز السياف ظهره فشهق برأسه فأطاح
برقبته.. وتناثرت دماؤه على المنصة.. فصاح أهل المدينة فرحا.. ودقت الموسيقى
مرة أخرى.. وبدأوا يرقصون ويمرحون.. وبدأت الألعاب البهلوانية مجددا..
أما خالد فسرت في جسده رعشة مما رآه.. وانتفض قلبه بقوة، وتسارعت أنفاسه..
وهو ينظر إلى ذلك الجسد المنزوع الرأس.. وجسده يرتعد، إنه لم ير مثل ذلك من
قبل.. يتحسس وجهه، ويسأل نفسه هل يحلم أم أنها حقيقة.. ويسأل نفسه
49
مجددا: لماذا ذبحوا هذا الفقير؟.. إننا في مجتمعنا نساعدهم.. إنهم قوم بلا قلب.
حتى صاح بيامن:
– يامن .. إحنا في سنة كام؟
فأجابه:۔
إننا في نهاية العام التاسع بعد الألفين..
فصاح:
. 2009.. إزاي؟
فابتسم يامن كي يمتص غضبه :
– إنه الزمن يا صديقي .. هل بيدنا أن نغيره؟!.. ثم صاح خالد بإياد في عصبية:
– وإيه الغريب إني أرحل وأسيب زيكولا؟!
فأجابه إياد:
– يا صديق.. إن باب زيكولا قد أغلق فجر اليوم.. إنه لا يفتح إلا قبل يوم زيكولا
بيوم واحد.. ثم يغلق مجددا حتى يوم زيكولا في العام الذي يليه.. ولا يستطيع أحد
مغادرة زيكولا حتى ذلك اليوم..
وأكمل يامن إلى خالد :
– إنه اليوم الذي دخلت فيه إلى زيكولا.. وسأله متعجبا:
– لماذا تريد أن ترحل وأنت لست فقيرا؟
فجن جنونه.. وفاض به:
– مين اللي قالك إني مش فقير؟!.. لأ، أنا فقير.. أنا ممتلكش أي حاجة..
فاندهش إياد:
– كيف هذا؟!.. ألا تشعر بنفسك؟
( رواية ارض زيكولا )
50
فأجابه غاضبا:
– أشعر بإيه؟!.. دي حتى الفلوس اللي كانت معايا، وحمدت ربنا إنها كانت معايا
بالصدفة قلتوا عليها ورق وملهاش أي قيمة.
فابتسم يامن:
– ولماذا تحتاجها يا صديقي ؟
رد خالد:
– دي فلوس .. يعني أشتري بيها اللي أنا محتاجه..
فسأله يامن:
– تقصد العملة؟!
خالد:
– أيوة..
فصمت يامن ثم تحدث مجددا :
– أ… الآن عرفت لماذا زاد ارتباكك إلى هذا الحد حين وجدت ذلك الفقير يذبح..
إنك خفت أن تكون فقيرا وتذبح مثله.. ثم نظر إليه:
– يا صديقي إن عملتنا مختلفة تماما.. إن عملة أرض زيكولا هي وحدات الذكاء..
ومن يكون ذكيا هو الغني.. أما الفقير فهو الأقل ذكاء.. هنا نعمل ونأخذ أجرنا
ذكاء.. ونبتاع وندفع من ذكائنا.. ونأكل مقابل وحدات أخرى من الذكاء.. ثم صمت
برهة وأكمل:
. لا أعلم من أين جئت.. ولكننا ولدنا فوجدنا أنفسنا هكذا.. علينا أ
حافظ على
ذکائنا.. وأنت منذ دخولك إلى أرض زيكولا أصبحت مثلنا.. وعليك أن تحافظ على
ذكائك، وأن تنميه.. كي لا يأتي يوم زيكولا وقد قل ذكاؤك فيكون هذا مصيرك..
وأشار إلى جثة الذبيح.. فنظر إليه خالد.. وكأنه لا يفهم شيئا :
( رواية ارض زيكولا )
51

– يامن.. أنا كنت بقول عليك عاقل..
رد يامن:
– أعلم أنك تظننا بلهاء.. ولكننا – أهل زيكولا – نختلف عن باقي بقاع الدنيا.. والكل
يعلم هذا.. ويخشون أن يدخلوا إلينا حتى لا تسري رعشة زيكولا بجسدهم
ويصبحون مثلنا.
فتذكر خالد تلك الرعشة.. وذلك الألم الشديد الذي حل برأسه حين مر من باب
زيكولا .. وأكمل يامن:
– عليك أن تصد قنا.. وأن تحافظ على ذكائك لأن اعتقادك بأننا بلهاء لن يفيدك
بشيء.. أنت لن تستطيع أن تغادر زيكولا مهما حدث.. وإن جاء يوم زيكولا وكنت
الأقل ذكاء فسيحدث لك مثلما أخبرتك.. وتابع :
– إنه عام.. ستحتاج إلى طعام، وإلى شراب، وإلى ملبس ومسكن.. وهنا في زيكولا لا
يعطى أحد شيئا بالمجان.. سوى يوم زيكولا فقط.. اليوم.. يكون يوما بلا عمل ..
وقد تكون هناك أشياء قليلة للغاية دون مقابل.
– عليك أن تعمل وتأخذ أجرك من الذكاء تعوض ما تفقده لسد احتياجاتك..
صديقي ، هنا في زيكولا ثروتك هي ذكاؤك..
فانطبعت الدهشة على وجه خالد، وتسرب إليه قلقه حين شعر أن ذكاءه قد ق
بالفعل منذ دخوله تلك المدينة، وأن قدرته على التفكير قد قلت قليلا.. ولا يعرف
السبب.. ولكن ما يقوله يامن لا يصدقه عاقل حتى تذگر شيئا.. فتحدث إلى يامن :
. أنا أكلت وشربت واشتريت هدومي من غير مقابل ..
فابتسم يامن :
– صديقي.. هل لاحظت وجود الأسعار بالوحدات في تلك الأماكن؟..
فتذكر تلك الوحدات التي سأل نفسه عنها من قبل:
– أيوة..
.كلامك مش صحيح

( رواية ارض زيكولا )

52
فأكمل يامن :
– وحدات الذكاء لا تدفع باليد. إنها تنتقل تلقائيا بيننا.. وطالما رأيت تلك
الوحدات.. أقصد الأسعار، وتواجدت في تلك الأماكن.. هذا يعني أنك موافق على
الشراء وعلى الأسعار التي رأيتها.. وينتقل منك ثمن ما أكلته أو اشتريته إلى صاحب
هذا المكان دون إرادتك.. الغرباء يسمونها لعنة زيكولا.. فقاطعه خالد هائما:
– أنا أكلت كتير.. والزي ده كان مكتوب عليه أكبر وحدات.. وصاحبه قال إنه أغلى
زي عنده.. وشكرني لأنني غني..
رد يامن:
– بالفعل يا صديقي.. لقد لاحظت اليوم اختلافك قليلا عن المرة الأولى التي رأيتك
ثم نظر إلى إياد:
– يبدو أن صديقنا قد فقد جزءا ليس بالقليل من ثروته..
***

رواية ارض زيكولا الفصل السادس

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا


( رواية ارض زيكولا )
53
(6)
تساءل خالد في لهفة:
– وانت عرفت ازاي؟
فابتسم يامن:
سر می رسید و
– إن وجهك أصبح شاحبا بعض الشيء يا صديقي.. وأكمل :
– كلما قل ذكاؤك زاد شحوب وجهك وبدا عليك المرض.. هكذا نعرف من هو الغني
ومن هو الفقير.. كلما تكسب ثروة تكون طبيعا بل يزداد شبابك.. أما حين تخسر
فستجد المرض يتسرب إلى جسدك.. وهكذا حتى يقترب يوم زيكولا فيقوم الجنود
بجمع
الأكثر مرضا بالمدينة.. ويعرضونهم على الطبيبة أسيل .. وهي من تحدد
المريض حقا والمريض بالفقر.. ثم تختار الثلاثة الأشد فقرا..
فقاطعه خالد:
دي د
بلد مجانين.. ثم تركهما وجرى مسرعا.. وقلبه يدق خوا، يخشى أن يكون
ما قالاه واقعيا.. وأكمل جريه وسط الزحام – وأهل المدينة يرقصون ويمرحون،
وبلغت الموسيقى ذروتها- يتحرك بصعوبة بينهم، ويحاول أن يخرج من هذا الزحام..
ويصطدم بالفتيان والفتيات دون أن يعتذر.. ما يشغل باله أن يخرج إلى باب
زيكولا .. وواصل جريه بعيدا عن أرض الاحتفال.. ويحدث نفسه:
( رواية ارض زيكولا )
54
– مش معقول يكون ده صحيح.. مش معقول..
وتعدو قدماه مسرعتين.. حتى اقترب من باب زيكولا ، وقد ظهر العرق الغزير على
جبينه.. فوجده قد أغلق بالفعل وتواجد أمامه الكثير من الحراس.. فاقترب خالد
من أحدهم، كان ضخم الجثة.. وقال:
– أنا عايز أخرج..
فضحك الحارس ساخرا:
– تخرج؟ !!
فصاح خالد: أيوة.. أخرج
فضحك الحارس مجددا.. ثم نظر إلى حارس أخر، وحثه:
– إننا نترك احتفالات زيكولا ونقف هنا حتى يأتي السكارى.. ويعبثون معنا..
فصاح خالد:
– أنا مش سكران.. أنا هخرج.. ودفع الحارس بيده.. فظهر الغضب على وجهه ثم
لكم خالدا لكمة قوية أعادته خطوات للخلف وسقط على الأرض وسالت دماؤه
من حاجبه الأيسر.. فنهض على الفور، وعاد ووقف مرة أخرى أمام الحارس ..
ولكنه نظر إلى درعه الذي يحمله وكان لامعا كالمرأة.. وأمعن النظر به إلى صورته
المنعكسة.. فاتسعت عيناه خوا، وتسارعت أنفاسه وخفق قلبه بقوة حين رأى
وجهه شاحبا.. حتى قاطع تفكيره صوت الحارس الغليظ:
– عد إلى حيث كنت والا سيكون السجن مصيرك..
فنظر إليه خالد خائب الأمل، واضعا يده على حاجبه.. يريد أن يوقف دماءه..
وأدرك أن هذا الباب لن يفتح كما أخبره إياد.. وأن حديث يامن إليه ما هو إلا
الحقيقة التي خشيها.
***

( رواية ارض زيكولا )

55
بعدها عاد إلى شوارع المدينة.. يسير هائما، يفكر كيف سيعيش عاما في تلك البلد
الملعونة.. ويسأل نفسه: عام؟!.. إنه لم يستطع أن يعيش يوما واحدا.. وعاد
بتفكيره: ماذا لو مر العام وكان أفقر من بالمدينة؟ .. ماذا لو كان الأغبي؟، وعلا
صوته وسأل نفسه:
– وجدي ؟! هيقدر يعيش سنة من غيري؟.. أنا كنت بقول يومين أو تلاتة وأرجع له
– سنة؟ !! هعيش هنا سنة؟!
وظل هائما هكذا حتى أفاق حين صدمه حصان، كان الحصان الذي يجر العربة
الثرية – عربة أسيل – فصاح به سائقها يعنفه.. وتوقفت العربة، ونزلت منها أسيل
على الفور لتطمئن عليه.. ولكنه غادر شاردا.. ورغم ندائها إليه كثيرا إلا أنه أكمل
مسيره دون أن يلتفت.. فعادت إلى عربتها، وحدثت نفسها: لو كان شخصا آخر..
الطلب تعويضا على ذلك.. ثم أمرت السائق أن يتحرك من جديد..
***
مرت ساعات وخالد مازال يسير بالمدينة.. ولم يتوقف عقله عن التفكير.. حتى
وجد نفسه يقترب من بحيرة واسعة.. فأسرع إليها وحين تذوق ماءها وجده عذبا..
فشرب منها كثيرا .. ثم أسند ظهره على شجرة بجوارها.. وضحك حين جال بخاطره
أن يأتي والد مني إلى تلك المدينة.. وأقسم أنه سيذبح على الفور.. حتى منى لوجاءت
ستذبح الأخرى.. يتذكر أصدقاءه وأنهم لا يمتلكون من الذكاء شيئا بل
سيذبحون كلهم.. ثم ضحك وحدث نفسه ساخرا:
– عايز آكل مقابل وحدتين ذكاء..
ثم ضحك مجددا حين تذكر أحد أصدقائه.. وكان سمينا للغاية ويأكل كثيرا.. وأنه
لو كان بزيكولا لفقد ثروته كلها مقابل أن يأكل.. ثم تحدث إلى نفسه: بتضحك يا
خالد.. فعلا مصري ابن مصري.. نضحك في أشد أوقات الكرب.. ثم سأل نفسه:
هتعمل إيه يا خالد؟
( رواية ارض زيكولا )
56
فأجاب نفسه.. وكأنه شخص آخر: هعيش زي الناس هنا.. انت قدامك حل تاني؟
فرد كأنه الشخص الأول :
فابتسم.. وجعل صوته غليظا :
– يبقى تكيف مع الوضع.. وأهلا بك في زيكولا
بعدها نظر إلى السماء التي خيم عليها الليل فوجد ألعابا نارية غريبة عما يعرفها
تزينها، فابتسم:
– يوم زيكولا .. ثم أكمل بعدما صمت برهة:
– كلها ساعات وينتهي.. وأشوف زيكولا على طبيعتها..
ثم نظر إلى البحيرة وإلى شاطئها فلم يجد أحدا غيره.. فوجدها فرصة أن يستحم..
وما إن تجرد من ثيابه.. وكاد يكون عاريا تماما حتى شعر بحركة غريبة.. وسمع
همسا وبعض الضحكات فالتفت فوجد فتاتين تنظران إليه.. فارتدي ملابسه على
الفور، ثم أسرع عائدا إلى الشجرة مرة أخرى وأسند إليها ظهره من جديد.. وحدث
نفسه مازحا:
– لا .. أنا بقول أنام أحسن..
***
مر الليل، وأشرقت الشمس.. وخالد نائم بجوار شجرة شاطئ البحيرة.. حتى
انتفض حين سمع صرخات.. وحين نظر بعيدا وجد امرأة تصرخ بأن ابنها يغرق في
البحيرة.. فأسرع إلى الماء بملابسه.. يريد أن يصل إلى ذلك الفتى، والذي كان بعيدا
بعض الشيء.. ولم يتخيل أن تكون البحيرة عميقة هكذا.. حتى اقترب منه فجذبه
تجاهه، وعاد به مرة أخرى إلى الشاطئ.. – وقد فقد الفتى وعيه، ولم تتوقف أمه
عن الصراخ … فأرقده على ظهره.. وبدأ يضغط بيده على صدره.. يريد أن ينعش
قلبه.. يضغط بعض الضغطات المتتالية ثم يضع فمه على فم الفتى ويملأ صدره
( رواية ارض زيكولا )
57
بالهواء.. ثم يعود ليضغط بعض الضغطات مرة أخرى.. واجتمع الناس من حوله،
وبينهم أسيل التي أسرعت إلى الفتي وطلبت من خالد أن يبتعد عنه لكنه لم ينظر
إليها ولم يرفع نظره عن الفتى.. وأكمل ضغطه على صدره واعطاءه من أ
أنفاسه.
حتى شهق الفتى.. وشعر خالد بنبضاته حين وضع أصبعيه على رقبته.. فحمد الله
ثم نظر إلى أمه قائلا:
– الحمد لله.. هو بخير .. فنظرت إليه الأم باكية، واحتضنت ابنها:
– شكرا لك.. ثم سألته :
– كم تريد مقابل هذا؟
فأجابها:
– أنا مش عايز حاجة.. أي حد مكاني كان هيعمل كده.. خدي بالك منه بعد كده..
والناس ينظرون إليه في غرابة. حتى سألته أسيل:
– كيف فعلت هذا؟!.. ولماذا لم تتركني أساعدك؟!
فرفع خالد رأسه.. ونظر إليها للمرة الأولى بعدما لم يفارق نظره الفتى حين كان
ينقذه، وفوجئ بأنها صاحبة الصوت الذي طلب منه أن يتركه.. فشعر بقلبه يخفق
سریعا حين وجدها قريبة منه إلى هذا الحد.. لا تفصلهما سوى أقل من خطوة..
وحدث نفسه في سره: إنها جميلة جمالا لا حدود له، ونظر إلى شعرها الأسود
الطويل، وعينها الضيقتين ورموشهما السمراء الطويلة.. وتذكر ضحكتها حين
كانت ترمي الورد، وتضيق عيناها كلما ضحكت فتزيد جمالها جمالا، ولاسيما مع
شفتيها الرقيقتين.. حتى نطق هامسا:
– أسيل !!
ففوجئت هي
الأخرى بأنه من تجاهلها، ومضى حين اصطدم حصان عربتها به..
فسألته:
– كيف فعلت هذا؟
( رواية ارض زيكولا )
58
فضحك:
– أول مرة أحس إني اتعلمت حاجة مفيدة.. دي دورة إسعافات أولية كنت اتعلمتها
في القاهرة.. ثم أسرع، وأخرج وردة من ملابسه المبتلة.. والتي قد التقطها في اليوم
السابق.. ونظر إليها مبتسما:
– دي وردتك.. أنا محتفظ بها..
فتجاهلت حديثه عن الوردة.. وسألته:
– لماذا لہجتك غريبة.. ثم أكملت:
– وأين القاهرة تلك؟
فابتسم :
دي قصة غريبة جدا.. وأكيد مش هتعرفي القاهرة.. أنا مش من زيكولا .. ثم أراد
أن يتحدث إليها بلهجتها فأكمل:
– لست من زيكولا.. وقد دخلت إلى زيكولا أول أمس.. ولم أكن أعرف أن بابها
سيغلق.
فصمتت أسيل كأنها تتذكر شيئا ما.. ثم نظرت إليه، وقالت:
– مثلي تماما..
***

رواية ارض زيكولا الفصل السابع

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا


( رواية ارض زيكولا )
59
(7)
( رواية ارض زيكولا )

رد خالد في لهفة :
– مثلك؟ !!
ردت أسيل:
، نعم مثالي.. أنا أيضا لم اكن من أهل زيكولا ثم نظرت إلى حاجبه الذي لم يلتم
جرحه:
– أنا آسفة..
فسألها:
– على إيه؟
أجابته:
– أرى أن اصطدام حصان عربتي بك قد أصاب حاجبك ..
فابتسم:
– أي حصان؟
– حصاني بالأمس .
فتذكر خالد
( رواية ارض زيكولا )
60
– لا .. لا.. مش الحصان.. أنا المفروض اللي اعتذر ليكي لأني امبارح مكنتش في حالتي
الطبيعية بعد ما شفت الفقير اللي دبحتوه.. بس أرجوكي كملي حكايتك، وازاي انتي
مش من زيكولا..
***
انصرف الناس ، وحملت الأم ولدها وانصرفت.. وجلست أسيل بجوار خالد على
شاطئ البحيرة وبدأت تتحدث:
– كانت هناك حروب كثيرة منذ سنوات طويلة بين زيكولا والبلاد الأخرى.. ومن بينهم
بلدي ( بيجانا ).. فكان جيش زيكولا يخرج يوم زيكولا ، ولا يعود إلا يوم زيكولا الذي
يليه.. حتى جاء يوم منذ أربعة عشر عاما.. واستطاعت زيكولا أن تهلك بلدتي ..
وأخذت الكثير منا عبيدا لهم.. وقد كنت منهم.. كنت ابنة عشرة أعوام وقتها..
فقاطعها خالد:
– عبيد؟!
أجابته:
– نعم.. كان الرق يتواجد في زيكولا حتى أعوام قليلة.. ولكنه لم يعد متواجدا الآن..
وأكملت: دخلنا إلى زيكولا.. وبالطبع كما حدث لك حين دخلت إلى هنا، أصابتنا
لعنة زيكولا .. وأصبحنا مثلهم .. تعاملنا بوحدات الذكاء، والأفقر يذبح.. ولكني كنت
أوفر حظا من غيري.. فقد اشتراني رجل حكيم كان ذو قلب رحيم.. وكان يدرس
الطب والحكمة.. وأعطاني الكثير من علمه ثم أعطاني حريتي قبل أن يموت..
وأعطاني ما هو أهم.. أعطاني كتبه عن الطب والحياة.. فتعلمت منها الكثير،
وأصبحت طبيبة زيكولا.. وعاملتهم بطريقتهم: أداويهم مقابل جزء من ذكائهم.. وهنا
يمرضون كثيرا ، وأنا أجني الكثير.. فأصبحت من أثرياء زيكولا، وأنا ابنة الأربعة
والعشرين..
فقاطعها خالد مجددا:
( رواية ارض زيكولا )
61

– ومفكرتيش تخرجي من زيكولا .. وترجعي لبلدك
فابتسمت وأكملت :
– كنت في البداية أنتظر اليوم الذي أعود فيه إلى بلدي.. ولكن بعد أربعة عشر
عاما أصبحت زيكولا حياتي .. أحببت الحياة هنا.. قد أذهب أحيانا إلى بلدي
القديمة يوم يفتح باب زيكولا .. ولكني لا ألبث أن أعود سريعا قبل أن يغلق الباب
مجددا
فسألها:
. لأنك غنية؟
أجابت: ربما يكون هذا سببا.. ولكن سببيا الأكبر هو حبي لقوة زيكولا..
وأردفت :
– رغم ما بها من مساوئ تظل هي الأقوى بين البلدان.. لا تستطيع أي بلد أخرى
الاقتراب منها.. ستعرف مع وجودك هنا ما الذي يعطيها تلك القوة.. وأعتقد أنك
ستحيها مثلما أحببتها..
فصمت خالد قليلا مفكرا في حديثها.. ثم سألها:
– زيكولا .. وبلدك اسمها بيجانا.. إحنا فين من العالم؟
ولكنه لم يلبث أن يسأل سؤاله حتى جاءت فتاة مسرعة إلى أسيل تخبرها بأن هناك
مريضا في حاجة إليها.. ولابد أن تسرع.. فنظرت إلى خالد:
– إنني أريد أن أعرف قصتك أيضا.. أين أجدك لاحقا؟
فضحك :
– هنا.. هنا مسكني.. بجوار شجرة البحيرة..
. حسنا، أتمنى أن نكمل حديثنا قريبا.. وابتسمت:
( رواية ارض زيكولا )
62
– هنا.. بجوار البحيرة..
وغادرت، وتعجب خالد من حديثها، وحدث نفسه :
– يمكن تكون زيكولا مدينة غريبة.. لكن واضح إنه عالم غريب بالكامل، زيكولا
جزء منه.. فين بيجانا دي هي التانية.. وازاي بيتعاملوا فيها.. ثم ابتسم:
– كدة بقى فيه اللي ظروفه زي ظروفي، ومين؟.. دي أسيل .. ممكن أكون من الأغنياء
هنا؟.. ممكن أكون زيها؟ .. ثم أفاق :
. لا.. أنا مش عايز أبقى أغنى الأغنياء .. أنا عايز أمشي من البلد دي.. ولكن هروح
فين؟.. وازاي هرجع بلدي مرة تانية حتى لو خرجت من زيكولا؟
– المهم إني أمشي من زيكولا الأول، وبعدها أفكر ازاي أرجع بلدي، ولكن علشان
أمشي لازم أفضل عايش ثم نهض مجددا وقد جفت ملابسه، محدثا نفسه: لازم
ألاقي شغل..
***
اتجه خالد إلى شوارع المدينة وعزم على أن يجد عملا يساعده أجره على بقائه حيا
في تلك المدينة.. ولكنه ما إن يذهب إلى أحد ليسأله عن عملي حتى يرفض طلبه..
فيذهب لآخر فيرفض هو الآخر.. وظل يبحث ويبحث حتى تعبت قدماه.. وجلس
على جانب أحد الشوارع.. ففوجئ بيامن يقترب منه ، ويصافحه:
– أين أنت يا صديقي..
فابتسم
– أهلا يامن.. يامن، أنا عايز اشتغل.. وحاولت ألاقي شغل بس الكل رفض يشغلني..
فسأله:
– في المنطقة
– أين بحثت عن العمل؟
دي..
المطاعم ومحلات البيع ..
( رواية ارض زيكولا )
63
– إنك أخطأت في بحثك.. هنا يريدون أن يوفروا مكسبا كبيرا، وعملك معهم
سيفقدهم جزءا من مكسبهم.. ستعرف كل شيء عن حياة زيكولا مع مرور الأيام..
ثم تابع :
– إن المدينة مليئة بأماكن العمل.. هل تريد أن تعمل معي؟
فأجابه:
– أيوة..
فسأله:
– دون أن تعرف ماذا أعمل؟
– هو
فاندهش خالد، وسأله:
وعمل مش كويس ولا إيه؟
فأسرع مجيبا:
– لا لا.. إنه عمل مشرف.. إننا نعمل بجد.. عملنا يحتاج إلى الأقوياء مثلك.. قد
يكون أجره قليلا، ولكنه يكفي لاحتياجاتنا..
– وفين العمل ده؟
فابتسم يامن :
.حسنا.. تعال معي..
***
انطلق خالد مع يامن، وسارا إلى أطراف المدينة حيث منطقة جبلية.. حتى فوجئ
خالد بعدد هائل من الفتيان والفتيات يعملون كأسراب النمل.. واندهش من ذلك
الكم الهائل .. وسأل يامن :
– كل الناس دي بتشتغل؟
64
( رواية ارض زيكولا )


نعم يا صديقي.. وهناك الآلاف يعملون في مناطق أخرى.. إن الصناعة هنا
مربحة..
ثم أشار إلى مكان ما:
– هنا نقطع الأحجار من الجبال ثم نصنع منه طوبا متماثلا يصلح لبناء المساكن..
وكل هؤلاء الناس يعملون، ويأخذون أجرهم يوما بيوم.. وأنت وأنا سنكون بينهم..
أجرنا سبع وحدات ذكاء باليوم، هل يناسبك؟
فابتسم خالد ثم تابع يامن :
– هنيا.. عليك أن تثبت أنك جدير
بالعمل ..
***
بدأ خالد عمله مع يامن والآخرين.. يقطعون الصخور والأحجار بألات يدوية..
وربما كان عملا يحتاج إلى قوة بدنية، ولكن هذا ما كان يمتلكه خالد تماما.. وبدأ
يعمل، يرفع الفأس بيديه ويهوى بها على الصخور.. وما إن تحطمت صخرته الأولى
حتى نظر إلى يامن: لقد بدأنا العمل بالفعل.. وحدث نفسه ساخرا: بكالوريوس
تجارة إلى مخزن أدوية إلى تقطيع حجارة.. وتابع عمله والجميع ينظر إليه في
إعجاب، وخاصة بعدما طلب من يامن أن ينافسه.. من يقطع الحجارة أسرع..
وتخلص من قميصه وربطه حول خصره.. وغطى العرق جسده فجعله لامعا مبررا
عضلاته..
الجميع يعملون، وبامن وخالد يتنافسان ويسرعان.. والكل ينظر إليهما وإلى ما
يبذلانه من جهير، وقد أثارا حماس الباقيين.. حتى أخذا قسطا من الراحة.. وزادت
دهشة خالد حين نظر إلى الناس مجددا.. وإلى الفتيات اللاتي تعملن بقوة..
وتحملن الأحجار إلى العربات.. وسأل يامن:
– ازاي البنات بتشتغل الشغل الصعب ده؟
( رواية ارض زيكولا )
65
فأجابه: لا توجد فتاة بالمدينة لا تعمل.. إن قانون زيكولا لا يسري على الأطفال
فقط.. ولكن ما إن يتجاوز الشاب أو الفتاة السابعة عشر حتى يصبحوا خاضعين
القانون زيكولا .. وعلى الشاب أن يعمل من أجل ثروته.. وعلى الفتاة أن تعمل من
أجل ثروتها..
ثم أردف:
– هنا لا أحد يعطي غيره من ذكائه دون مقابل.. حتى إن تزوجت، فلن يعطيها زوجها
ما ينجيها.. إما أن تعمل وإما أن تموت.. أو تجد حلا آخر.. هو أن ترث..
رد خالد مندهشان
– ترث !!
– نعم.. هنا الميراث يقسم على الأبناء بالتساوي ..
ابتسم خالد:


( رواية ارض زيكولا )

– الميراث ذكاء؟
. وهل توجد ثروة أخرى يا صديقي؟!.. حين يموت أحد تنتقل ثروته تلقائيا إلى
ورثته.. هيا تابع عملك..
فابتسم خالد: حسنا..
***
مرت ساعات، وخالد يعمل ومعه يامن حتى بدأت الشمس في المغيب.. فتوقف
الجميع عن العمل، وظهر الإنهاك على خالد فضحك يامن :
– هل تعبت؟
فابتسم :
– أكيد.. أنا مش متعود على مجهود بدني بالطريقة دي..
فضحك يامن:
( رواية ارض زيكولا )
66
– ستعتاد.. علينا أن نغادر..
خالد :
– وأجرنا؟
رد يامن: ما إن نغادر مكان العمل حتى يصلنا أجرنا دون أن نشعر.. طالما عملت
سيصلك أجرك..
ابتسم خالد:
– زيكولا..
فسأله يامن:
– أين ستذهب ؟ .. هل نجتمع بالمساء؟
فتذكر خالد أسيلا:
. لا.. أنا هشتري طعام.. وبعدين أروح البحيرة مكاني..
يامن: حسنا..
***
دخل الليل، واتجه خالد كي يحصل على طعام.. وما إن جلس بأحد المطاعم ليأكل
حتى وجد جميع من هناك لا يأكلون سوى الخبز.. وأتى رجل المطعم، وسأله:
– ماذا تريد أن تأكل أيها الغني؟
فابتسم وطلب منه أن يخبره بأسعار الطعام.. فرد الرجل:
– هنا الخبز مقابل وحدة واحدة.. والأرز مقابل ثلاث وحدات.. والدجاج خمسة
وحدات.. واللحم ثماني وحدات..
فعلم خالد لماذا يأكل الجميع الخبز.. وطلب دجاجا وخبرا.. وأكل حتى شبع ثم اتجه
مسرعا إلى البحيرة.. وجلس بجوار الشجرة التي يجلس بجوارها دائما..
***
( رواية ارض زيكولا )
67
ظل خالد جالسا بجوار البحيرة.. ويسأل نفسه هل ستأتي أسيل كما أخبرته أم
تأخر الوقت فلن تأتي.. وإن لم تأتي كيف سيقابلها مجددا وعمله ينتهي مع انتهاء
النهار.. ويحدث نفسه: لماذا تريدها أن تأتي يا خالد؟، فيجيب: أريد أن أخبرها
بقصتي، وقد تساعدني.. إنها تبدو أكثر ذكاء وثقافة من الأخرين.. ثم سأل نفسه:
آخر؟.. فأجاب بعد صمت: لا لا.. ثم ضحك.. ربما.. حتى بدأت ألام
جسده تشتد من ذلك المجهود الذي بذله.. وظل في انتظار أسيل حتى مر الوقت،
وغلبه النعاس دون أن تأتي ..
يوجد سبب
***
في صباح اليوم التالي، أسرع خالد إلى عمله الجديد.. ولكنه فوجئ بثلاثة أشخاص
يعترضون طريقه، ويوقفونه وأخرج أحدهم سكيئا.. ثم سأله:
– أين نصيبنا من عملك؟
فسأله خالد في غرابة:
– نصيبكم ؟!!
رد أحدهم:
– نعم.. لنا منك (وحدتان ذكاء) كل يوم.. هل تقبل أم لا؟
الكتب
فقال غاضبان
– مقابل إيه؟
. أننا نحميك..
– لا.. لا أقبل .
فقام أحدهم بلكمه ثم انهالوا عليه ضربا حتى أسرع يامن الذي كان يمر بالقرب
منهم:
– لماذا تضربونه؟
( رواية ارض زيكولا )
68
رد أحدهم:
– إنه لا يريد أن يدفع لنا نصيبنا..
فقال يامن وهو يحاول أن يخلص خالدا من أيديهم :
– سيدفع .. سيدفع..
ثم نظر إلى خالد الذي سالت الدماء من شفتيه:
– ادفع لهم وحدتين..
فنظر إليهم خالد :
. حسنا أقبل..
فرد أضخمهم:
. حسنا.. ثم انصرفوا
فنظر خالد إلى يامن:
– مين دول؟
– إنهم لا يعملون.. ويجبروننا أن ندفع لهم وإلا تعرضوا لنا بالأذى..
– بلطجية يعني.. وعايزين إتاوة..
– أخي، إننا نحيا في زيكولا هكذا.. وقد تعودنا على ذلك..
خالد منفعلان
– تدفع من ذكائك مقابل حمايتك.. وفين الشرطة.
رد يامن:
– إنهم ليسوا مذنبين.. وقانون زيكولا لا يعاقهم.. إنهم يريدون أن يبقوا أحياء..
وهذا لا يتعارض مع قوانيننا.. عليك أن تدفع وحدتين كل يوم، وأن ترضى بذلك..
69

( رواية ارض زيكولا )

فصاح به:
– ازاي أكون باخد سبع وحدات في اليوم، وأدفع وحدتين مقابل حمايتي، وأكل
منين ، ويتبقى لي إيه..
– عليك أن تبذل جهدا أكبر لتوفر أكبر قدر من أجرك.. ربما يساعدك مخزونك
الكبير قبل أن تأتي إلى هنا والذي قد يصل إلى الألف وحدة.. ولكن نصيحتي إليك..
إياك أن تقترب مجددا من مخزونك من الذكاء .. إنه كفيل بأن يبعدك عن الفقر..
فہم خالد:
. أتمنى..
فابتسم يامن :
– حسنا.. هيا إلى العمل.. ما رأيك في منافسة كبيرة اليوم..
***
( رواية ارض زيكولا )

مرت الأيام.. وخالد يعمل مع يامن في صناعة الطوب من الأحجار.. ويمر يوم بعد
يوم، وخالد ينهض من نومه، ويتجه إلى عمله، ويدفع الوحدتين مقابل حمايته.. ثم
يذهب إلى عمله فيحطم الصخور بفأسه.. وأصبح شعره الناعم طويلا بعض
الشيء، كما غطت لحيته الناعمة وشاربه، وجهه، وكبرت عضلاته.. وأصبح الكثير
أهل المدينة يلقبونه بالغريب القوي..
يسير في شوارع المدينة.. ويضحك مع هذا وذاك.. ثم يأكل الدجاج والخبز كعادته..
ويعود إلى البحيرة مرة أخرى فيلقي بنفسه في مائها كي يريح جسده من عناء العمل..
ويظل ينتظر أسيل كل يوم.. ويرفض أن يقابل ياما ليلا.. ويحدث نفسه: ربما
ستأتي اليوم.. وتمر الأيام دون أن تأتي.. حتى أدرك أنها قد نسيت وعدها له بأن
يكملا حدیثهما بعدما لم يرها منذ حديثهما السابق والوحيد.. ويظل ساهرا على
شاطئ البحيرة حتى يغلبه النعاس فينام.. ثم يأتي صباح اليوم التالي.. ويكرر ما
فعله في يومه السابق.. وعادت إليه نضارة وجهه، واختفى شحوبه بعدما شعر أنه
( رواية ارض زيكولا )
70
عوض ما فقده من ثروته حين دخل زيكولا أول يوم.. حتى جاء يوم ووجد يامناء
فحدثه :
– يامن.. أنا محتاج أقلام وورق
رد يامن في دهشة:
– لماذا؟!
فأجابه:
– يعني.. فيه حاجات عايز أسجلها عن زيكولا .. أستغل فترة وجودي هنا بعد ما فات
شهر
. حسنا.. أعرف مكانا يمكنك أن تذهب إليه، وتجد أقلام وأوراق زيكولا المميزة ..
ثم تابع مفتخرا: بالطبع لا توجد صناعة أفضل من صناعة زيكولا.. وأكمل:
– إنه مكان يباع به الكتب.. وأعتقد أنك ستجد مرادك هناك..
***
أراد خالد أن يسجل لحظاته التي يعيشها في زيكولا.. لعله يخرج منها ذات يوم،
وتكون تلك الأوراق التي يكتبها ذكرى لأيامه بها.. أو يصنع منها كتابا يقرأه الكثيرون
غيره.. وكان هناك سبب آخر: فقد جال بخاطره أن تأتي أسيل ذات نهار إلى البحيرة
فلا تجده.. فقرر أن يكتب ورقة ويتركها بجوار شجرته.. ويخبرها بأنه في عمله، وأنه
ينتظرها كل مساء.. وربما كان هذا السبب الذي أشعل حاجته إلى الأقلام
والأوراق.. حتى وصل إلى المكان الذي وصفه بامن.. وطرق بابه الخشبي، ودخل..
فوجد حجرة كبيرة مليئة بالكتب.. ويجلس بها رجل عجوز وحيدا.. فاندهش خالد
من هذا الكم الهائل من الكتب المتراصة، حتى قال العجوز:
– يبدو أنك الغريب القوي..
فأجابه خالد:
( رواية ارض زيكولا )
71

– نعم.. ولكن كيف عرفت؟!
رد الرجل: إنني أعرف الكثيرين من أهل المدينة..
فابتسم خالد ثم سأله:
– مين اللي كتب كل الكتب دي؟!
رد العجوز :
– إنهم علماء زيكولا القدامى.. وهناك من الكتب ما ينتمي إلى البلاد الأخرى .. إن
زيكولا تهتم بالعلم والعمل..
فسأله خالد :
– وأهل زيكولا قرأوا الكتب دي؟
أجابه العجوز:
– الكثيرون منهم قرأوا..
خالد :- يعني
الكتب ا حققت لك ثروة كبيرة..
( رواية ارض زيكولا )

رد الرجل :
. لا.. ليست إلى هذا الحد.. إن أسعار الكتب رخيصة للغاية.. ثم صمت، وتنهد:
– ربما كفاني أن أبيع كتابا واحدا مثل كتاب بعته..
سأله خالد متشوقا:
– أي كتاب؟
رد العجوز:
– كان كتابا قد اشتراه مني رجل بأغلى سعر شهدته زيكولا..
فاندهش خالد :
( رواية ارض زيكولا )
72
– لازم كان كتاب ثمين..
ابتسم العجوز:
. لا أعتقد هذا .. وقتها لم أقرأ منه سوى سطور .. ولكنني حين رأيت ذلك الرجل
يحتاجه بقوة طلبت منه أغلى سعر.. ثم ضحك، وتابع:
– يبدو
أنه كان يحب الخيال.. إن الكتاب كان يتحدث عن أرض أخرى .. وعن وهم
يسمى سرداب فوريك..
***

رواية ارض زيكولا الفصل الثامن


( رواية ارض زيكولا )
73
(8)
تسارعت ضربات قلب خالد، وانتفخت عروقه بدمائه حين سمع العجوز ينطق
كلمة “سرداب فوريك” وأرضا أخرى غير زيكولا.. وسأله في لهفة:
– سرداب فوريك ؟!!
عليل
رد العجوز :
– نعم.. أتذكر هذا الاسم جيدا..
سأله مرة أخرى:
– والكتاب كان بيتكلم عن إيه في سرداب فوريك؟
رد العجوز في هدوء:
– لا أتذكر يا ولدي.. كان هذا منذ وقت طويل.
( رواية ارض زيكولا )
– والكتاب كان كامل؟.. مكتمل؟
– نعم يا ولدي..
خالد وقد بدا متوترا:
– فيه منه نسخة تانية؟
رد العجوز :
74
. لا أعتقد.. إنني لم أر كتابا يتحدث عن ذلك السرداب إلا ذلك الكتاب..
– وألاقي الرجل ده فين؟.. هو موجود في زيكولا؟..
أجابه العجوز، وقد اندهش من أسئلته الكثيرة :
– لم أر هذا الرجل إلا مرة واحدة.. قد يكون هنا في زيكولا، ولكنه ليس بمنطقتنا.
وقد يكون خرج منها.. لا أحد يدري..
وسأله :
– لماذا أنت مهتم إلى هذا الحد.. هل تحب الخيال؟
رد خالد:
– أنا لازم ألاقي الكتاب ده.. الكتاب ده الأمل الوحيد لي لما أخرج من زيكولا..ثم سأله:
– تقدر توصف لي الرجل اللي اشتراه؟
فصمت العجوز وكأنه يتذكر:
– كان رجلا عاديا.. كان طويلا مثلك، وكان ذا كتفين عريضين مثلك أيضا..
ثم تابع بعدما صمت لحظات أخرى :
– وكانت لهجته غريبة مثل لهجتك، تشبه لهجة تجار الشمال التي نفهمها
بصعوبة..
فسأله خالد على الفور:
– هل تذكر اسمه؟
فابتسم
العجوز:
– إنني أتذكر اسمي بصعوبة..
فہمس خالد إلى نفسه:
( رواية ارض زيكولا )
75
– طويل.. وجسمه يشبه جسمي.. ولهجته غريبة.. وكان بيدور على كتاب سرداب
فوريك.. معقول يكون هو؟
فقاطع تفكيره العجوز :
– لماذا الصمت؟ أين شرد ذهنك؟
رد خالد:
– لا .. مفيش حاجة.. أنا محتاج أشتري أقلام وأوراق..
ابتسم العجوز: بالطبع يا ولدي.. لك ماشئت..
***


( رواية ارض زيكولا )


اشتري خالد بعض الأوراق والأقلام التي احتاجها.. كانت الأوراق سميكة بعض
الشيء تميل إلى الصفرة.. أما الأقلام فكانت أسطوانات خشبية رفيعة ذات سن
، وبداخلها خزان صغير للحبر.. واشترى معها زجاجة من الحبر الإضافي..
وانصرف عائدا إلى البحيرة، وتفكيره لم يتوقف لحظة واحدة منذ حديث هذا
العجوز.. يسأل نفسه :
– معقول يكون الرجل اللي اشتري الكتاب هو والدي ؟!..
ثم يعود لنفسه:
– ليه لأ؟ الكل كان بيقول إني طويل زيه.. وإني عريض برضه زيه.. وكمان نزل
السرداب.. وكلام العجوز، وإن لہجة الرجل كانت غريبة.. أكيد هو..
ثم نظر إلى السماء:
– معقول يكون لسه عايش هو وأمي.. معقول أشوفهم بعد السنين دي كلها.. هنا..
في زيكولا؟ !!
ونظر إلى البحيرة، وسأل نفسه:
( رواية ارض زيكولا )
76
– طب لو كان حد تاني؟
– ومين اللي هيشتري كتاب زي ده بأغلى سعر.. وهنا الناس كلها بخيلة، وكتاب زي
ده ملوش أي قيمة عندهم؟
– ممكن يكون حد بيحب المغامرة.. عنده نفس الدوافع اللي نزلتك هنا.. أو ممكن
يكون حد نزل السرداب غيرك أو غير أبوك أو أمك .
– لا.. هو أبوك .
. لا حد تاني..
. لا.. أكيد أبوك..
يجلس أمام نار أشعلها على شاطئ البحيرة.. ويواصل حديثه إلى نفسه:
– مهما كان الشخص ده، سواء كان والدي أو غيره.. معنى إن الكتاب موجود إن
الأمل أصبح موجود..
– أكيد اللي كتب الكتاب ده، عارف ازانيأقدر أرجع لمصر تاني..
ثم علا صوته :
– أنا لازم ألاقي الكتاب ده.. لازم.. حتى سمع صوتا من .
خلفه:
– أي كتاب؟
***

( رواية ارض زيكولا )


التفت خالد حين سمع هذا الصوت، ففوجئ بأنها أسيل وقد اقتربت منه.. فنطق
مبتسما:
– أسيل؟!
فردت مبتسمة:
– نعم.. ثم سألته بعدما جلست بجوارہ:
77
– هل تتحدث إلى نفسك هكذا دائما؟
فأجابها:
– أوقات.. بس أنا خلاص تفكيري مش قادر يتحمل..
.لماذا؟
– النهارده اكتشفت إن فيه أمل أقدر أرجع به لوطني.. بس أمل بعيد…
– أي أمل؟
– عرفت إن فيه كتاب…
فقاطعته أسيل:
– مهلا.. أتعلم أنني لا أعرف اسمك بعد أيها الغريب.. وتابعت مبتسمة :
– لم تخبرني به المرة السابقة..
است معدات الدي ته
حسبيك
فابتسم
خالد:
– اسمي خالد.. خالد حسني..
فابتسمت : خالد.. اسم جميل..
فتابع :
– اكتشفت إن فيه كتاب تاني كان بيتحدث عن السرداب اللي جيت منه..
فسألته :
– أي سرداب ؟!!
فأجاب:
– سرداب فوريك..
( رواية ارض زيكولا )
78
– في الحقيقة أنا لا أفهم شيئا.. لقد جئت اليوم كما أخبرتك أنني أود أن أستمع إلى
قصتك.. وكيف دخلت إلى زيكولا ..
فابتسم مداعبا لها:
– أيوة جيتي.. بعد شہر!!
فابتسمت:
– نعم، كان شہرا مزدحما بالعمل.. ولم يسمح وقتي أن آتي إلى هنا.. ولكنني دائما
كنت أتذكرك.. ولم أنس إنقاذك للفتى دون مقابل.. وكنت أعلم أنني سأتي إلى
البحيرة يوما كي أستمع إلى قصتك..
فضحك خالد :
. كنت في بالك؟!!
فأومأت برأسها:
– نعم.. لم تغادر تفكيري، لا أدري لماذا..
فزاد سروره .. ثم سألته:
– هل كنت تنتظرني؟
– أنا.. لا.. ثم ابتسم:
– الصراحة.. آه.. و كنت بدأت أفقد الأمل.. بس النهارده كأنه .
يوم
الأمل.. أعرف إن
فيه كتاب موجود.. وإن أسيل الجميلة كمان هنا..
فاحمر وجهها خجلا ونظرت إليه:
– ها حدثني عن بلدك.. وعن هذا الكتاب الذي وجدته..
فصمت قليلا.. ثم بدأ يتحدث:
( رواية ارض زيكولا )
79
– انتي تعرفي إني من أول ما دخلت إلى زيكولا من شهر.. ومحدش يعرف أي حاجة
عن بلدي.. حتی يامن صديقي كل اللي يعرفه إن بلدي موجودة في الشمال.. وأنا
مش عارف فين الشمال ده أصلا..
وأكمل :
– في البداية كنت فاكر أهل زيكولا مجانين.. دلوقتي خايف اتكلم عن بلدي
يفكروني أنا المجنون.. ثم نظر إليها وسألها:
– انتي هتصدقيني يا أسيل؟
فابتسمت ، وقد ضاقت عيناها:
– نعم.. أرى أنك صادق يا خالد..
أكمل:
( رواية ارض زيكولا )
– أنا مش عارف فين زيكولا دي.. أو بيجانا اللي هي بلدك.. أول ما جيت هنا فكرت
إن زيكولا من البلاد المعزولة اللي عمري ما سمعت عنها.. زي البلاد اللي كنا
بنشوفها في التلفزيون..
فقاطعته أسيل في دهشة:
( رواية ارض زيكولا )
– ماذا؟
فضحك خالد:
– أكيد انتي متعرفيش التلفزيون.. بس هشرح لك كل حاجة بعدين.. وتابع:
– المهم إني كنت مفكر إن زيكولا معزولة.. وإن أهلها معزولين، وميعرفوش حاجة
عن العالم.. زي الهنود الحمر كده لما اكتشفهم کریستوفر كولومبوس..
فقاطعته مجددا:
– من؟ !!

( رواية ارض زيكولا )
80
فضحك خالد :
– أقولك على حاجة.. اسمعيني وبس.. مش هتفهمي مني حاجة دلوقتي.. ثم سألها:
– انتي تعرفي مصر؟
أجابته وكأنها تسمع الاسم لأول مرة :
– مصر؟! لا أعرفه..
– طب تعرفي أمريكا.. الصين.. أفريقيا.. استراليا؟!
– ما تلك الأسماء؟!
– دي أسامي بلاد العالم بتاعي.. أنا بلدي اسمها مصر.. بنتكلم نفس لغتكم.. اللغة
العربية.. بس بالعامية زي كلامي كده..
– أه .. وأين مصر؟!
أجابها:
– زي ما بسأل نفسي بالظبط أين زيكولا.. هتكون نفس الإجابة لينا..
فسألته:
– هل هي كبيرة مثل زيكولا ..
فضحك وسألها:
– هو عدد الناس في زيكولا كام؟!
فابتسمت ووقفت وتحركت تجاه البحيرة.. ثم إلتفتت وردت:
– كثيرون للغاية.. قد يتعدى ثلاثمائة ألف.. هذا غير البلاد الأخرى.. آلاف أخرى..
فوقف خالد
هو
الأخر
– عدد سكان مصر فوق التمانيين مليون نسمة..
( رواية ارض زيكولا )
81

فنطقت غير مصدقة:
– ماذا؟ !!
فأكمل ضاحكا :
– أمال لو عرفتي عدد سكان بلد تانية اسمها الصين اللي عدي المليار.. ولا عدد
سكان الهند.. أقولك.. عدد سكان العالم بتاعى أكتر من ستة مليار نسمة..
فنظرت إليه وبدأت تعد على أصابع يدها، وكأنها تتخيل العدد ثم سألته:
– وكيف يأكل كل هؤلاء الناس؟
فضحك قائلا:
– اطمني.. كله بياكل…
ثم سألته:
اعصا
– ومصر بلدك.. جميلة؟.. تحيها؟!!
ابتسم خالد ثم نظر بعيدا إلى البحيرة.. وصمت مفكرا قليلا.. ثم تنهد وتحدث:
– كان عندنا شاعر جميل اسمه صلاح جاهين قال:
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
مالكة الأرض شرق وغرب
وبحبها وهي مرمية جريحة حرب
بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
وأكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء..
ثم توقف وحدثته أسيل وكأنها تريد المزيد
– ماذا بعد.. أكمل..

( رواية ارض زيكولا )
82
فضحك:
. لا.. أنا حافظ دول بس..
فضحكت أسيل.. ثم أكمل خالد:
– العالم بتاعي بيختلف عن هنا كتير.. عندنا کهربا وإذاعة وتلفزيون.. وانترنت،
وبنتعامل بالنقود..
– ماذا.. ما كل هؤلاء؟!
رد: مش هتفهمي قصدي لو قعدت أشرح لك سنة كاملة.. بس إحنا عالمنا متطور
إلى حد كبير
فسألته:
– هل تعيشون بالفضاء؟
– لا لا.. إحنا بنعيش على الأرض.. وعندنا مياه، وصحرا.. وبنات حلوة زي هنا..
فتغير وجهها ثم سألته على الفور بعدما تحدث عن جمال البنات:
– وكيف جئت إلى هنا؟
– كنت في يوم زعلان.. فحب جدي يخفف عني، فكلمني عن سرداب تحت قريتي اللي
اسمها الهو فريك.. اسمه سرداب فوريك.. ومن أول ما حكى لي، ومش عارف إيه
اللي حصل لي.. لقيت عندي رغبة قوية إني أنزل السرداب ده، و وأكتشف اللي فيه..
***
بعدها ظل خالد يحكي ما حدث له منذ نزوله إلى السرداب حتى وصل إلى تلك
الأرض.. وقابل الفقيرين بالصحراء.. وتشبث بعربتها مع بامن.. ودخوله إلى زيكولا ..
وعلمه أن التعامل بها بوحدات الذكاء.. ثم نظر إليها:
( رواية ارض زيكولا )
83
– لما شفت العربات، والأحصنة، والدروع، والسيوف.. فكرت إني انتقلت بالزمن
في الماضي.. بس فوجئت إن الجميع هنا بيقولوا إننا في أواخر 2009.. وده نفس
التوقيت في بلدي..
ردت أسيل :
– نعم نحن على أعتاب العام العاشر بعد الألفين..
أكمل خالد:
– دي
الحاجة اللي هتجنني.. ومش قادر أستوعها.. ازاي احنا في 2009.. وحياتكم
هنا بتقول إنكم من قرون؟!.. وتابع:
– ولما اتأكدت من إن التعامل بالذكاء فعلا مش كلام مجانين.. بقيت متأكد إن
السحر هنا مسيطر على المدينة.. أنا خلاص مش قادر أفكر..
فقاطعته:
. لا أعتقد أنك محق بهذا.. إن الحياة هنا هكذا.. لماذا لا تقول إن السحر يسيطر
على بلدك أنت.. ويجعلكم تتعاملون بطريقة أخرى.. كيف تتعاملون بورق؟!.. أرى
هذا سحرا.. في بلدي القديمة بيجانا کنا نتعامل بالمقايضة.
رد خالد: أيوة المقايضة حاجة طبيعية..
– هنا في زيكولا التعامل هكذا يا خالد.. هل كانت عملة بلدك مصر في كل البلدان؟
– لا.. كل بلد لها عملة..
– وهكذا هنا.. العملة الذكاء.. لست أنا أو أنت من فرضها..
فصمت لحظات ثم قال :
– الواقع دلوقتي بيقول إنه اتحكم عليا إني أفضل سنة كاملة في زيكولا.. ونفسي
السنة دي تعدي بأقصى سرعة.. نفسي أرجع لبلدي.. أرجع لحياتي الطبيعية..
( رواية ارض زيكولا )
84
وعاد بظهره.. وأسنده إلى الأرض واضعا يديه خلف رأسه.. ونظر إلى السماء.. حتى
نطقت أسيل:
– قصتك غريبة بالفعل يا خالد.. ولو سمعها غيري لظن أنك مجنون ثم ابتسمت:
– ولكنني أصدقك.. ولن أتركك حتى تحدثني عن التل.. اون هذا.. في القريب.. ولكن
اليس الأن..
فابتسم ثم تذگر شيئا وقام مسرعا إلى جانب الشجرة.. وحدثها:
– أنا
عندي دليل..
ثم عاد إليها.. ومعه ساعة يده التي توقفت.. فسألته:
– أهذا التلفز ..ون..؟!!
فضحك خالد:
– لا.. دي ساعة.. بنحسب بيها الوقت..
فنظرت إلى الساعة بدهشة:
– إنها عجيبة..
فابتسم:
– لو كانت بتشتغل كنت قلت لك اقبليها هدية .. بس دي ملهاش قيمة دلوقتي..
فابتسمت :
– إنك كريم..
ثم نظرت إلى الساعة:
– كيف تقيس تلك الآلة الوقت؟.. إننا هنا نقيسه بطريقة أخرى تماما.. إنه عمل
يقوم به أشخاص، ويأخذون راتهم.
أجابها :

( رواية ارض زيكولا )


85
– في الحقيقة أنا مش عارف هي بتقيس الوقت ازاي .. ثم سألها وكأنه يريدها أن
تبقى معه مدة أطول وألا تغادر:
– هو الوقت بيتحسب ازاي في زيكولا؟
أجابته :
– تری ضخامة سور زيكولا.. كلما أشرقت الشمس حتى تشرق اليوم التالي يحسب
يوما.. وتنحت علامة على السور.. ثم تمر سبعة أيام فتنحت علامة أخرى
للأسبوع.. وما إن يأتي الشهر بعد ثلاثين يوما حتى تنحت علامة مختلفة.. ويأتي
العام بعد إثنتي عشرة من علامات الشہور.. فتنحت دائرة مميزة.. إنهم عمال
كثيرون ولهم أجر لعملهم.. يسمون (عمال الوقت.. وأكملت :
– ولكن الغريب والذي لاحظته.. أننا ندرك أننا في نهاية عام ألفين وتسعة.. وهذا لا
أعتقد أنه يتوافق مع عدد السنوات على السور .. والتي لا تكمل نصف هذا العدد
من السنين.. ولكنني لا أشغل بالي بهذا
فقال خالد:
معده و رکود با
– زيكولا.. كل شيء غريب تجده في زيكولا..
ثم أكمل:
– النهارده بالصدفة عرفت إن فيه كتاب تاني عن سرداب فوريك.. وإن حد اشتراه
من سنين.. والكتاب ده بيمثل الأمل ليا.. وإني أرجع لبلدي .. وتابع:
– الأكبر من كدة إني حاسس إن اللي اشتري الكتاب ده ممكن يكون والدي..
فصمتت أسيل وكأنها تفكر ثم قالت:
– إنني لم أسمع عن هذا الكتاب من قبل.. ثم سألته:
– ماذا ستفعل؟ .. هل ستسأل كل شخص عن هذا الكتاب؟
( رواية ارض زيكولا )
86
فأجابها:- أنا هدور على الكتاب في كل مكان.. لازم ألاقي الكتاب.. أكيد الكتاب ده
هو اللي هيجيب عن كل أسئلتي..
فابتسمت أسيل:
– أتمنى أن تجده.. وأن أستطيع مساعدتك يا خالد.. ثم نهضت:
– علي أن أغادر الآن.. لقد تأخر الوقت كثيرا، ولدي الكثير من العمل بالغد.. أظن
أننا تحدثنا بما يكفي لحديث شهر كامل.. ثم أكملت، وهي تسير :
– ولكنني أحببت هذا الوقت معك يا خالد…
***
غادرت أسيل، وظل خالد يقظا.. يفكر كثيرا ثم يقطع تفكيره بابتسامة حين يتذكر
حديثه مع أسيل.. وظل هكذا حتى أشرقت الشمس دون أن يغفوله جفن.. فاتجه
مسرعا إلى مكان عمله.. وكعادته قابل من يأخذون منه الوحدتين مقابل حمايته..
فأثر أن يعطيهم الوحدتين.. ثم وجد يامن فنادى عليه:
– يامن..
رد يامن:
– أهلا خالد..
– عايز منك طلب.. عايز أشتري حصان ..
فسأله في دهشة:
– حصان؟ !!
– أيوة
– لماذا؟!!

( رواية ارض زيكولا )


87
فلم يجد مفرا إلا أن يخبر يامن بالحقيقة. وأنه يريد ذلك الحصان كي يبحث عن
الكتاب في جميع مناطق زيكولا.. حتى بدا يامن وكأنه لا يصدقه.. ولكن هذا لم
يشغل بال خالد.. وطلب منه أن يدله على مكان لبيع وشراء الأحصنة.. حتى نظر
إليه يامن متجاهلا قصته:
– إن هذا سيكلفك كثيرا .. ربما يكلفك مائة وخمسين وحدة..
رد خالد :
– أنا موافق ..
فتابع يامن :
. خالد.. هذا سيأخذ من مخزونك الكثير..
– مش مهم .. المهم إني ألاقي الكتاب..
– حسنا كما تريد.. سأخبرك أين تجد مكانا تبتاع منه حصانا قوا.. ولكن أين
ستبحث؟.. نحن هنا في المنطقة الشرقية حيث باب زكولا وأرض الاحتفال
وصناعة الطوب.. هناك أربعة مناطق أخرى غيرنا.. المنطقة الشمالية، والمنطقة
الجنوبية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الوسطى التي يوجد بها الحاكم.. وكل
منطقة تختلف عن الأخرى وعن منطقتنا.
فأجابه: أنا هدور في كل مكان.. لازم ألاقي الكتاب.. أو اللي اشتراه.
فسأله يامن: وعملك؟ !
رد خالد:
– عندي مخزون كبير زي ما قلت..
– خالد.. أخشى أن تقترب من مخزونك كثيرا فتندم على ذلك..
– ده أمل مقدرش أتركه.. عرفني بس منين أشتري حصان ..
( رواية ارض زيكولا )
88
. حسنا.. ولكن ماذا إن وجدت الكتاب.. ولم تجد به ما ينفعك.. وقد أنفقت الكثير
من ثروتك ، وجاء يوم زيكولا؟!
أجابه خالد:
– لو جه يوم زيكولا.. أعتقد إن هيكون فيه كتير أفقر مني.. وأنا واثق إني بالكتاب
ده هقدر أرجع لبلدي.. حتى لو فقدت أكبر قدر من الذكاء ..
فصمت يامن قليلا.. ثم قال:
– ولكنك نسيت شيئا هاما لا تعرفه.. إن نجحت في ذلك وفقدت جزءا كبيرا من
ثروتك.. ستعود إلى وطنك كما خرجت من هنا.. مريضا.. لست ذكيا على الإطلاق..
لن يميزك عن غيرك سوى شيء واحد.. فسأله خالد متعجبا:
– إيه هو؟
رد يامن:
– الغباء يا صديقي..
***

رواية ارض زيكولا الفصل التاسع

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا

( رواية ارض زيكولا )


89
(9)
أخبر بامن خالدا بأنه تجاهل شيئا لا يعرفه، وأنه إن فقد ثروته مقابل ذلك
الكتاب، سيخرج من زيكولا كما هو.. أقل ذكاء.. لا يمتلك إلا الغباء .. فاتسعت
حدقتا عينيه وكأن صاعقة أصابته:
– إيه؟!!.. انت بتقول إيه؟!
رد يامن:
– تلك
هي
الحقيقة يا خالد.. عليك أن تحتفظ بذكائك حين تخرج من زيكولا حتى
تعود إلى بلدك كما كنت.. أو تعمل وتحقق ثروة فتعود أكثر ذكاء.. أما إن فقدت
ذكاءك هنا وقد خرجت.. ثم صمت قليلا وأكمل :
– فكيف تسترده بعد ذلك؟
فصمت خالد مرة أخرى من الصدمة.. وحدث نفسه في ضيق:
– الكتاب أو الغباء.. ثم غضب، وترك ياما الذي علا صوته تجاهه:
– ماذا ستفعل.. ازلت تريد أن تشتري حصانا؟
فلم يجبه وسار هائما مبتعدا عن مكان العمل، لا يعلم ماذا سيفعل وماذا يقرر..
***
( رواية ارض زيكولا )
90
غادر خالد مكان عمله.. وما إن غادر حتى وصلت أسيل إلى ذلك المكان، وكأنها
تبحث عنه.. وسألت بعض الفتيان أين تجده.. فأخبروها بأن تجد يامنا صديقه
المقرب.. حتى وجدت ياما الذي كان يعمل بتقطيع الصخور.. د فسألته:
– أنت يامن؟
فنظر إليها مندهشان
– أسيل الطبيبة !!.. نعم،
أنا يامن ..
فسألته: أين خالد؟
فزادت دهشته، وسألها:
– تريدين خالدا؟!
ردت: نعم ..
– لقد غادر العمل غاضبا..
فسألته في لهفة: لماذا؟!
– إنها قصة طويلة.. ربما لن تصدقيها..
فصمتت قليلا ثم سألته:
– الكتاب؟!
– أتعرفين قصة الكتاب؟!
أجابته :- نعم.. أعرف كل شيء.. لماذا غادر غاضبا؟
فأخبرها بقصة ذلك الحصان الذي يريد خالد شراءه كي يبحث عن الكتاب في
أرجاء زيكولا.. وأكمل حديثه حين قال:
– والآن لا أعرف أين هو.. فابتسمت أسيل :
– ولكنني ربما أعرف ..
ثم شكرته، وغادرت.. وابتسم يامن حين غادرت قائلا: لم أرها في حياتي تهتم
بشخص هكذا
***


91 ( رواية ارض زيكولا )

وصل خالد إلى شاطئ البحيرة مرة أخرى، وجلس والحزن والضيق يكسيان
وجهه.. ثم اتجه إلى أغراضه بجوار شجرة البحيرة.. وأخرج أقلامه وأوراقه التي
اشتراها.. وقرر أن يكتب أي شيء.. لا يدري ماذا يكتب، ولكنه يعلم أنه لا سبيل
للخروج من ضيقه سوى أن يكتب.. كما كان يفعل دائما حين يرفضه والد منی،
وكان يكتب وريقاته، ويعلقها على حائط غرفته.. وأمسك بقلمه.. وبدأ يرسم
خطوطا، ويكتب كلمات غير مفهومة.. حتى كتب: “ماذا أفعل؟.. بعدها فوجئ
بأسيل تقترب منه.. وقالت مبتسمة :
– كنت أعرف أنني سأجدك هنا.. وسألته:
– لماذا لم تعمل اليوم؟
فأجابها غاضبا :
– وأشتغل ليه؟!.. أنا كرهت كل حاجة هنا .
فابتسمت في هدوء ..تريد أن تخفف من غضبه:
. حسنا.. ماذا فعلت بعدما تركتك بالأمس؟
فأخبرها بأنه لم يفعل شيئا.. وظل يقظا حتى أشرقت الشمس فتابعت:
– لست وحدك من أصابك الأرق.. أنا أيضا لم أنم..
فنظر إليها في دهشة.. حتى أكملت:
. كنت أفكر كيف تجد كتابك..
ثم سارت بضع خطوات بعيدة عنه.. بعدها التفتت إليه وقالت:
– تريد أن تبحث في كل مناطق زيكولا .. وأنا أريد أن أساعدك في هذا ..
ثم ابتسمت:
– وهنا في زيكولا لا أحد يساعد غيره دون مقابل.. ثم صمتت برهه وأكملت:
– وأنت لا تريد أن تعمل.. ثم نظرت إلى أسفل:
( رواية ارض زيكولا )
92
– ولهذا لن أستطيع مساعدتك ..
ثم سارت بضع خطوات أخرى.. وتحدثت إلى نفسها بصوت يسمعه خالد :
– ولكن ربما يفكر خالد الذكي.. ويريد أن يعمل.. وبعدها قد يساعده عمله..
فنظر إليها خالد :
– أنا مش فاهم حاجة ..
فابتسمت أسيل:
– خالد.. أنا أذهب إلى كل مناطق زيكولا عدا المنطقة الشمالية.. وجئت إليك
اليوم كي أقدم لك عرضا ..
فسألها في دهشة:
– عرض؟!!
أجابته:
– نعم.. ما رأيك أن تأتي معي إلى تلك المناطق، وتعمل مساعدا لي جزءا من اليوم..
وقد أعيرك أحد أحصنتي إن احتجته باقي اليوم لتبحث عن صاحب الكتاب كما
تشاء بالمكان الذي نتواجد به..
ثم أكملت وأشارت إليه بأصبعها:
– ولكن عليك أن تعود إلي مبكرا في اليوم التالي.. أنا أحب أن يلتزم من يعمل معي..
خالد ومازالت الدهشة منطبعة على وجهه:
. أعمل معك ؟!!
– نعم
– بسا أنا مبفهمش حاجة في الطب .
فسألته:
– وكيف أنقذت الفتي؟!

( رواية ارض زيكولا )

93
أجابها:
– زي ما قلت لك قبل كده، دي دورة إسعافات أولية.. بس مش معنى كده إني
بفهم في الطب..
– حسنا.. أشعر أنك ستتعلم كثيرا.. وقد نجد غرق، فلن أجد أفضل منك
لإنقاذهم ..
فسألها:
– أسيل .. هو انتي الطبيبة الوحيدة في زيكولا؟
ردت:
ست السعار
– لا .. هناك العديد من الأطباء.. ولكني أكثر مهارة.. وهذا ما جعلني طبيبة الحاكم
وأسرته.. وطبيبة زيكولا الأولى رغم سني الصغيرة ..
ثم سألته :
– هل توافق؟
فصمت مفكرا، وطال تفكيره.. فالتفتت أسيل، وسارت خطوات مبتعدة عنه..
وقالت:
– أرى أنك حقا لا تحب الطب .. وابتعدت، حتى نطق خالد بصوت عالي:
– أسيل .. أنا موافق..
فابتسمت دون أن تريه وجهها.. وقد ضاقت عيناها بعدما سمعت كلماته.. ثم
توقفت، والتفتت إليه مجددا:
– حسنايا مساعدي.. عليك أن تعد نفسك، وأن تنام جيدا اليوم.. غدا سنذهب
إلى المنطقة الوسطى التي يتواجد بها حاکم زيكولا ..
***

( رواية ارض زيكولا )

94
غادرت أسيل، أما خالد فقد امتلك من السعادة ما لم يمتلكه من قبل في زيكولا..
حتى كاد يرقص فرحا.. وحدث نفسه: أنا مساعد أسيل .. أنا مساعد أسيل .
ثم عاد مسرعا إلى أغراضه.. وأمسك القلم من جديد، وبدأ يكتب.. بعدما فكر
قليلا: “أسيل.. تلك الحورية التي وجدتها في زيكولا .. ربما كنت أظنها جميلة الوجه
فقط حين رأيتها للمرة الأولى .. ولكنها تمتلك كل ما هو جميل.. إن اليوم أسعد أيامي
في تلك المدينة..”
ثم ترك القلم، ووضع الأوراق بجواره، ثم أخفاها بأغراضه.. ونظر إلى ملابسه..
وحدث نفسه بأنه اشتراها حين دخل إلى زيكولا منذ أكثر من شهر، ولا يمتلك
غيرها.. فعزم على أن يذهب إلى شوارع المدينة.. وأن يشتري را جديدا يناسب
وظيفته الجديدة.. وذهب بالفعل، واشترى بما ليس بغالي الثمن.. وقد اندهش بائع
الملابس.. وسأله :
– كيف تشتري زا آخر بعد شهر واحد فقط..
ولكن خالد لم يعبأ بذلك.. وعاد إلى شاطئ البحيرة مرة أخرى.. وظل هناك حتى
حل الليل، وهو ينتظر أن يأتي صباح اليوم التالي في أسرع وقت .
***
في صباح اليوم التالي.. نهض خالد من نومه، وكعادته ألقى بجسده في البحيرة
ببنطاله القديم.. بعدها ارتدى زيه الجديد.. وظل في انتظار أسيل حتى وجد عربتها،
يقود حصانها سائق،ت قترب.. فأسرع إليها.. وركب العربة بجوارها.. وتحركت
العربة في اتجاهها إلى المنطقة الوسطى.. بعدها نظرت أسيل إلى زيه الجديد:
– مبارك عليك الزي الجديد..
ضحك خالد:
– لازم مساعدك يشرفك في أي مكان.. ثم سألها:
( رواية ارض زيكولا )
95
– إحنا هنعمل إيه في المكان اللي احنا رايحين له؟
ردت
أسيل:
– المنطقة الوسطى يعيش بها الحاكم وأسرته.. وقد أرسلوا إلي كي أذهب إلى هناك
اليوم.. قد يكون أحدهم مريضا..
فسألها:
– طب ليه انتي مش ملازمة الأسرة الحاكمة طول الوقت؟!
أجابته:
– لقد طلب مني الحاكم ذلك بالفعل.. ولكنني رفضت..
خالد في دهشة:
– رفضتي؟!
أجابته مبتسمة:
عقيل
– نعم.. لا أريد أن أكون أسيرة لمكان بعينه.. حتى لو كان الحاكم..
خالد وهو مازال مندهشان
– تقدري ترفضي طلب للحاكم ؟!
– إنه حقي.. ولدي من الحرية ما يجعلني أتحكم بإرادتي.. وأنا أحب الانطلاق.. لا
أريد أن يقيدني أحد..
فصمت خالد ثم سألها سؤالا جال بخاطره:
– هو نظام الحكم هنا في زيكولا ملكي؟
ردت أسيل:
– لا .. إن حاكم زيكولا يظل بالحكم خمس سنوات.. ثم يأتي حاكم غيره يختاره أهل
زيكولا ..
( رواية ارض زيكولا )
96
فاندهش خالد كثيرا :
– خمس سنوات بس؟!!!
– نعم
– ومفيش تجديد ؟!
– لا.. كل حاكم له خمس سنوات فقط.. ألا تكفي تلك المدة.. أرى أنها كافية لكل
حاكم هنا كي يأتي غيره، ويكمل مسيرة التقدم لزيكولا، ويستفيد من أخطاء من
سبقه.. ولهذا زيكولا تتقدم عن البلاد الأخرى.. ألستم كذلك في بلدك؟
ضحك خالد ثم فرك شعره.. وصمت، وحاول أن يختلق موضوعا آخر للنقاش..
ثم حدث نفسه:
– أنا دلوقت متأكد إن زيكولا ليست لها أي صلة بالوطن العربي إلا اللغة العربية..
حتى قاطعت صمته أسيل:
– لماذا الصمت؟
فضحك: لا.. ولا حاجة.. لسه وقت كتير على المنطقة الوسطى؟
فنظرت أسيل من نافذة العربة ثم أجابته:
– لم يتبق إلا القليل.. ثم تابعت:
– ستساعدني حين يكون عملي مع الرجال فقط.. أما النساء فلا أريد مساعدتك في
شيء
فضحك خالد مداعبا لها:
– ليه؟
فابتسمت ثم أكملت:
( رواية ارض زيكولا )
97
– يمكنك أن تنصرف وقتها.. وأن تبحث عن كتابك.. ولحسن حظك تلك المنطقة
صغيرة.. لا يوجد بها سوى قصر الحاكم، وبعض قصور الأثرياء..
***
مر الوقت.. ووصلت العربية إلى تلك المنطقة التي يقصدونها.. ونظر خالد من نافذة
العربية، واندهش حين وجد تلك القصور العالية وزخارفها الرائعة التي تزينها من
الخارج.. وشاهد الكثير من الحراس يقفون أمام قصر فعلم أ أنه قصر الحاكم..
حتى توقفت أمامه العربة، ونزلت أسيل ومعها خالد حاملا حقيبتها القماشية..
واتجها إلى داخله.. وخالد يتلفت حوله كلما سار، ويشاهد البراعة المعمارية
مستمتعا، ولاحظت أسيل ذلك بعدما تلكأ في خطواته.. فحدثته مبتسمة:
– على مساعدي أن يسرع.. ليس هناك وقت للتأمل..
فابتسم، وأسرع حتى دخلا معا إلى بهو القصر.. وهناك وجد رجلا تبدو عليه
الفخامة والنفوذ.. وبجواره العديد من الأشخاص الذين بدا عليهم الثراء أيضا..
يرتدون ملابس مزركشة يكفي ثمن إحداها لإنقاذ عشرات الأشخاص من الذبح،
ثم انحنت أسيل.. وانحنى معها خالد.. بعدها تحدث الحاكم إلى أسيل:
– لقد جئت في موعدك أيتها الطبيبة.. ثم سألها:
– من هذا؟ ! وأشار إلى خالد..
فأجابت: إنه مساعدي يا سيدي..
فتابع الحاكم:
– لن تحتاجية اليوم.. لا أريدك فقط سوى أن تداوي زوجتي.. أشعر أنها ليست
بخير في الأيام السابقة..
فانحنت أسيل مرة أخرى.. ثم عادت إلى خارج بهو القصر.. ومعها خالد وحدثته
مبتسمة:
( رواية ارض زيكولا )
98
– أرى أنك محظوظ.. لن تعمل اليوم، ولكنني سأرهقك بالعمل في الأيام القادمة..
ثم أشارت إليه أن ينصرف:
– لك اليوم بالكامل. ابحث عن كتابك.. ربما تجد ذلك الشخص الذي اشتراه هنا..
أما أنا فعلي أن أرى زوجة الحاكم.. لعلها بخير..
ابتسم خالد، وتركها وغادر.. وهويحدث نفسه:
– أسيل .. حورية زيكولا..
***
انصرف خالد.. وبدأ يسأل كل من يقابله عن شخص طویل وعریض مثله، ولهجته
غريبة أيضا، ولكنه يكبره سئا، ويتكلم عن الخيال.. أو عن شيء يسمى سرداب
فوريك.. فلم يجد ممن يسألهم سوى علامات الدهشة والغرابة.. ولم يكن يعلم
أحد – ممن يعملون بقصر الحاكم – شيئا عن ذلك الشخص الذي يقصده.. بعدها
خرج من القصر.. واتجه إلى القصور الأخرى، ويعلم أنه سيجد صعوبة فيما
يفعله.. ولكنه عزم على أن يتمسك بأمله.. وأن يحاول في سبيل حلمه بالعودة إلى
بلده.. وبدأ يسأل الناس من جديد.. ولكنه كلما سأل أحدا عن ذلك الشخص أو
ذلك الكتاب لم يجبه.. وظل يسأل كل من يقابله.. دون جدوى.. ومر الوقت وأصابه
وبدأ اليأس يتسرب إلى قلبه حتى مر عليه شخص فسأله. فأخبره بأن
هناك مبنى كبيرا به الكثير من الكتب.. يسمى مكتبة الحاكم لعله يجد ذلك الكتاب

أسرع خالد إلى ذلك المكان الذي وصفه له الرجل مقابل وحدتين من ذكائه.. وهناك
وجد شخصا يعمل به.. فسأله عن ذلك الكتاب لعل صاحبه قد باعه أو أهداه إلى
تلك المكتبة.. فلم يجبه الشخص.. وأخبره بأنه لا يعلم كثيرا عن تلك الكتب..
وسمح له أن يدخل إلى المكتبة مقابل خمس وحدات أخرى من ذكائه.. ووافق خالد
على ذلك.. واتجه إلى داخل المكتبة..
( رواية ارض زيكولا )
99
بعدها بدأ خالد يبحث بين الكتب.. ويبحث بين الوريقات المتناثرة.. يبحث في كل
مكان بتلك المكتبة.. لا يريد أن يترك شبرا لا يبحث به.. ويستريح لبعض الوقت ثم
يعاود بحثه مجددا حتى لا يضيع وقته.. ويزيح الأتربة المتراكمة على بعض الكتب..
ويجلس من يعمل بتلك المكتبة يشاهده دون أن يساعده.. وخالد يواصل بحثه..
يحاول أن يجد أي عنوان الكتاب يمت بصلة إلى سرداب فوريك.. ولكن دون فائدة..
فقد مر الوقت وأكمل بحثه دون أن يجد ما يريده، وغادر وعاد إلى أمام قصر
الحاکم فوجد أسيلا في انتظاره بالعربة.. فسألها إن كانت قد انتهت هي الأخرى من
عملها فأجابته بأنها انتهت من عملها بالفعل.. ثم سألها لماذا لم تغادر؟ فأجابته
مبتسمة :
– وهل أغادر دون مساعدي؟!.. ها.. ثم أمرت السائق أن يتحرك بهما إلى البحيرة ..
بعدها سألته :
– هل وجدت شيئا؟
رد خالد:
– للأسف لا .. سألت ناس كتير بس ملقتش أي جواب..
– لهم العذر في ذلك.. إنك تبحث عن شيء صعب للغاية.. تبحث عن شخص لا
تعرفه.. وعن كتاب لم يسمع به أحد..
– عارف إنه أمل ضعيف.. بس لازم ا
أتمسك
فابتسمت أسيل:
– لا تحزن يا خالد.. إنك مازلت باليوم الأول من البحث.. وعليك أن تسعد بأنك
انتهيت من منطقة بأكملها.. حتى لو كانت صغيرة.. ثم صمتت ، وأكملت:
– لدي خبر سيجعلك سعيدا..
نظر إليها خالد في لهفة:
( رواية ارض زيكولا )
100
– إيه هو؟
ردت أسيل :
– لقد اكتشفت أن زوجة الحاكم ليست مريضة.. وإنما ستستقبل مولودا قريبا..
– حامل؟
– نعم.. وأرى من أعراض حملها، أنه قد مر ثلاثة أشهر على حملها..
فسألها مندهشان
– وأنا أكون سعيد ليه؟
ردت أسيل:
– إن أنجبت كرا سيكون هناك احتفال لأهل زيكولا بذلك الطفل تكريما للحاكم..
ويقام يوم زيكولا بعد مولده بسبعة أيام.. وبالطبع سيفتح باب زيكولا قبله بيوم،
ويذبح أفقر من بالمدينة أيضا..
ثم أكملت:
– هذا يعني أن يوم زيكولا قد يكون بعد ستة أشهر فقط من اليوم..
ثم صمتت، ونظرت عبر النافذة، ولمعت عيناها بالدموع.. وأكملت:
– وقتها تستطيع أن تخرج من زيكولا..
***
( رواية ارض زيكولا )
101

رواية ارض زيكولا الفصل العاشر

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا

(10)

( رواية ارض زيكولا )


لم يتمالك خالد نفسه من الفرحة، وكأنه لا يصدق أذنيه.. وشعر بأن ما قالته
أسيل يجعله يرقص فرحا.. ثم نظر إلى أسيل:
– ست شهور؟!
ردت أسيل:
– نعم.. إن أنجبت ذكرا..
قال في فرحة، وهو ينظر إليها:
– أنا متأكد إنه هيكون ڈگر.. عارفة ليه؟

– لماذا؟!
(( لأنك وش السعد عليا.. أحلى حاجة حصلت لي في زيكولا .. )) : قال تلك الكلمات،
وقد غطت السعادة وجهه.. ثم تحدث إلى نفسه:
– ست شهور.. يارب يكون ولد.. ثم نظر إلى أسيل:
– متتخيليش أنا فرحان أد إيه.. أنا نفسي زوجة الحاكم تولد النهارده قبل بكرة..
فعادت أسيل إلى ابتسامتها الرقيقة بعدما شعرت بسعادة خالد بهذا الخبر..
وقالت:
( رواية ارض زيكولا )
102
– أنا أيضا سعيدة لأنك تشعر بالسعادة.. كنت أعلم أنك ستكون سعيدا هكذا..
ابتسم خالد ثم نظر عبر نافذة العربة إلى السماء المظلمة.. والتي كان بها نجم مميز
في تلك الليلة.. يضيء منفردا بها ومبتعدا عن مجموعة نجوم أخرى.. ثم طلب من
أسيل أن تنظر إلى ذلك النجم الذي أشار إليه:
– شايفة النجم اللي هناك ده؟
ردت أسيل:
– نعم.. إنه وحيد ومميز
فضحك:
– أنا هسميه أسيل.. ثم صمت وتحدث بعد لحظات:
– لو رجعت لبلدي يوم.. أكيد هلاقي النجم ده في السما..
ضحكت أسيل:
– أرى أن الفرحة جعلتك شاعرا..
فضحك خالد مكملا حديثه مداعبا لها:
– أكيد النجم مش في جمال أسيل.. بس هو جميل ومميز زي ما أسيل جميلة
ومميزة
فاحمر وجهها خجلا.. وصمتت، وظلت تنظر إلى خالد الذي صمت هو الآخر،
وكأنه هام بفكره.. وسرح بين
أحلامه..
***

( رواية ارض زيكولا )


103
كانت العربة تسير مسرعة، وخالد وأسيل بداخلها يتحدثان أحيانا. ويصمتان
أحايين أخرى.. وظلا هكذا حتى وصلت العربة إلى البحيرة.. وتوقفت هناك، ونزل
خالد ثم تحدثت إليه أسيل:
– الأسبوع القادم سنذهب إلى المنطقة الجنوبية..
فابتسم، وأومأ برأسه موافقا.. ثم أ
أكملت:
– أمامك سبعة أيام.. عليك أن تعود إلى عملك هنا.. لا تضيع وقتا دون عمل ..
فسألها مندهشان
– وعملي كمساعد ليكي؟!
فابتسمت:
– إن احتجت مساعدتك لي هذا الأسبوع فلن أتردد في هذا.. ولكن هنا يساعدني
الكثيرون.. ثم تابعت:
– أترك لك المساعدة في المناطق الأخرى.. ولذا أمامك أيام لا تضيعها بالجلوس على
شاطئ البحيرة.. اذهب إلى عملك مع صديقك يامن ، واجلب الكثير من الأجر..
فابتسم خالد.. وهز رأسه موافقا..
***
تحركت العربة مجددا.. وخالد ينظر إليها حتى اختفت عن أنظاره.. ثم اتجه إلى
شاطئ البحيرة.. أما العربة فواصلت تحركها في أحد الشوارع المنارة بالنيران حتى
توقفت أمام بيتي كبير.. تبدو من واجهته الفخامة والثراء، وله باب ضخم.. ونزلت
أسيل، ودلفت إلى داخل البيت المضاء بالشموع، والذي امتاز بسقفه العالي،
وجدرانه المنقوشة من الداخل، والأثاث الخشبي والنحاسي المطعم بماء الذهب..
ثم صعدت السلم الداخلي، واتجهت إلى حجرتها.. وألقت بنفسها على السرير
المتواجد بها.. ثم نهضت مجددا، وجلست أمام مراة كبيرة.. وابتسمت برقة وهي

( رواية ارض زيكولا )


104
تنظر إلى صورتها المنعكسة، وإلى شعرها الأسود الناعم الطويل الذي بدأت
تتحسسه بيدها من الأمام إلى الخلف.. بعدها هامت للحظات، وبدأت تتحدث إلى
نفسها:
– ما سر هذا الشعور بداخلك؟ .. وأي شعور هذا؟ !
– هل هو سعادة أم حزن؟
ثم نظرت إلى صورتها مجددا بالمرأة.. وتحدثت إليها:
– لماذا حزنت حين علمت بقرب خروج خالد من زيكولا ..
– لا .. أنا لم أحزن..
– لا، حزن.. نعم حزني ، ثم سألت صورتها:
– هل تحبينه؟!
صمتت قليلا ثم أجابت نفسها:
. لا أعلم .. إنني لم أعرفه سوى أيام قليلة..
– ولكنك أحببته..
– ربما أحببت حديثه وجرأته..
– أو ربما أعجبنى اختلافه عن باقي رجال زيكولا البلهاء.. البخلاء، الذين لا يفكرون
إلا في جمع ثروة تفديهم من الذبح.. حتى إنهم يخافون أن يفكروا ويستخدموا
ذكاءهم، فيقلل ذلك من ثروتهم.. نعم يعجبني أنه يختلف عن غيره…
ثم قامت، وتحركت إلى نافذة الحجرة.. وأزاحت ستارها، ونظرت إلى السماء،
وابتسمت حين رأت النجم الذي سماه خالد.. أسيل.. وظلت تنظر إليه كثيرا ثم
قالت:
– ولكنه سيرحل..
***

( رواية ارض زيكولا )

105
في اليوم التالي اتجه خالد إلى عمله القديم.. وهناك وجد ياما فصافحه، وبدأ
يعملان معا بتقطيع الحجارة.. واندهش يامن من تلك السعادة التي بدت على
وجهه، وما تبعها من حماسة في عمله فسأله:
– خالد، أراك سعيدا اليوم.. هل هناك خطب ما؟ .. هل وجدت كتابك؟
ضحك خالد:
– لا .. ولكن فيه خبر فحني.. ثم أكمل:
– احتمال أخرج من زيكولا بعد ست شهور بس..
يامن في دهشة:
– ستة أشهر فقط؟!.. كيف؟!!
ابتسم خالد :
– يوم زيكولا احتمال يكون بعد ستة أشهر بس..


( رواية ارض زيكولا )


يامن وهو لايصدقه:
– ماذا تقول؟ .. يتبقى أحد عشر شهرا على ذلك اليوم..
– لا يا صديقي.. أنا هقولك سر عرفته..
ثم أخبره بأن زوجة الحاكم ستضع مولودا بعد ستة أشهر.. وأن أسيلا أخبرته
بذلك فابتسم يامن:
– أنا سعيد لك يا خالد.. ولكنني كنت أتمنى أن تبقى هنا..
ضحك خالد:
– أنا بحبك جدا يا يامن.. بس نفسي أرجع لبلدي .. ثم نظر إليه حائران
– بس لو خرجت من زيكولا هعمل إيه؟.. عشان كده لازم ألاقي كتاب سرداب فوريك
قبل الست شهور الباقيين..
106
فابتسم يامن:
. أتمنى أن تجده.. وأن تحقق ما تريد.. ثم تابع:
– إن أطفال زيكولا سيكونون محظوظين هذا العام إن أقيم يوم زيكولا..
فنظر إليه خالد، وكأنه يسأله عن السبب.. فأكمل يامن:
– إنهم سيشاهدون لعبة الزيكولا بعدما لم يشاهدوها المرة السابقة حين هرب
الفقيران..
خالد في دهشة:
– لعبة الزيكولا؟!
رد يامن:
– نعم.. ثم تذكر أنه لم يحدث خالدا عنها من قبل.. فأكمل حديثه:
– لم أخبرك بها سابقا.. إنها اللعبة التي يقال إن أرض زيكولا قد سميت بهذا الاسم
نسبة لها.. هي في الحقيقة ليست لعبة.. إنها منافسة.. وينتظرها الجميع هنا.. في
ما تحدد الأفقر بالمدينة..
سأله خالد: ازاي؟!
أجابه :
– قبل يوم زيكولا بعدة أيام يقوم الجنود بجمع الأكثر مرضا وشحوبا بالمدينة..
يجمعون الكثيرين من الناس.. وهناك يحدد الأطباء من هم الفقراء ومن هم
المرضي حقا.. حتى يتبقى منهم عدد قليل.. وهنا يأتي دور أسيل الطبيبة.. وهي من
تحدد الثلاثة الأكثر فقرا.. ثم يأتي دور لعبة الزيكولا في اليوم السابق للذبح .. أي
يوم فتح باب زيكولا..
وصمت قليلا، وضرب صخرة بفأسه.. ثم أكمل حديثه :

( رواية ارض زيكولا )

107
– لعبة الزيكولا تكون أمام الجميع.. وهي ببساطة: قرص خشبي يدور بسرعة
معينة، وبه ثلاثة أسهم تنطلق من ذلك القرص.. ويقوم ناتو زيكولا بنحت تمثال
الكل فقير من الفقراء الثلاثة.. ويوضع هذا التمثال على بعد أمتار أمام قرص
السهام.. وعلى كل فقير أن يختار ثلاثة أماكن بتمثاله كي يحميهم من السهام…
– من يصيبه أكبر عدد من السهام يكون هو الفقير المختار.. وهكذا لا يظلم أحد
في زيكولا.
فسأله خالد:
– ومين اللي اخترع اللعبة دي؟
رد پامن:
– لا أعلم، فقد وجدناها منذ ولدنا.. إنها تجعل كل فقير مسئولا عن حياته وعن
قدره.. ربما يكون هناك فقير قد أختير أياما كثيرة من أيام زيكولا .. ولكنه ينجح في
اجتياز لعبة الزيكولا.. وهذا قدره.
فقاطعه خالد:
الكتب
– هي سهلة اللعبة دي؟
– في الحقيقة أراها أسهل ما يمكن.. والكثير منا يتنبأ بالأماكن التي تصيها السهام..
ولكن حين يصيبك الغباء فإنك لا تستطيع تحديد تلك الأماكن.. وتحمي مناطق
أخرى من تمثالك.. ثم تابع:
– عليك أن تحافظ على ذكائك حتى تجد كتابك وترحل عن هنا.. ولذا هنيا.. واصل
عملك.. ثم ابتسم وأكمل:
– ما رأيك في منافسة كبيرة في تكسير الصخور أيها السعيد.
***
( رواية ارض زيكولا )
108
مرت الأيام يوما بعد يوم.. وخالد يذهب إلى عمله لتقطيع الأحجار.. ويعود إلى
البحيرة ليلا، ويجلس أمامها لبعض الوقت ثم يغلبه النعاس متأثرا بإرهاقه. أما
أسيل فكانت تواصل عملها في مداواة المرضى.. ثم تعود إلى غرفتها، وتظل تنظر إلى
السماء عبر شرفتها.. تبحث عن ذلك النجم.. أسيل .. وعمدت ألا تذهب إلى البحيرة
في تلك الأيام حتى تتأكد من حقيقة مشاعرها تجاه خالد.. ورغم الصراع الذي كان
يشتعل بداخلها ما بين الرغبة في الذهاب إلى هناك أو المكوث بحجرتها.. إلا أنها
فضلت البقاء بحجرتها.. حتى مر الأسبوع، وجاء يوم ذهابها إلى المنطقة الجنوبية..
فاتجهت بعربتها إلى البحيرة حيث كان خالد في انتظارها.. فسألته في ابتسامة:
– مساعدي.. هل أنت مستعد للعمل؟
فابتسم خالد:
. أجل..
***
ركب خالد العربة مع أسيل.. وبدأت العربة في التحرك فسألته بعدما وجدت بعض
الأورق تظهر بين أغراضه:
– ما هذا ؟!
فابتسم خالد:
– فكرت إني أسجل بعض الأحداث هنا في زيكولا..
فابتسمت وسألته:
– وماذا كتبت؟
فضحك:
– في الحقيقة مكتبتش إلا حاجات قليلة.
فجذبت أسيل الأوراق .. وقالت:

( رواية ارض زيكولا )

109
– سأرى ماذا كتبت حتى الآن..
حتى وجدت تلك الكلمات التي كتبها عنها خالد.. وأنها حورية زيكولا فاحمر وجهها..
ونظرت إليه بطرف عينها دون أن تنطق.. فشعر خالد بالحرج بعدما قرأت كلماته
وضحك مداعبا لها:
– لا.. دي أسيل نجمة السما.. فضحكت ثم قالت:
. إنني لم أقل شيئا.. ثم صمتت.. وبدأت تقرأها من جديد .. وظلت تقرأها، وتكررها
أكثر من مرة في سرها.. حتى قاطعها خالد:
– أنا عرفت عن لعبة الزيكولا ..
فسألته: ألم تكن تعرف عنها حتى الآن؟
رد خالد: لا.. اللي كنت أعرفه إنك مسئولة عن اختيار أفقر ثلاثة بالمدينة..
. فأنا طبيبة الحاكم .
فسألها خالد: انتي بتعرفي الأفقر ازاي؟
ضحكت أسيل:
– إجابتي كلمة واحدة: الخبرة.. ثم أكملت :
– حين ينتهي أطباء زيكولا من عملهم.. يتبقى عدد قليل اختار من بينهم الأفقر.. قد
يكون هناك المريض حقا، وبالطبع إن شككت بذلك؛ أعدته إلى دياره، ولي الحق في
ذلك دون أن يراجعني أحد.. أما الفقراء فشحوهم مميز.. وأستطيع بخبرتي أن أميز
أسيل: نعم..
الأفقر منهم..
فسألها خالد:
– وهنا الفقير بيكون يمتلك كام وحدة ذكاء تقريبا؟

( رواية ارض زيكولا )


110
– إنها مسألة نسبية.. قد يمتلك شخص عشر وحدات، ويكون هناك من يمتلك
أقل منه.. وقد يمتلك ألف وحدة، ولكنه يكون الأقل فيكون الأفقر..
فضحك خالد.. وسألها مجددا:
– انتي تقدري تعرفي أنا أمتلك كام وحدة؟
فابتسمت أسيل ثم وضعت يدها على جبينه .. ثم ردت :
– تمتلك ما بين ثمانمائة وتسعمائة وحدة..
فنطق خالد خائفا:
– بس؟!!!
تكون أنت
ابتسمت أسيل كي تطمئنه: إنه ليس بالقليل..
– ولكن الكل هنا بيقول عليا غني..
– نعم.. ولكن هنا من يخبرك بأنك غني يعني فقط أنك لست فقيرا..
– عادة الفقراء هنا يمتلكون مائة وحدة أو أقل.. وعليك أن تتخيل كيف يصلون
إلى تسعمائة وحدة إن كانوا يوفرون باليوم بعد احتياجاتهم الضرورية وحدة أو
وحدتين.. قد يحتاجون عاما أو اثنين أو ثلاثة كي يصلون إلى ذكائك، في الوقت الذي
قد ضاعفت ذكاءك، وأصبحت تمتلك ضعف تلك الوحدات إن
عملت بجد في تلك الفترة من الزمن.. وهكذا تظل غنيا في نظرهم..
فتذكر خالد شيئا وسألها:
– ولكن الفقير اللي بح المرة اللي فاتت كان بيمتلك بيت ضخم.. ازاي يكون فقير؟
وكان ممكن يبيعه مقابل ثمن كبير؟!
ردت ، أسيل: ربما حاول أن يبيعه بالفعل.. ولكن ماذا لو لم يتقدم أحد لشرائه..
بالطبع سيفقد قيمته وقتها.. ثم أكملت:

( رواية ارض زيكولا )

111
– حين يقترب يوم زيكولا يخشى الجميع أن يفرطوا في وحدة واحدة من ذكائهم.. ربما
إن علموا بخبر مولود الحاكم فلن يشتري أحد أي شيء حتى ذلك اليوم..
بعدها سألها خالد مداعبا لها:
– وأسيل الجميلة تمتلك كام وحدة؟
ضحكت أسيل :
– أسيل تمتلك الكثير.. أكثر مما تتخيل..
***
مر الوقت ، وسائق العربة يأمر الحصان أن يسرع.. وخالد وأسيل يكملان حديثهما
بداخل العربة.. حتى وصلت العربة إلى المنطقة الجنوبية.. ونزل خالد من العربة
حاملا أغراضه وحقيبة أسيل.. فوجد تلك المنطقة تختلف عن المنطقة التي يقطن
بها وعن منطقة الحاكم.. فكانت مبانيها صغيرة.. تتكون من طابق واحد.. وكانت
المباني قليلة ومتلاصقة.. والشوارع بها الكثير من الأحصنة والحمير، وما نتج عن
ذلك من روث الحيوانات.. ثم نظر فوجد آلات زراعية قديمة.. حتى تحدثت أسيل
قائلة:
. لا تندهش.. إنها المنطقة الجنوبية، منطقة الزراعة بزيكولا.. الجميع هنا
مزارعون ويعملون بأراضيهم.. ويمدون زيكولا بالقمح والأرز وباقي المحاصيل.. وكل
أنواع الفاكهة ثم أكملت:
– اليوم ستساعدني.. لن تستمع بالراحة كيوم منطقة الحاكم …
فابتسم خالد:
. حاضر
***

رواية ارض زيكولا


112
سارت أسيل ومعها خالد يحمل حقيبتها في أحد شوارع تلك المنطقة.. ثم دخلا أحد
البيوت.. وكان كباقي البيوت؛ مكون من طابق واحد لا أكثر.. وهناك استقبلتهما
سيدة تقترب من الخمسين من عمرها ثم صحبتهما إلى حجرة بالبيت حيث كان
يرقد زوجها، وساقه اليسرى مضمدة.. فنظرت أسيل إلى خالد:
– خالد.. أريدك أن تساعدني بأن أبدل له تلك الضمادة دون أن أحرك الجبيرة أو
أسبب له ألما..
فأومأ برأسه ثم قام برفع قدم هذا الرجل وثبتها على ذراعيه، وبدأت أسيل تفك
الضمادة القديمة.. وخالد ينظر إلى ما تفعله حتى أخرجت ضمادة جديدة من
حقيبتها.. ثم أخرجت مادة عشبية خضراء اللون ولزجة.. ووضعت القليل منها على
ساق هذا الرجل ثم بدأت تلف الضمادة حول جبيرة ساقه.. وسألها الرجل
– متى أعود إلى عملي؟
فأجابته:
– إن عظام ساقك لم تلتئم بعد.. إنها مازالت تؤلمك، أليس كذلك؟
رد الرجل: بلى.. ولكن يجب أن أعمل.. لم أعمل منذ شهر.. وأشعر أن ثروتي تقل..
علي أن أعوض ذلك..
أسيل وقد ابتسمت: عليك أن تصمد حتى تلتئم عظامك ثم تعوض ما فاتك من
عملي في أيام القادمة ونظرت إلى خالد:
– هل رأيت يا خالد كيف ألف تلك الضمادة؟
خالد: أيوة.. دي سهلة..
أسيل: حسنا.. عليك أن تكملها حتى أعود إليك.. هناك فتاة مريضة سأطمئن على
حالتها وأعود..
خالد وقد تحدث مثلها: حسنا..
( رواية ارض زيكولا )
113
بعدها طلب خالد من الرجل أن يثبت قدميه في وضعهما.. ثم بدأ يكمل لف
الضمادة حول ساقه كما كانت تفعل أسيل فرأته أسيل يفعلها ببراعة فتركته،
وغادرت كما أخبرته.. وظل خالد مع الرجل المصاب يلف الضمادة حتى انتهى.. ثم
سأل الرجل :
– انت عايش مع زوجتك فقط؟
رد الرجل: نعم..
خالد: وأولادك فين؟!
رد الرجل في حزن:
– إنهم كبار الآن.. لقد تركوني بعدما قسمت عليهم أرضي..
خالد في دهشة: قسمت عليهم أرضك؟
الرجل: نعم.. فقد أجبروني على ذلك.. وتعدوا على أكثر من مرة.. وأقسموا أن
يقتلوني إن لم أعطهم تلك الأرض.. ثم تابع:
– إنهم مثلنا يخشون الفقر.. وبعدما أخذوا ما أرادوا تركوني..
فهمس خالد إلى نفسه:
– لا رحمة في زيكولا..
حتى فوجئ بامرأة تدخل فجأة.. وتصرخ سائلة:
– أين الطبيبة أسيل.. أين الطبيبة أسيل .
رد خالد :
– إنها ستأتي بعد قليل.. لماذا تريدينها؟!
أجابت المرأة وهي تبكي: إن ابني قد مرض فجأة.. ويبدو أن مرضه شديد، وأخشی
أن يموت قبل أن تأتي الطبيبة..

( رواية ارض زيكولا )

114
فنطق الرجل، وأشار إلى خالد:
– إنه مساعدها.. ويبدو أنه ماهر مثلها..
فنظر إليه خالد وقد رفع حاجبيه :
– لا .. أنا مش ماهر.. أنا مش طبيب..
فجذبته السيدة:
– أرجوك.. سأعطيك كل ما تريد.. أريد أن يعيش ولدي ..
وظلت تجذبه وتتوسل إليه.. وخالد يحاول أن يقنعها بأنه لا يعرف عن الطب
شيئا.. ولكنها لم تصدقه فلم يجد إلا أن يذهب معها كي تهدأ.. ثم طلب من الرجل
أن يخبر أسيلا- حين تعود – عن مكانه..
***

( رواية ارض زيكولا )


ذهب خالد مع تلك المرأة، والتي كانت تجري حافية القدمين.. وتجر خالد وتصرخ:
. لقد كان صحيحا.. إنه لم يمرض من قبل ..
حتى وصلا إلى بيتها، والذي كان بسيطا، ويوجد بمنتصفه حوض كبير مليء بالماء..
ثم دخلا إلى حجرة صغيرة كان يرقد بها الطفل فاقدا وعيه على سرير صغير..
وخالد لا يعلم ماذا يفعل.. ويحاول أن يقول إنه مازال مساعدا جديدا لأسيل ،
ولكنها لا تدع له فرصة أن يقول شيئا.. وتصرخ: إن ابني سيموت.. إنه لم يكمل
العشرة أعوام..
وخالد يقف حائرا.. وينظر إلى الطفل دون أن يتحرك.. والمرأة تصرخ :
– إنه يعمل بجد.. لا يمر يوم إلا ويعمل رغم سنه الصغيرة.. لا تهمة حرارة الشمس..
كل ما يهمه هوعمله..
حتى نظر خالد فجأة إلى الطفل حين سمع صرخات أمه.. وتذكر أن شمس هذا
اليوم كانت شديدة.. واقترب من الطفل فوجد جلده جاف للغاية.. وحين لامس
( رواية ارض زيكولا )
115
جبينه وجده ساخنا بشدة، ووجد الطفل يهذي بكلمات غير مفهومة.. فقام
بحمله، واتجه به إلى ذلك الحوض الذي يوجد بمنتصف البيت.. ووضعه به
بملابسه، واندهشت أم الطفل مما فعله خالد.. ولكنها تركته يمضي فيما يعمله
حتى سألها:
. فيه مياه أبرد من مياه الحوض؟!
فردت: لا.. ولكنني قد اشتري ماء باردا من جيراني.. ثم خرجت مسرعة فأكمل خالد
عمله، وأخرج الطفل من الماء ثم وضعه مرة أخرى به.. حتى عادت أمه، ومعها من
تحمل أوعية بها ماء بارد، وسكبته بالحوض.. ثم أمرها أن تقوم بفتح نوافذ البيت:
– أريد أن يدخل الهواء البارد إلى هنا..
فأسرعت الأم إلى النوافذ تفتحها بعدها أخرج الطفل من الماء وجرده من ملابسه..
ووضعه على أرضية باردة، وتركه لفترة ولا يعلم ماذا يفعل غير ذلك.. وهل ما فعله
صحيح أم لا..
***

( رواية ارض زيكولا )

مر بعض الوقت، وخالد ينتظر أن تأتي أسيل.. ولكنها تأخرت، وظل هو بجوار
الطفل والذي مازال فاقدا لوعيه، وأمه مازالت تصرخ.. ويحاول أن يهدأ من
روعها، ولكنه فشل في ذلك.. حتى أتت أسيل، ووجدت خالد يجلس على ركبيته
بجوار الطفل الذي يرقد عارا على أرضية الحجرة.. فسألته في لهفة:
– ماذا فعلت؟.. لماذا تضعه على الأرض هكذا؟!.. وماذا بلل هذا الفتى؟ !!
فأجابها :
– كان سخن جدا.. وشكيت إنه تعرض لضربة شمس..
فبدأت أسيل تفحص الطفل.. والأم مازالت تبك بجوارها.. حتى فوجئت بالطفل
يفتح عينيه، ويبحث عن
أمه قبل أن تقوم
أسيل بعمل أي شئ، فوضعت أسيل
116

يدها على جبينه.. ثم سألت خالد.. هل كانت حرارته مرتفعة عن ذلك؟ .. فوضع
خالد يده فوجد حرارته قد انخفضت ولم يعد ساخنا كما كان.. فابتسم فرحان
– أيوة.. كان سخن عن كدة كتير..
فابتسمت أسيل ثم نظرت إلى أمه:
– إنه بخير الأن..
ثم أخرجت زجاجة من حقيبتها.. وأعطتها لأمه وأمرتها بأن تعطيه منها كل يوم حتى
يصبح صحيحا.. فشكرتها على ذلك ثم اتجهت إلى خالد وشكرته.. وأخبرته بأنه
طبيب بارع فضحك خالد :
– أنا مش طبيب.. صدقيني..
فسألته :
– كم تريد؟
رد خالد: لأ.. أنا مش عايز حاجة.. ثم نظر إلى أسيل :
– أعطى أجر الطبيبة فقط..
فقالت أسيل:
– لا، أنا لن أخذ شيئا سوى ثمن الدواء.. أما غير ذلك فهو لك.. لست أنا من
أنقذه..
فابتسم خالد:
– وأنا مش عايز أي مقابل.. كفاية إنك اشتريتي الميه الباردة..
فشكرته السيدة مجددا.. ثم تأملته لبعض الوقت، وظلت صامتة حتى اندهش
خالد.. وغادر بعدها مع أسيل، والتي سألته:
( رواية ارض زيكولا )
117
– خالد.. هل أنت طبيب ؟!
ضحك خالد: لا.. والله..
فسألته: كيف؟!.. في المرة الأولى أنقذت الفتى من الغرق وقلت إنها دورة إسعافات..
واليوم ربطت الضمادة ببراعة.. ثم أنقذت طفلا أخر، لم أكن أستطيع فعل ما
فعلته..

( رواية ارض زيكولا )

رد خالد:
– هي و الصدفة فقط لا غير.. أنا كنت صغير وكنت بلعب مع أصحابي.. وفجأة ولد
أغمى عليه مننا، وكان سخن زي الطفل ده.. ووقتها شفت الطبيب وهو بيعمل شبه
اللي أنا عملته كده، وقال إنها ضربة شمس.. فلما لقيت النهارده الطفل، وأمه
قالت بالصدفة إنه بيعمل في الشمس.. افتكرت نفس المشهد القديم في بالي .. ولما
اتأخرتي قررت إني أغامر لحد ما تيجي.. وقلت لنفسي أكيد مش هخسر حاجة
بالعكس يمكن الدقائق دي تفرق في حياته.. والحقيقة مكنتش عارف النتيجة..
لكن التوفيق كان معايا والولد فاق فعلا..
صمتت أسيل ثم قالت مبتسمة:
– يعجبني ذكاؤك يا خالد.. اليوم أثب أنك خير مساعد لي.. ولكن لماذا لم تأخذ
أجرك هنا أيضا من السيدة، وأنت تستحق ذلك..
ابتسم خالد: ده عمل خير.. وكان لازم أعمله، مش كل حاجة لازم أخد مقابل لها..
هي زيكولا مفيش فيها حد يعمل خير أبدا..
ضحكت أسيل وأكملت :
– كان يجب أن تأخذه.. فإنك قد استخدمت ذكاءك، والذكاء ثروتك، وحين تفكر
بذكاء بالطبع يأخذ من تلك الثروة..
( رواية ارض زيكولا )

فابتسم خالد :
( رواية ارض زيكولا )
118
– أنا عرفت ليه مفيش حد بيفكر في زيكولا.. ولكن أنا مش محتاج مقابل لإنقاذ
إنسان..
فقالت أسيل مبتسمة: حسنا، يمكنك أن تذهب الآن لتبحث في تلك المنطقة عن
كتابك.. وأنا سأزور بعض المرضى من السيدات ثم أنتظرك في العربة حتى تعود..
***
بدأ خالد بحثه في تلك المنطقة.. واندهش حين تذگر حديث يامن عن كبر زيكولا ..
فمناطقها ليست كبيرة كما صورها له.. ولكنها تحتاج فقط إلى وسيلة تنقله من
منطقة إلى أخرى..
كانت المنطقة الجنوبية تمتاز بكثرة الأراضي الزراعية.. والتي مر عليها خالد، ورأى
المساحات الشاسعة المزروعة بالقمح، ومحاصيل أخرى.. واندهش كيف تكون
تلك الزراعات بالأراضي الصحراوية؟.. ولكنه تذكر شيئا هاما لم يغفله وهو عمل
أهل زيكولا الذي يجعلهم يزيلون جبلا إن أرادوا حتى لا يذبحوا.. وبدأ يسأل الناس
عن ذلك الكتاب ، وعن الشخص الذي يشبه ولكنه يكبره سنا.. ولكنه كما توقع..
كلما سأل أحدا لم يجبه، ولم يعرف عن أي كتاب يتحدث.. وسخر منه البعض
حين سمعوه يسألهم عن ذلك الكتاب.. ولكنه لم يستسلم لليأس، وواصل سؤاله
لكل من يقابله.. وسأل من يعملون بالأراضي عن الكتاب وعن صاحبه، ولكنهم لم
يعرفوا أيضا.. حتى جلس أسفل شجرة، وأخرج أوراقه وقلمه من أغراضه.. وكتب
في أعلى الصفحة :
– المنطقة الجنوبية..
ثم كتب أسفلها:
يبدو أن المنطقة الجنوبية هي الأخرى لا يوجد بها ذلك الكتاب أو صاحبه.. ولا يعلم
أحد من أهلها عن سرداب فوريك.. . أما ما أدهشني في تلك المنطقة
اهتمامها
المميز بالزراعة.. وعدم اهتمامها بغيرها..


( رواية ارض زيكولا )
119
هنا كباقي مناطق زيكولا التي رأيتها.. الكل يعمل بجد، ولا يضيعون وقتهم..
فصنعوا من الصحراء تربة خصبة.. وهذا ما جعلني أعرف لماذا لا تحتاج زيكولا أن
.
يفتح سورها.. إنها تعتمد على أبناء زيكولا في كل شيء.. ولا تعتمد على البلاد الأخرى
في شيء.. هنا المنطقة الجنوبية تنتج المحاصيل الزراعية التي تكفي زيكولا ..
والمنطقة الشرقية التي أقطن بها تمتاز بالصناعة، وخاصة الصناعات التي
تحتاجها زيكولا مثل صناعة الطوب للمباني، وصناعة الملابس، وصناعات أخرى..
والمنطقة الغربية كما أخبرني يامن توجد بها سوق كبيرة يمكنك أن تشتري أي شيء
من صناعة وإنتاج أبناء زيكولا..
إنهم يحققون اكتفاء ذاتيا في كل شيء بسبب عملهم، وخوفهم من الفقر.. وهذا ما
جعلهم يشعرون بأن زيكولا أقوى البلدان الموجوة في هذا العالم.. وأعتقد أنني
أوافقهم على ذلك.. فقوتهم تعني عدم اعتمادهم على أحد.. حتى توقف عن
الكتابة حين وجد السيدة التي أنقذ طفلها تقترب منه.. فاندهش من ذلك، حتى
اقتربت وسألته:
– هل تبحث عن رجل طويل وعريض مثلك، ولهجته غريبة مثلك أيضا، ولكنه أكبر
سنا؟!
فأجابها خالد في لهفة:
– نعم.. انتي تعرفيه؟
أكملت السيدة :
– لقد ذكرتني اليوم بيوم مر منذ أعوام طويلة.. كنت وقتها في السابعة عشرة من
عمري، وكنت أعمل بالمنطقة الشمالية.. حتى قابلت رجلا يشبهك، ولهجته مثل
الهجتك، وزوجته كانت تختلف عن نساء زيكولا. وقدم إلي معروفا مثلما فعلت
اليوم.. وأقنعني بأن أعود للعمل هنا.
فسألها خالد في لهفة:
( رواية ارض زيكولا )
120
– يعني هو في المنطقة الشمالية؟
ردت: لا أدري أين هو الآن.. لكنه كان هناك منذ عشرين عاما.. أتمنى أن تجده
هناك..
ثم ابتسمت وأكملت:
– حين انتهيت من إنقاذ ولدي تذكرته حين رأيتك.. وبعدما غادرت أخبرني رجل بأنك
تبحث عن رجل غريب به تلك الصفات.. ولكنك سألت الكثير ولم تسالني أنا..
فقال خالد:
– أنا من خوفي على ابنك نسيت أسألك، ثم سألها:
– انتي متأكدة من كلامك عن الرجل ده؟
أجابته: أجل.. إنني أتذكره جيدا .
فأكمل خالد: كان معاه کتاب بيتكلم عن سرداب فوريك؟
ردت: لا أدري .. فقد قلت لك عما أعرفه.. ولكن نصيحتي لك لا تضيع وقتك
بالبحث هنا.. هنا الجميع يعملون بالزراعة ولا يحبون الكتب أو القراءة.. وأنا
أعرف جميع سكان تلك المنطقة.. ولا يوجد بينهم من يمتلك صفات الرجل الذي
تقصده.. أتمنى أن يكون هو من أخبرتك عنه..
فابتسم خالد:
– شكرا ليكي.. أنا مش عارف أشكرك ازاي..
ابتسمت: لست أنا من يستحق الشكر.. إن لم تفعل ما فعلته مع طفلي في الصباح
أعتقد أنني لم أكن لأترك ابني مريضا، وأبحث عنك حتى أجدك لأخبرك بهذا..
( رواية ارض زيكولا )
121
فابتسم خالد ثم استأذن منها، وغادر مسرعا إلى عربة أسيل .. يجري فرحا، يريد
أن يبلغ أسيل بذلك الخبر، وذلك الأمل الذي سطع من جديد.. حتى وصل إلى
العربة فلم يجد أسيلا بها..
***
ظل خالد في انتظار أسيل.. ويشعر قلبه بقرب خروجه من زيكولا، ويتذكر كلام
تلك السيدة ويبتسم، ويحدث نفسه بتلك الصدفة، وأن تكون من تخبره بذلك
سيدة أنقذ طفلها من الموت.. ثم فكر في ذلك الرجل الذي يشهه، وزوجته كما
قالت السيدة، وأنها تختلف عن نساء زيكولا.. هل هي و أمه؟ .. هل تتحقق أحلامه
ويجدهما في زيكولا؟
يشعر بأن حديث تلك السيدة يؤكد ظنونه.. ثم يعود ليسأل نفسه.. هل يجدهما
هناك بعد عشرين عاما، أم يكون الحظ عاثرا تلك المرة هي الأخرى .. حتى وجد
أسيلا تقترب من بعيد، وتحمل حقيبتها فأسرع إلها.. وأخذ منها الحقيبة، وسار
بجوارها تجاه العربة.. ثم نطق سعيدا:
– أسيل .. أنا لقيت أمل جديد.. ثم أخبرها بما أخبرته به أم الطفل.. واختتم حديثه
حين ركبا العربة، وسألها:
– إحنا هنروح |
المنطقة الشمالية إمتى؟
فصمتت أسيل قليلا ثم نظرت إليه، وقالت:
. أنا لا أذهب إلى المنطقة الشمالية..
***

رواية ارض زيكولا الفصل الحادى عشر

( رواية ارض زيكولا )


122
(11)
اندهش خالد وسأل أسيلا على الفور:
– لا تذهبي؟ !!.. ليه؟!!
صمتت أسيل مجددا .. ثم نظرت عبر نافذة العربة التي بدأت في التحرك، وكأنها
تتذكر شيئا ثم نظرت إلى خالد، وتحدثت بصوت هادئ:
. لقد أعطيت وعدا من قبل بألا أذهب هناك..
– وعد ؟!!
ردت أسيل: نعم.. تذكر أنني أخبرتك بأني دخلت إلى زيكولا بين الأسرى والعبيد حتی
اشتراني رجل حكيم علمني الطب.. فأومأ خالد برأسه موافقا دون أن يتحدث.. ثم
أكملت:
– كان هذا الرجل يعاملني كابنته، ويخشى علي من كل شيء.. حتى أخبرته ذات يوم
أنني سأذهب إلى المنطقة الشمالية كي أداوي أحد المرضى حين طلب مني أحد
الأشخاص ذلك.. ففوجئت به يرفض بقوة، وطلب مني أن أعده بألا أذهب هناك
طيلة حياتي.. فوعدته بذلك
فسألها خالد:
– وايه السبب؟!

( رواية ارض زيكولا )


123
فاجابت: حين
سألته
وعن ذلك لم يقل لي سوى أنها أرض كسالى زيكولا.. ولم يخبرني
شيئا آخر حتى موته.. وأنا مازلت أحافظ على وعدي.. وأنا على يقين أنه محق في
ذلك.. ثم تابعت بعد صمت:
– لم أجد في حياتي من يحبني قدره ..
صمت خالد مندهشا، وبدا الحزن على وجهه.. وآثر أن يكمل صمته، وكأنه يفكر
ماذا سيفعل.. حتى ابتسم، ونظر إلى أسيل والتي لم تفارق عيناها نجوما
– وأنا مش هكون سبب إنك تخلفي وعدك.. أنا بشكرك على مساعدتك في الفترة
اللي فاتت.. وأكيد مش هطلب منك أكتر من كده..
فردت أسيل في ابتسامة هادئة:
السماء:
– هل ستذهب إلى هناك؟


( رواية ارض زيكولا )

فابتسم:
. أكيد.. لازم
أذهب..
فابتسمت أسيل مجددا: حسنا.. أتمنى أن تجد كتابك هناك.. ولكن إن لم تجده
فعليك أن تعود إلي.. أقصد إلى العمل معي على الفور.. أين أجد مساعدا في
مهارتك؟!
فضحك خالد:
– لما أرجع مصر هشتغل دكتور..
ضحكت أسيل، وواصل خالد مداعبته لها.. وأكملا حديثهما عن أرض زيكولا ،
وعن الطفل الذي أنقذه من ضربة الشمس، والرجل المصاب الذي ضربه أبناؤه،
وأخذوا أرضه.. حتى وصلت العربية إلى البحيرة فنزل خالد، وودع أسيل التي سألته:
– متى ستذهب إلى المنطقة الشمالية؟
فصمت مفكرا: مش عارف.. هحاول يكون في وقت قريب..
( رواية ارض زيكولا )
124
فابتسمت:
– عليك أن تخبرني قبل أن تذهب.. وإن كتبت شيئا آخر عن أسيل.. النجم.. لابد لي
أن أقرأه.. ثم أمرت سائق العربة أن يتحرك فضحك خالد ثم اتجه إلى الشجرة التي
يجلس بجوارها دائما..
***
ظل خالد كعادته يفكر.. يفكر فيما أخبرته به أم الطفل وذلك الرجل الذي يشبهه،
ويتذكر الصورة التي أعطاها له جده يوم نزوله السرداب وضاعت مع أغراضه
هناك.. صورة أبيه وأمه.. تداعبه أحلام اليقظة بأن يعود مرة أخرى إلى بلده ومعه
أبوه وأمه بعد سنوات كثيرة.. ويبتسم حين يتخيل فرحة جده بذلك، والتي قد
تقتله.. ثم يعود ليتذكر حديث أسيل.. وذلك الوعد الذي أعطته بألا تذهب إلى
المنطقة الشمالية.. وقولها بأنها أرض الكسالى.. ويسأل نفسه متعجبا.. كيف
يعيش الكسالى بزيكولا؟!!.. حتى غلبه النعاس بعدما حل به إرهاق ذلك النهار..
***
مر الليل سريعا.. وأشرقت الشمس، ونهض خالد من نومه، وقرر أن يذهب كعادته
إلى عمله مع يامن.. يريد أن يعلم الكثير عن المنطقة الشمالية.. حتى وصل إلى
هناك، وزاد ضيقه حين وجد من يأخذون منه وحدتي كل يوم، فأعطاهم ذلك.. ثم
أكمل سيره حتى وجد ياما الذي سأله على الفور :
– هل وجدت كتابك؟
فرد خالد :
– للأسف لسه.. بس فيه أمل إني ألاقيه.. فيه امرأة قالت لي إنها قابلت رجل له
نفس صفات صاحب الكتاب من عشرين سنة..
يامن في دهشة: عشرون سنة ؟ !!.. وتريد أن تجده!!

( رواية ارض زيكولا )
125
– هو صعب.. بس لازم أتمسك بأي خيط يدلني على الكتاب.. عشان كده لازم أروح
المنطقة الشمالية..
فاندهش يامن مجددا:
– المنطقة الشمالية؟!!
خالد: أيوة.. ثم سأله:
– انت وعدت حد انت كمان إنك متروحش هناك؟!
فضحك يامن:
– لا.. لقد ذهبت إلى هناك مرة من قبل.. أتمنى إن ذهبت إلى هناك أن تعود سريعا..
فزادت الحيرة على وجه خالد:
– إيه اللي هناك؟!


( رواية ارض زيكولا )

فجلس يامن ثم جلس خالد بجواره.. حتى تحدث يامن:
– أهل زيكولا يعلمون أن تلك المنطقة تختلف كثيرا عن باقي مناطق زيكولا..
فسأله خالد، وكأنه لا يفهم شيئا: ازاي ؟!
أكمل يامن: سأخبرك.. أرض زيكولا هي أرض العمل.. الجميع هنا يعملون
ويكسبون أجورهم مقابل عملهم.. أما تلك المنطقة فإنها تجمع كسالى زيكولا ..
ولهذا ستجد صعوبة حين تذهب إلى هناك.. عليك أن تسأل كل شخص لأن
الكثيرين منهم لا يعرفون بعضهم.. ثم أخذ نفسا.. وأخرج زفيرا، وأكمل:
– إنهم لا يعملون مثلنا.. إنهم يكسبون أجورهم بأعمال أخرى.. ثم صمت وأكمل:
– ستجد أهلها فئتين الفئة الأولى من الأثرياء الكسالى الذين ورثوا الكثير من
الذكاء.. الكثير من الثروة التي تجعلهم يعيشون أثرياء، وينفقون ببذخ حتى
( رواية ارض زيكولا )
126
يموتون.. وفئة أخرى فقراء، يخشون الذبح ولا يريدون أن يعملوا عملا شاقا..
فوجدوا طرقا أخرى يجنون بها ثروتهم..
– هل ترى هؤلاء؟ .. وأشار إلى من يأخذون تلك الوحدات مقابل حمايتهم ..
فرد خالد: أيوة..
فأكمل يامن :
– إنهم من المنطقة الشمالية التي تريد أن تذهب إليها.. هم يعيشون هناك هكذا..
فضلوا أن يستغلوا قوتهم في كسب ثروتهم، فانتشروا في باقي أراضي زيكولا .. أما
النساء هناك فأثرن استغلال جمالهن..
ثم صمت، و نظر إلى خالد وأكمل :
– أنت تعلم كيف تجني امرأة ثروة من جمالها دون تعب.. وخاصة وأن هناك
الكثيرين من الأثرياء الكسالى.. إنها أرض الرزيلة يا صديقي..
***
صمت خالد حين سمع ما قاله يامن، وابتسم حين تذكر وعد أسيل وأنها على حق
في ذلك ثم زادت ضربات قلبه حين تذگر أن صاحب الكتاب.. أباه.. قد يكون بتلك
المنطقة.. حتى قاطع يامن تفكيره:
– إنها بعيدة عن هنا كثيرا.. فكيف ستذهب إلى هناك.. أم الطبيبة ستساعدك..
رد خالد:
. لا.. أسيل ساعدتني بما فيه الكفاية.. قولي يا يامن، منين أقدر أستأجر حصان
قوي لمدة تلات أيام..
فأجاب يامن :
– ثلاثة أيام قد تكلفك قرابة الخمسين وحدة..
( رواية ارض زيكولا )
127
فأكمل خالد:
– مش مهم
أنا هقدر أعوضهم بعد كده.. أنا قررت إني هروح بكرة المنطقة
الشمالية.. عاوز أستغل كل يوم هنا في زيكولا..
فابتسم يامن:
دعني
. حسنا،
أوفر لك حصانا قوتنا.. وسأرشدك نحو الطريق إلى المنطقة
الشمالية، وأتمنى أن تجد كتابك هناك.. ثم حمل فأسه، وقال لخالد:
– ها، علينا أن نعمل اليوم كثيرا بعدما أضعنا الكثير من الوقت في الحديث..
***

( رواية ارض زيكولا )


في صباح اليوم التالي، اتجه يامن إلى شاطئ البحيرة، ومعه الحصان القوي الذي
وعد خالد به.. حتى وجده هناك فابتسم خالد حين رآه ومعه ذلك الحصان،
وشكره كثيرا على ذلك ثم حمل أمتعته، واحتضن يامنا، وضحك:
– هشوفك قريب ..
الكتابا
فابتسم يامن :
– أرجو أن تعيد الحصان صحيحا.. إنني أتحمل مسئوليته حتى تعود.. لو علم
صاحبه أنك ستذهب إلى المنطقة الشمالية لما أعطاني حمارا.. فضحك خالد ثم
امتطى ظهر الحصان.. وكاد يأمره أن يتحرك حتى صاح يامن:
– انتظر..
ثم أخرج ورقة بيضاء سمت عليها بعض الخطوط السوداء، وتحدث إلى خالد:
– تلك خطوط بدائية رسمتها للطريق نحو المنطقة الشمالية.. ثم أشار إلى خط
أسود طويل يخرج من مربع قد رسمه:
– هذا المربع هومنطقتنا.. وهذا الخط هو الطريق الذي تسلكه حين تخرج من هنا
حتى تصل إلى تلك المنطقة..
128

( رواية ارض زيكولا )

فابتسم خالد.. وأخذ منه الورقة، ووضعها بين أغراضه:
– أشكرك يا يامن.. بجد أشكرك يا صديقي..
بعدها أمر خالد حصانه أن يتحرك.. وبدأ يتحرك ببطء حتى أسرع رويدا رويدا في
طريقه إلى بيت أسيل.. وكاد يصل بيتها حتى رأي عربتها تسير مبتعدة عنه، فأسرع
بحصانه إلى العربة.. وسار بجوارها ثم ضحك حين وجدها تجلس بالعربية شاردة
الذهن، ولا تراه… فظل يسير بجوارها دون أن يتحدث حتى نظرت إلى جانها عبر
النافذة ففوجئت به على حصانه، فضحكت وحدثته:
– منذ متى تسير بجوارنا؟!
ضحك خالد:
– من بدري .. يا ترى بتفكري في إيه؟
ابتسمت: لا شيء.. إنني أشرد مع نفسي كثيرا.. ثم نظرت إلى حصانه:
– هل اشتريت حصانا؟!
فرد خالد: لا.. أنا أجرته.. وزي ما وعدتك إني أشوفك قبل ما أروح هناك، أنا
قدامك أهو..
ابتسمت أسيل ثم سألته:
– هل ستذهب إلى المنطقة الشمالية الأن؟
فرد خالد: أيوة..
فصمتت أسيل ثم سألته في هدوء:
– خالد.. هل ستعود إلى هنا إن وجدت كتابك أو أباك..
فنظر خالد أمامه ثم صمت لبعض الوقت.. وابتسم:
– أكيد لازم أرجع.. ثم أكمل مداعبته لها:

( رواية ارض زيكولا )


129
– ده يامن هيقتلني لو مرجعتش عشان الحصان..
ضحكت أسيل ، وضحك خالد.. وواصلا تحركهما في طرقات زيكولا.. وخالد على
حصانه يسير بجوار العربة، وأسيل تجلس بنافذتها كمن تجلس أمام نافذة
غرفتها.. حتى وصلا إلى أطراف المنطقة الشرقية.. فقالت أسيل بعدما أشارت إلى
طريق ممهد:
– هذا الطريق يقودك إلى المنطقة الشمالية..
فابتسم خالد ثم نظر إليها:
– أتمنى إني ألاقي الكتاب وأرجع لهنا في أسرع وقت.
ثم أمر حصانه أن ينطلق نحو ذلك الطريق.. وأسيل تنظر إليه بينما تسير عربتها
في طريق أخر.. وتبتسم حين تجد شعر خالد الطويل يتطاير مع الهواء، وجسده
القوى يمتطى ذلك الحصان ببراعة.. وكأنه ولد فارسا.. حتى اختفى عن أنظارها
فأغمضت عينيها، وتمنت أن يحقق ما يريده.. أما خالد فواصل طريقه نحو
المنطقة الشمالية.. يريد أن يصل إلى هناك في وقت قليل.. يحفز حصانه أن يسرع..
ثم يخرج تلك الورقة التي أعطاها له يامن، وينظر إلها، وإلى خطوطها ويواصل
سیره مجددا.. وكلما يحل به التعب ينال القليل من الراحة فيوقف حصانه،
ويترجل، ويشرب القليل من الماء ثم يكمل طريقه نحو تلك المنطقة.
***
بدأت الشمس في المغيب، وحل الليل.. حتى وصل خالد إلى أطراف المنطقة
الشمالية فترجل.. وسار على قدميه، وحصانه يسير بجواره .. واندهش حين رأى
بيوت تلك المنطقة وتنوعها ما بين ما هو فخم للغاية، وما هو متواضع ويبدو عليه
الفقر.. وأكمل مسيره بين شوارع تلك المنطقة.. وزادت دهشته من الصمت الذي
يسودها حتى زالت تلك الدهشة سريعا حين توغل بشوارعها.. فوجد الكثير من
الناس يلهون ويمرحون ويتراقصون مع أنغام الموسيقى التي غطت ضواحي تلك

( رواية ارض زيكولا )


130
المنطقة.. وتذكر كلمات يامن عن فتياتها حين رأی زیهن الذي يختلف عن زي باقي
فتيات المناطق الأخرى فكان أكثر عراء وإغراء.. وواصل سيره حتى وجد مكانا
يجتمع به الكثير من الناس.. فاقترب منهم فوجد نزالا بين اثنين من الأقوياء، وسمع
أحد الأشخاص بجواره يقول لآخر: لقد راهنت بخمس عشرة وحدة على هذا
الرجل، وأشار إلى أحدهما فاندهش خالد، وأكمل سيرد.. حتى بدأ يسأل أحد
الفتيان عن الرجل الذي يبحث عنه فلم يجبه.. وسأل غيره فلم يجبه هو الآخر..
وسأل الكثيرين من الناس فلم يجبه أحد.. وظل يسير بين هؤلاء الناس الذين
تنبعث من أفواههم رائحة نتنة، ويترنحون فأدرك أنها رائحة خمر.. وبين د ضحكات
فتيات الليل المدللة التي تملأ كافة الأركان.. حتى جلس بجانب الطريق، وبجواره
حصانه ففوجئ بشخص ضخم يأتيه.. ويطلب منه عشر وحدات من الذكاء مقابل
أن يحميه هو وحصانه.. وإلا سيأخذ ذلك الحصان منه.. فصمت خالد قليلا ثم
وافق وحدثه :
– سأعطيك ما تريد، ووحدتين إضافيتين مقابل أن أترك الحصان عندك حتى
أعود لأخذه غدا.
فوافق الرجل.. وأعطاه خالد الحصان كي يكون أكثر حرية.. وواصل جلوسه
ومراقبته لأهل تلك المنطقة من بعيد.. حتى مر الليل دون أن يغفو له جفن..
***
في صباح اليوم التالي، ظل خالد منتظرا أن يرى أحدا يسأله، فلم يجد ما أراده..
وكان المدينة أصبحت مدينة الموتى.. الشوارع خالية، يسودها صمت رهيب..
فنهض وبدأ يتحرك، ويتجول بشوارعها عله يجد أحدا .. ولكن دون جدوى، و
فأكمل
مسيره حتى جلس بمكان آخر، وأخرج قلمه وأوراقه، وبدأ يكتب:
– المنطقة الشمالية.. أرض كسالى زيكولا .
ثم كتب تحتها:
( رواية ارض زيكولا )
131

– إنها المنطقة الرابعة التي أزورها في زيكولا .. بعد يومي الأول هنا.. تأكدت أنهم
يختلفون عن باقي أهل زيكولا.. هم لا يعملون كما أخبرني يامن، وحياتهم بالمساء
كما رأيت بالأمس.
الكثير منهم ورثوا فلا يعملون، ويمرحون ويشربون ويتراهنون.. أما الفقراء منهم..
الفتى يجد ثروته في قوته فيستخدمها لتحقيق ثروته من الذكاء.. والفتاة تجد
ثروتها في أنوثتها وجمالها فتستخدم ما تمتلكه في تحقيق ثروة دون عناء.
ثم صمت مفكرا.. وتوقف قليلا عن الكتابة.. ثم أكمل مجددا:
– أرى أن الكثيرين من تلك المنطقة سيكونون ضحايا الذبح قريبا.. فالقوي
سيضعف ذات يوم، والجمال غير باق..
ثم ضحك، وتوقف عن الكتابة، وحدث نفسه:
– بقيت فيلسوف یا خالد.. زيكولا غيرت فيك كتير.. ثم أني كتابته بأن كتب
مجددا:
– إنها أضعف مناطق زيكولا ..
قلمه، وأوراقه مرة أخرى بين أغراضه.. وبدأ يتحرك بين شوارع تلك
المنطقة من جديد .. وضاق به صدره حين وجد نفسه وحيدا بتلك الشوارع ، وعلم
أنه لابد وأن ينتظر حتى المساء..
( رواية ارض زيكولا )

***
غربت الشمس.. وبدأ الظلام يملا السماء، وأشعلت النيران لتضيء المدينة، وبدأ
الناس يخرجون إلى الشوارع.. وبدأت الموسيقى من جديد، وخرجت الفتيات إلى
الخارج.. كل فتاة تحاول أن تجذب رجلا إليها.. حتى امتلأت الشوارع بالأشخاص في
تلك المنطقة التي تواجد بها خالد.. فبدأ يسأل هذا وذاك عن ذلك الرجل الطويل
العريض صاحب الكتاب، واقترب ليسأل كبار السن.. ربما عرفوه حين كان هنا
132
منذ عشرين عاما، ولكن لا فائدة.. وبدأ اليأس يدق قلبه، وكأنه لن يجد هذا
الرجل أبدا، وسار والحزن على وجهه.. حتى سمع صوت من خلفه يناديه:
– أنت…
فالتفت خالد ليجد فتاة يشعر أنه قد رآها من قبل.. حتى تذكر أنها الفتاة التي
قابلها يوم زيكولا .. وطلبت منه أن يرافقها ورفض.. ولكنها اليوم أكثر عراء..
فاندهش حين وجدها:
– انتي!!
ضحكت الفتاة : – نعم.. أتذكرني؟!
خالد: نعم..
فضحكت الفتاة : حسنا.. عليك أن تأتي معي..
فسألها في دهشة: أجي معاي فين؟!
فجذبته من يده ثم دخلا إلى مكان مجاور إضاءته خافتة.. وبه الكثير من الناس..
كل رجل يجلس مع فتاة، فبدأ الشك يتسرب إلى قلبه وسألها:
– انتي عايزة مئي إيه؟!
ردت الفتاة: أنا؟ !!.. ثم صمتت وأكملت:
– إنك الرجل الوحيد الذي رفض أن يصطحبني من قبل.. ولهذا أجدد عرضي لك..
ثم أكملت:
– إنني هنا أفعل ما يحلو للرجال مقابل الكثير من الوحدات.. ولكنني لا أريد منك
شيئا.. سأصطحبك الليلة دون مقابل..
فنهض غاضباء
( رواية ارض زيكولا )
133
– وأنا مش موافق.. أنا مش زي اللي بيجولك هنا.. ثم تحرك ليغادر فجذبته
ليجلس.. وسألته:
– هل تعجبك فتاة أخرى؟
فرد منفعلا:
– لا .. ثم سألها:
– انتي عايشة حياتك كده ازاي ؟!
فضحكت الفتاة ساخرة :
– حياتي.. ما بها؟!!
أكمل خالد: ازاي تبيعي نفسك لأي حد؟
ضحكت الفتاة مجددا.. ثم تناولت كوئا به خمر:
– وكيف أعيش في زيكولا أيها الوسيم.. كيف أحصل على الذكاء.. الثروة..
فأخرج نفسا طويلا، وحدث نفسه متبرما:
الذكاء ..
ثم أكمل:
– اعملي زي بنات زيكولا اللي بيعملوا بشرف في المناطق الأخرى.. انتي مفكرتيش لما
جمالك يروح هتقدري تحصلي على ذكائك ازاي؟..
ضحكت الفتاة .. وبدا عليها تأثير الخمر، وثقل لسانها:
– وقتها سأكون حققت مخزونا كبيرا من الثروة.. أما بنات زيكولا فيعملن.. ثم
تابعت:
– وأنا أيضا أعمل.. وكلانا يحصل على أجره.. هيا انتهز الفرصة قبل أن يضيع
جمالي.. إن الكثيرين في الخارج يتمنون أن يجلسوا مكانك الأن أيها الوسيم…
( رواية ارض زيكولا )
134
فظهر الغضب على خالد.. وكأنه فقد أمله في حديثه معها، وصاح بها غاضبا:
– مثلك عار على زيكولا..
ثم نهض ، وتحرك بضع خطوات مبتعدا عنها.. فصرخت غاضبة:
– عار!!.. إنني أفضل حالا من آخر أعرفه، قتل أباه كي يرثه..
ثم هدأ صوتها.. ووضعت رأسها على المنضدة التي أمامها من تأثير الخمر،
وغمغمت بصوت سمعه خالد:
– وفي النهاية لم يرث سوی کتاب لعين.. احتفظ به أبوه أكثر من عشرين عاما..
أغمضت عينيها..
ثم
***

رواية ارض زيكولا الفصل الثانى عشر


( رواية ارض زيكولا )
135
(12)
توقفت قدما خالد عن الحركة، واتسعت حدقتا عينيه، وزادت ضربات قلبه حين
سمع كلماتها.. وعاد إلها مسرعا.. وسألها في لهفة:
– انتي قلتي إيه؟ !
فوجدها قد وضعت رأسها على الطاولة.. وغابت عن الوعي.. فسألها مجددا وصاح
بها لكنها لم تجبه، فحاول أن يجعلها تفتح عينها وأن تكرر ما قالته مرة أخرى،
وضرب بيده على الطاولة حتى تفيق، ولكن دون جدوى، حتى أمسك برأسها
وأعادها إلى الخلف ثم جلس أمامها ففتحت عينها ببطء.. ونظرت إليه في ذهول،
فسألها:
– انتي قلتي إيه في أخر كلامك؟
فابتسمت ونظرت إليه ثم سألته:
– من
أنت ؟!
فنهض وسأل نادلا أين يجد غرفة خالية، فأشار النادل إلى باب إحدى الغرف
فأسرع وحمل الفتاة على كتفه والتي ضحكت برعونة حين قام بحملها.. وسار بها
تجاه تلك الغرفة وسط نظرات الفتيات الأخرى اللاتي تهامسن حين وجدنه يحملها
وكأن الغيرة أصابتهن.. حتى وصل إلى باب الغرفة فدفعه بقدمه ودلف بها إلى
الداخل – وما زالت تضحك – ثم طرحها على أرضية الغرفة.. وأكمل سيره للداخل
( رواية ارض زيكولا )
136
ووجد إناء كبيرا به ماء فحمله، وعاد به إليها وسكبه بالكامل فوق رأسها فصرخت
من برودة الماء فسألها:
– افتكرتي أنا مين؟
فنظرت إليه دون أن تجيب، فأسرع وحمل إناء آخر وسكبه فوق رأسها، فصرخت:
– تذكرتك.. أرجوك.. لا حاجة لمزيد من الماء.
فسألها على الفور:
– مين اللي قتل أبوه عشان يرثه.. وفي الأخر ورث کتاب؟
صمتت الفتاة، وكأنها تتذكر ثم سألته:
– هل حدثتك عن ذلك؟
رد خالد متلهفا: أيوة .
فنظرت إليه الفتاة :
. حسنا.. ماذا تريد منه؟
فأجابها: أنا عاوز أوصل له بأي طريقة.. لازم أوصل له.. لازم ألاقي الكتاب
وصاحبه.. انتي تعرفيه؟
فنهضت وتحركت خطوات بملابسها المبللة وشعرها المبلل وجلست على أحد
الكراسي، ونظرت إليه:
– نعم أعرفه.. وقد أدلك عليه الآن إن أعطيتني عشرين وحدة من ذكائك..
فأسرع تجاهها وقال :
– وأنا موافق…
فضحكت الفتاة:
. حسنا. سأصطحبك إلى هناك.. ولكن انتظر حتى أبدل ملابسي..
***
( رواية ارض زيكولا )
137
اتجه خالد ،
الفتاة، والتي بدلت ملابسها إلى أحد الشوارع البعيدة.. وأخبرته بأن
بيت صاحب الكتاب في نهاية ذلك الشارع.. وخالد يسير وعقله لا يتوقف عن
التفكير، ويفكر بما قالته الفتاة بأن هذا الشاب قتل أباه كي يرثه.. ويخشى أن
يكون ما يفنجر به حقيقة تصدمه بعد لحظات.. حتى وصلا إلى أمام بيت متواضع،
فسألها خالد:
– هو جوة؟!
فردت الفتاة: نعم..
دونون بعدم
فاندهش وسألها:
– وليه هو مش بالخارج زي باقي أهل المنطقة الشمالية؟!
فأجابته:
– إنه هكذا.. بعد أن قتل أباه وفوجئ بعدم امتلاكه لشيء.. أصابه اليأس، فهو
يجلس ببيته كثيرا.. وتزداد حالته سوها، وكأنه ينتظر أن يذبح يوم زيكولا.
ثم طرقت الباب، وبعد لحظات قام شاب في العشرين من عمره بفتحه.. فأشارت
إليه الفتاة
– ها هو صاحب الكتاب .. أما أنا فعلي أن أعود إلى عملي.. وغمزت إلى خالد بطرف
عينها، وأكملت:
. هناك من ينتظرونني..
فنظر إليها خالد وقال: شكرا على كل حال..
***
( رواية ارض زيكولا )
138
غادرت الفتاة.. ونظر خالد إلى هذا الشاب الذي يقف أمامه، وظل يتأمله حتى
سأله الشاب:
– من
أنت ؟!
فزادت دهشة خالد حين وجد صوت هذا الشاب يشبه صوته.. فسأله الشاب
مجددا، وظهر الغضب على وجهه:
– من
أنت؟
فرد خالد: أنا أطلب منك المساعدة ..
فسأله الشاب: مساعدة؟!
فأجابه:
– أيوة.. أنا عرفت إنك ورثت عن والدك كتابا احتفظ به لمدة عشرين سنة..
فأخرج الشاب نفسا عميقا: نعم..
فابتسم خالد: هل تأذن لي بالدخول ونتحدث قليلا.. ثم تابع حين شعر برفض
الشاب:
– وسأعطيك خمس وحدات ذكاء مقابل هذا الحديث.
فقال الشاب :
– حسنا، ولكن لا تضيع وقتي.. عليك أن ترحل سريعا، أنا لا أحب الغرباء…
دخل خالد معه إلى الداخل.. ولاحظ مدى الفقر الذي يعيشه، وتلك الحياة
البائسة، والتي ظهرت على ملابسه وعلى أرضية بيته حيث زجاجات الخمر
الفارغة، وظل يترقبه ويتأمله حتى سأله:
– انت قتلت والدك فعلا؟
فرد الشاب غاضبا:
( رواية ارض زيكولا )
139
– وما دخلك؟!
قال خالد: أرجوك، أجبني..
فنهض الشاب، وتحرك خطوات مبتعدا عنه.. وحمل زجاجة خمر في يده.. ثم نظر
إليه:
– نعم قتلته.. إنه لم يجلب لي سوى الفقر.. وتابع:
. أعتقد أن أمي ماتت قديما بسبب جنونه..
فسأله خالد على الفور: أمك.. ماتت؟!!
فأجابه:
– منذ زمن قديم.. إنني لا اتذكرها حتى.. ليتها عاشت ومات هو..
فسأله خالد: ليه بتكرهه كل الكره ده؟!
فرد الشاب بعد ما شرب القليل من الخمر:
– إنني أكرهه لأنه كان مجنونا.. هل يعقل أن ينفق أحد مخزونه من الذكاء مقابل
کتاب لعين.. ثم ينفق ما تبقى له من ذكاء في التفكير في هذا الكتاب.. يكفيه حظا
، وجد من أفقر منه بزيكولا.. والا ڈبح قبل أن أقتله بسنوات..
فسأله خالد:
( رواية ارض زيكولا )

– ما اسمك؟
أجابه:
– اسمي هلال.. إنه من سماني بهذا الاسم..
فسأله خالد على الفور:
– واسم والدك إيه؟
( رواية ارض زيكولا )
140
فأجابه ساخطاء
– كان يدعي حسني..
فدق قلب خالد بقوة.. واحمر وجهه، وكأن الحقيقة التي كان ينتظرها قد لفحته..
ونطق :
– حسني عبد القوي ؟!
فاندهش الشاب:
– نعم.. هل تعرفه؟!
فصمت خالد.. وتساقطت بعض دموعه.. وانحنى بظهره للأمام، ووضع رأسه بين
يديه، وأكمل بصوت هادئ:
– كان أبوك غريبا عن هنا.. وجاء إلى زيكولا من سبع وعشرين سنة.. هو وأمك..
وكان يحدثك عن مصر.. وعن سرداب فوريك..
فزادت دهشة هلال، ونظر إلى خالد، والذي أكمل:
– ولكنه مقدرش يحميك من طباع زيكولا .. وأصبح همك مثلهم.. الثروة..
ثم نهض ، واقترب منه، وخطف زجاجة الخمر من يديه، ووضعها بعيدا.. ثم سأله:
– هل لاحظت الشبه القليل بيني وبينك؟.. هل لاحظت أن صوتي يشبه صوتك؟ ثم
تابع:
– أنت هلال حسني.. و
. وأنا اسمي
خالد حسني..
ثم عاد خطوات إلى الخلف، وأخذ نفسا عميقا وأخرجه ببطء ثم أكمل بعدما نظر
إليه:
– أنا أخوك، وأنت قتلت والدنا.. لأنك ابن زيكولا ..
فصاح هلال به:

( رواية ارض زيكولا )
141
يبدو
أنك
مجنون أنت الآخر، ثم دفعه:
– هيا أخرج من هنا..
فصاح خالد غاضبا، ومازالت الدموع على وجهه: أنا فعلا أخوك..
فدفعه هلال مجددا:
– اخرج أيها المجنون.. هل أنا بحاجة إلى مزيد من الجنون كي تأتيني أنت الآخر؟!!
فنظر إليه خالد، وكأنه يراه وهو يقتل أباه ثم مسح دموعه وسأله:
– أين الكتاب؟
فأجابه هلال غاضبان
– وماذا تريد من الكتاب ؟!
فرد خالد: أنا بحاجة للكتاب لأني عايز أرجع بلدي.. وممكن تيجي معايا..
فضحك هلال ساخرا:
– أرى أنك تشبه أبي في جنونه.. انتظر..
ثم نظر إليه وعقد حاجبيه، وسار إلى إحدى الغرف ثم عاد مجددا إلى خالد، ومعه
كتاب قديم أوراقه سميكة وقديمة.. فأسرع إليه خالد، وخطفه منه حين لمح
عنوانه.. سرداب فوريك.. وبدأ يقلب صفحاته المصفرة في لهفة ودق قلبه بقوة،
حتى وصل إلى صفحة في منتصف الكتاب مكتوب بها بخط يدوي كبير.. الطريق إلى
سرداب فوريك.. وكاد يقرأ ما بها حتى اختطفه هلال منه، وقال ساخرا:
– هل تريد هذا الكتاب؟!
رد خالد في لهفة:
– أيوة..
انتشر
فضحك، وحدث نفسه:
( رواية ارض زيكولا )
142
– لقد أصبح للكتاب فائدة، ثم نظر إلى خالد:
.حسنا.. عليك أن تشتريه..
صمت خالد قليلا ثم سأله:
– وكم تريد؟
فابتسم، وتحرك خطوات جيئة وذهابا، وتحدث:
– أرى أنك في حاجة ضرورية إلى الكتاب..
فنطق خالد: نعم..
فأكمل هلال:
– حسنا.. إن كنت تريده، فعليك أن تعطيني ربعمائة وحدة من ذكائك..
فصاح خالد على الفور: ربعميت وحدة؟!!
فرد هلال في هدوء، وتناول زجاجته مرة أخرى:
– نعم.. أيها الغني.. ربعمائة وحدة..
فقال خالد: صدقني، أنا أخوك..
فضحك هلال ساخرا:
– ليتني أتأكد أنك أخي أيها المجنون.. أقسم لك إنني لو تأكدت من ذلك لقتلتك كي
أرثك..
فصمت خالد ، وزاد ضيقه ثم سأله:
– هل ترك أبوك شيئا آخر؟
فأجابه: إنه لم يترك سوى هذا الكتاب.. هل ما زلت تريد شراءه، وضحك ساخرا ،
وأكمل:
( رواية ارض زيكولا )
143
– هنيا.. إنها ربعمائة وحدة فقط..
فصمت خالد مرة أخرى.. وكأنه يفكر، وطال صمته حتى نظر إلى هلال:
– أعطني مهلة شهرين.. وهرجع اشتريه مقابل الربعميت وحدة.
فسأله هلال متعجبا:
– ألا تمتلكهم الآن؟!
فتحرك خالد خطوات، ثم نظر إليه:
– أمتلكهم.. ولكني أحافظ على مخزوني من الذكاء.. وهقدر أوفر من عملي ثمن
الكتاب.. وهرجع لك بعد شهرين من اليوم.. أرجوك حافظ على الكتاب..
فجلس هلال، وعاد بظهره للخلف:
– حسنا.. سأنتظرك حتى تعود، ولكن إن تأخرت يوما واحدا عن الشهرين.. سأمزق
عن كل يوم تأخرته عشر ورقات، حتى لو وصل بي الأمر أن أمزقه بالكامل.. إنه لا
بهمني بشيء.. هيا لا تضيع وقتك.. عد إلى حيث جئت..
فأوما خالد برأسه ثم تركه، وغادر، وأخرج زفيرا طويلا، وحدث نفسه:
– إنه أخي.. وقاتل أبي..
***
غادر خالد بيت هلال، صاحب الكتاب.. وسار بين الناس وبين موسيقاهم
وصرخاتهم التي لا تتوقف.. وعقله يشتعل بالتفكير .. تتضارب برأسه الكثير من
الأفكار، ويتخبط قلبه ما بين شعور وأخر.. يسأل نفسه هل يسعد لأنه وجد كتابه،
أم يحزن حين علم بقتل أبيه وموت أمه، حتى لو لم يرهما من قبل.. وهذا الشاب
المتهور الذي قد يكون أخاه، ومدى جشعه.. والمقابل الكبير الذي طلبه كي يعطيه
كتابه.. وكيف سيوفر ربعمائة وحدة في شهرين.. وإن عاد ليأخذ كتابه هل يأخذه
( رواية ارض زيكولا )
144
ويترك أخاه، أم يأخذه معه.. حتى أمسك رأسه، وكأنه لم يعد يستطيع التفكير.
وحدث نفسه بصوت هامس:
– هدفي دلوقتي إني أخد الكتاب..
ثم سار إلى المكان الذي جلس به حين أتى إلى المنطقة الشمالية.. فوجد من أعطاه
حصانه، فاتجه إليه كي يسترده؛ فلم يعطه الحصان إلا بعدما أعطاه وحدتين
أخريين.. ثم أخذ حصانه.. واتجه إلى مكان آخر، وآثر أن يظل به حتى تشرق
الشمس فيعود إلى المنطقة الشرقية حيث أسيل ويامن وعمله معه.
***
في صباح اليوم التالي، أعد خالد أغراضه، وامتطى حصانه ثم بدأ يتحرك بين
الشوارع الخالية إلى أطراف المنطقة الشمالية، حتى وصل إلى بداية طريقه نحو
المنطقة الشرقية فالتفت بحصانه نحو تلك المنطقة، وكأنه يودعها حتى يعود إليها
مجددا بعد ستين يوما.. ثم التفت مجددا تجاه الطريق، وأمر حصانه أن ينطلق.
مر الوقت، وخالد في طريقه إلى المنطقة الشرقية.. لا يشغل تفكيره سوى ذلك
الكتاب، وماذا سيكون في تلك الصفحة المكتوب بها الطريق إلى سرداب فوريك..
يشعر بأن أمل خروجه قد ازداد.. لا يحتاج إلا تلك الوحدات التي طلها هلال كي
يأخذ كتابه.. أمله.. حتى وصل إلى المنطقة الشرقية بعد غروب الشمس فاتجه إلى
البحيرة، ففوجئ بنار مشتعلة في مكانه بجوار الشجرة.. ووجد يامن ينتظره،
فترجل، واحتضنه حتى سأله يامن على الفور:
– هل وجدت كتابك؟
فابتسم خالد:
– نعم
فسأله في لهفة:- وأين هو؟
( رواية ارض زيكولا )
145
فكاد يجيبه .. ولكنه فوجئ بصوت أسيل يأتي من خلفه:
– خشيت |
ألا تعود..
فالتفت إليها خالد فوجدها تمسح دموعها ثم اقتربت منه، واحتضنته وابتسمت:
– جئت إلى هنا وتمنيت أن أراك..
فابتسم يامن حين وجد أسيلا تحتضن خالد، وتنحنح، فابتسمت أسيل في خجل
ثم جلست بجوار خالد ، كأنها لا تريد أن تفارقه.. وبدأ خالد يروي لهما ما حدث له
بالمنطقة الشمالية لكنه لم يتحدث عن فتاة الليل، وما حدث معها حين وجد
أسيلا تسأله عن كل شيء حدث هناك وعن فتيات تلك المنطقة، فأخبرهما بأن
أحدا أخر قد دله على هذا الشاب.. هلال.. حتى أنهى حديثه فسألته أسيل :
– هل هو أخوك حقا؟!
فأجاب خالد: كل الدلائل تقول إنه أخي.. أبوه صاحب الكتاب واسمه حسني عبد
القوي .. وحكى له عن مصر..
این قول انه اي. أبوه صاحب

فتحدث يامن:
– ربما يكون شخصا آخر من بلدك.. مصر، وله نفس الاسم، ولكنه قد لا يكون
أباك..
فقال خالد: لكن الولد شبهي إلى حد ما.. وصوتي يشبه صوتي.. لكن طباعة طباع
زيكولا ..
فابتسم يامن :
– تقصد طباع المنطقة الشمالية.. ثم سأله:
– وكيف ستوفر ربعمائة وحدة من الذكاء في شهرين إن كنت توفر من العمل باليوم
بعد غذائك وحمايتك وحدة واحدة أو وحدتين على الأكثر..
فصمت خالد حتى نطقت أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
146

– ربما تعمل معي، وأعطيك أربع وحدات باليوم..
فابتسم يامن، وتحدث:
– إن عملنا يحتاج إلى النهار بأكمله، وإلى راحة بالليل كي يعود إلينا نشاطنا الذي
نواصل به عملنا..
فصمتت أسيل، وظل خالد صامتا حتى نطق:
سبع وحدات،
– أنا أقدر أكل كل يوم خبز..
فضحك يامن: حسنا.. أصبح لديك أربع وحدات باليوم..
تأخذ
وتدفع وحدتين للحماية، ووحدة للخبز.
ثم أكمل :
– هكذا لن تكمل الأربعمائة وحدة بعد ستين يوما..
فصمت خالد مرة أخرى.. ثم أكمل :
– أنا ممكن أوفر ست وحدات في اليوم.. وفي نهاية الشهرين هيكون عندي 360
وحدة.. وقتها هضيف أربعين وحدة فقط من مخزوني.. وأقدر أشتري الكتاب .
فقاطعته أسيل تحذره :
– مخزونك من الذكاء يا خالد.. أرى أنك بدأت تستنزف منه الكثير.
فنظر إليها خالد مبتسما، وأكمل:
– أكيد هعمل بعد الشهرين لحد ما يجي يوم زيكولا، وأقدر أعوض كل مخزوني..
فضحك يامن، والذي صمت حتى انتهى خالد وأسيل من حديثهما ثم قال :
– إنك قوي بالحساب يا صديقي.. ولكن كيف ستوفر ست وحدات باليوم أيها
الذكي..
فابتسم خالد ثم نظر إليه، وسأله :
( رواية ارض زيكولا )
147
– أين عمال زيكولا الآن؟
فأجابه: الكثير منهم يأكلون أو يمرحون أمام بيوتهم.
فنهض خالد ثم نظر إلى أسيل، وطلب منها أن تعود إلى بيتها فرفضت، ونظرت إليه
متعجبة:
– ماذا ستفعل؟.. سأتي معك .
فابتسم خالد ثم سار ومعه يامن وأسيل، واللذان لا يعرفان نيته.. واتجهوا إلى
شوارع المدينة حتى دخلوا إلى أحد المطاعم الذي يقدم الخبز والدجاج.. ووجد به
خالد الكثير من العمال ممن يعملون معه في تقطيع الصخور.. ثم اتجه إلى صاحب
المطعم، وسأله :
– كم سعر الدجاج هنا؟
فرد الرجل: الدجاج مقابل خمس وحدات..
فسأله مجددا:
خمس وحدات. لا
( رواية ارض زيكولا )

– وكم عامل يأكل من دجاجك؟
فضحك الرجل ساخرا، ثم أشار إلى من يأكلون:
– انظر إليهم.. إنهم لا يأكلون سوى الخبز.. ربما أبيع دجاجة حين يأتيني غني د
مثلك
إلى هنا..
فابتسم خالد ثم صمت، وأكمل حديثه:
– ما رأيك أن تبيع كل يومين كل ما تمتلكه من دجاج؟
فنظر الرجل ويامن واسيل إلى خالد في دهشة، وكأنهم لا يفهمون ما يقصده.. حتى
أكمل وسأل الرجل:
– هل تريد ذلك؟
( رواية ارض زيكولا )
148
فأجابه الرجل: بالطبع..
فابتسم خالد: حسنا.. أريدك أن تجعل سعر وجبة الدجاج أربع وحدات، وليس
خمس
فظهر الغضب على وجه الرجل.. وسأل خالد:
– هل تمزح؟ !
فأجابه خالد، ومازالت ابتسامته على وجهه:
– لا.. اجعل السعر أربع وحدات، وسأضمن لك مكسبا لم تحلم به يوما
فصمت الرجل، و كأنه يفكر، وما زال الصمت على وجه يامن وأسيل حتى رد
الرجل:
. حسنا.. سأجعله أربع وحدات .. ولكن ماذا ستفعل؟ ثم نظرت أسيل إلى خالد:
– خالد، لا أفهم شيئا حتى الآن..
فابتسم خالد: انتظري .
ثم اتجه إلى صالة المطعم حيث يأكل العمال، ووقف بمنتصفها ثم سألهم بصوت
عال:
– من يأكل خبرا؟
فابتسم الجميع، ورفعوا أيديهم بالخبز فصمت ثم سألهم:
– ومن يريد أن يأكل دجاجا كل يومين؟
باندهش من يأكلون، وواصلوا أكلهم، ولم ير ديثه اهتماما بعدما ظنوا أنه
يمزح حتى أكمل:
– دون أن يدفع شيئا مما يدخره كل يوم..
فسأله أحد ممن يأكلون:
( رواية ارض زيكولا )
149
– هل جننت أيها الغريب؟!
فأجابه خالد: لم أجن.. ولكنني أريدكم أن تفعلوا مثلي .. سأكل دجاجا كل يومين..
ثم أكمل:
– أنا أكسر الصخور، وأمتلك من القوة ما يكفيني لأتغلب على مخاوفي، ثم تابع:
– إنني أدفع وحدتين للحماية كل يوم لمجموعة من الكسالى، وتأكل من تعبي..
– إنني لن أعطى أحدا من تعبي –
عشر وحدة من اليوم، حتى لو قتلوني.. أفضل أن
أذبح يوم زيكولا .. ولا أعطي أحدا شيئا مقابل خوفي..
فتوقف من يسمعونه عن مضغ الطعام، وأسيل تترقب رد فعلهم، وتنظر إلى خالد
في إعجاب حتى همس إليها يامن:
– إنه بارع في استخدام لهجتنا، لقد ترك لهجته كي يحدثهم .
فأشارت أسيل إليه أن يصمت كي تستمع إلى خالد.. حتى تحرك خالد بعض
الخطوات بين طاولات الطعام وأكمل :
. إنني وحدي لن أستطيع إيقافهم .. ولكننا معا سنستطيع ذلك.. سنجعلهم
يعملون مثلنا، وإلا يذبحون يوم زيكولا.. لن يأكلون حقنا بعد اليوم.. ثم وقف
بجوار طاولة يجلس حولها ثلاثة أشخاص فنظر إلهم، وأكمل:
. لا أعلم كيف يخيفونكم، وعددهم ضئيل للغاية.. أعلم أنهم أشرار، وأنكم
طيبون، ومتسامحون، ولكن إن اجتمعتم فسيكتب عنكم التاريخ ذات يوم أنكم
اجتمعتم كي تزيلوا الظلم عنكم .
ثم سار خطوات أخرى، وهدأ صوته:
– في عالمي، هناك من يشبهونكم.. وما زالوا ينتظرون يوما ليجتمعوا.. وما زال
التاريخ يسجل لهم.. وعلا صوته مجددا:
150
( رواية ارض زيكولا )
اليوم يطلبون منكم وحدتين.. غدا سيطلبون ثلاث.. بعده سيطلبون أربع ..
خمس.. من يدري؟ ربما يجعلونكم تعملون لديهم…
بعدها تحرك إلى أحد أركان صالة الطعام، ثم التفت إليهم:
– أعلم أنكم تتعاملون بوحدات الذكاء.. وأن الذكاء عملتكم.. ولكن حان الوقت
التستخدموه مرة واحدة بحياتكم.. استخدموه كي تعيشوا.. استخدموه كي تفخروا
بأنفسكم.
فصاح يامن:
– أنا لن أدفع كي يحميني أحد.. أستطيع أن أحمي نفسي..
وصاحت أسيل:
– وأنا كذلك.. من يريد أن يأخذ مني شيئا فليقتلني أولا..
وصاح فتى أخر
– وأنا لن أدفع..
وتبعه رجل غيره :
– وأنا أفضل أن أكل الدجاج كل يومين.. لن أدفع..
و صاح عجوز يجلس بعيدا:
– وأنا لن أدفع.. لقد دفعت الكثير.. لن أدفع حتى أموت..
ونهض فتى قوي، ورفع فأسه:
– وأنا سأكسر عظامهم.. إنها ليست أقوى من الصخور التي أكسرها..
حتى صاح الجميع: نحن لن ندفع.. لن ندفع.. لن نأكل خبرا مجددا.. سنأكل ما
يحلو لنا.. فابتسم خالد، واحمر وجهه ثم اتجه إلى يامن، واحتضنه ثم احتضنته
( رواية ارض زيكولا )
151
أسيل وأغمضت عينيها، وحدثت نفسها: “كم أحبك يا خالد”، ثم فتحتهما،
وهمست في أذنه:
– سيكتب هذا اليوم في تاريخ زيكولا.
فهمس إليها خالد مبتسما:
– إنني أنظر إلى وجهك فأجد الأمل يا أسيل ..
فابتسمت أسيل، واحمر وجهها.. ثم نظر خالد إلى يامن:
– ها يا يامن .. عليك أن تعيد الحصان إلى صاحبه.. وأن تستريح كي نعمل غدا معا..
ثم نظر إلى العمال الذين يتراقصون فركا، وتابع مبتسما:
– سأبدأ من الغد توفير ثمن كتابي.
***

رواية ارض زيكولا الفصل الثالث عشر



( رواية ارض زيكولا )
152
(13)
هكذا استطاع خالد أن يحرك عقول عمال زيكولا ، وأن يقنعهم بألا يدفعوا تلك
الوحدات مقابل حمايتهم مجددا.. حتى صاحوا فرحين بأنهم لن يدفعوا،
وتراقصوا فرحا بذلك، وزادت سعادة أسيل ويامن بما فعله
***
في اليوم التالي اتجه خالد مبكرا إلى عمله فوجد عشرة ممن يأخذون وحدات
الحماية يقفون بطريقه كعادتهم، واقتربوا منه كي يأخذوا ما يريدون فابتسم
وواصل سيره حتى أوقفه أحدهم بعنف، وصاح به:
– هنيا.. ادفع وحدتيك
فابتسم مجددا، وواصل سيره فأوقفه الرجل مرة أخرى، وطالبه بالوحدتين من
جديد.. فرد في برود:
– أنا لن أدفع..
فظهر الغضب على و موهم وضحك أحدهم ساخرا :
– لن تدفع؟!!
فأجابه: نعم..
فقال الرجل غاضبا:
( رواية ارض زيكولا )
153
– أتعلم ماذا سيحدث لك؟
فرد خالد مبتسما:
. لا ..
فزاد الغضب على وجوههم جميعا.. وهموا أن يضربوه حتى فوجئوا به يشير تجاه
غبار كثيف بالجو.. وضحك:
– انظروا..
المدن والیا
فنظروا إلى ذلك الغبار بالأعلى ثم نظروا إلى أسفله فوجدوا المئات من العمال،
وبأيديهم فؤوسهم وآلاتهم اليدوية.. يقودهم يامن، ويقتربون عدوا تجاههم.. حتى
قال خالد:
– عليكم أن تهربوا وإلا ستدفعون الكثير اليوم..
فصرخ زعيمهم إلى أحدهم:
– اذهب لتجلب الآخرين..
ولم يكمل حديثه حتى اقترب العمال، وألقى أحدهم بفأسه إلى خالد فابتسم ولوح
بها، ثم تحدث بصوت عال إلى العمال:
– إنهم لا يصدقون أننا لن ندفع لهم من اليوم..
ثم أكمل بعدما لمعت فأسه :
– علينا أن نثبت لهم ذلك
ثم ضرب بفأسه أحدهم، وما إن فعل ذلك حتى صاح العمال ثم انهالوا على بقيتهم
بالضرب، وكأنهم كانوا ينتظرون ذلك اليوم.. حتى من ذهب ليجلب بقيتهم تواری
بعيدا وهرب مع الأخرين حين وجدوا زملاءهم يضربون كمن وقع عليهم جبلا من
الفؤوس والعصي.. حتى هدأ العمال مرة أخرى ، وسالت الدماء على وجوه أخذي
الوحدات.. فسألهم خالد:
( رواية ارض زيكولا )
154
– أمازلتم تريدون الوحدات؟ فلم ينطقوا ..
فنظر إلى بعض العمال:
– إنهم مازالوا يريدون..
فواصلوا ضربهم مجددا.. حتى صرخوا:
– إننا لا نريد شيئا.. إننا لا نريد..
فصاح يامن غاضبا:
. حسنا.. عليكم أن تتركوا تلك المنطقة إن لم تعملوا.. إن رأيناكم هنا مجددا فلن
نكتفي بما حدث اليوم.
فصرخ أحدهم:
.حسنا.. حسنا..
ثم نهضوا مسرعين هربون بعيدا، فصاح العمال فرحين، وبدأوا يتراقصون،
ويغنون:
سنأكل الدجاج.. نحن أقوياء..
ثم احتضن يامن خالا، وهمس إليه:
– ربما يأتون ببقيتهم غدا..
– سنأكل الدجاج…
فضحك خالد :
– معتقد ش.. هما خلاص عرفوا إن انتوا اتحدتوا.. والمرة الجاية ممكن تقتلوهم..
شفت اليوم الوحيد اللي استخدمتوا فيه الذكاء.. وحمل فأسه، وجذبه من يده:
– ها يا صديقي، لدينا الكثير من العمل..
فضحك يامن:
– أصبحت تتحدث مثلنا..
( رواية ارض زيكولا )
155
فضحك خالد، واستعاد لهجته مرة أخرى:
. خلاص
أنا بقيت من أبناء زيكولا..
ثم عاد إلى لهجة زيكولا:
– ها، سأنافسك اليوم في العمل.. وسأعمل ضعف ما تعمل.
فضحك يامن:
– أرى أنك تحلم..
فرد خالد ضاحكا:
– أحلم ؟!! سترى.. ثم أسرع إلى مكان العمل جریا، فتبعه يامن مسرعا: انتظر..
***
بدأ خالد يعمل بقوة.. لا يشغل تفكيره شيء سوى أن يوفر ثمن کتابه.. يمر اليوم
تلو الأخر، يعلم أن عمله شاق للغاية، ولكنه يدرك أنه العمل الأكثر ربحا في
زيكولا .. يحاول أن يحفز نفسه بأن ينافس يامن كل يوم في تكسير تلك الصخور..
ويضحك حين يجد فتاة أو أخرى تنظر إلى جسده القوي اللامع تحت أشعة
الشمس.. فيكمل عمله، ويترك يامنا ليداعب تلك الفتيات.. حتى ينتهي من عمله
فيذهب إلى ذلك المطعم كي يتناول غذاءه.. ويبتسم حين يجد الكثير من العمال
يأكلون الدجاج بينما أصبح هو الوحيد الذي يأكل خبرا.. ثم يعود إلى البحيرة
فيلقي بجسده في مائها ثم يستلقي على شاطئها.. ويخرج أوراقه وأقلامه ليسجل ما
حصل عليه من وحدات، وما تبقى له على ثمن الكتاب ، وما تبقى له من أيام.. حتى
تأتي أسيل فتجلس بجواره لبعض الوقت ثم تعود إلى بيتها بينما يظل هو ساهرا
حتى يغلبه النعاس.. فينام حتى صباح اليوم الذي يليه.
حتى جاء يوم وانتهى من عمله.. ففوجئ بفتاة تقترب من بعيد ودق قلبه صاحبا
حين وجدها تشبه “منى” – الفتاة التي أحها لسنوات طويلة قبل أن يأتي إلى زيكولا –
( رواية ارض زيكولا )
156
حتى مرت بجانبه فوجدها تختلف عنها قليلا.. واندهشت حين وجدته ينظر إليها
في ذهول، حتی يامن أصابته الدهشة هو الآخر.. فسأله مداعبا له:
– هل تعجبك؟!.. إن كنت تريد أن تتزوجها، أخبرني فقط.
فضحك خالد:
. لا.. شكرا..
بعدها غادر ، ولم يتجه إلى المطعم تلك الليلة كعادته بل ذهب إلى شاطئ البحيرة،
وعقله منشغل بتلك الفتاة التي تشبه منی..
.. وكأنه تذکر سنوات مضت، وحدث
نفسه :
– منی؟! ثم أكمل:
– يا ترى اتجوزتي الدكتور ولا لا؟!
ثم جلس على شاطئ البحيرة أمام نار أوقدها، وأخرج ورقة من أغراضه.. نصفها
العلوي مليء بكتاباته.. وبدأ يكتب بنصفها السفلي:
– لم تعد سوى أيام قليلة على إتمامي الشهرين، وأذهب كي أخذ كتابي.. ولكنني قد
قابلت اليوم فتاة تشبه منی أحببتها ست سنوات.. وكانت أمنية حياتي أن
أتزوجها ذات يوم.. لولا أبوها المجنون.. ثم صمت مفكرا قليلا ثم أكمل كتابته:
لا أعلم ما سر أن أجد تلك الفتاة اليوم.. هل لأتذكر مني بعدما لم أفكر بها منذ
دخولي زيكولا.. حين انشغل عقلي بالبحث عن كتابي.. لا أعلم..
ثم توقف، ونظر بعيدا إلى البحيرة، وأخذ نفسا عميقا وأخرجه ببطء.. ثم نظر إلى
الورقة والتي امتلأت بالكتابة عدا جزءا صغير بأسفلها، فكتب به:
– ما أعلمه جيدا أنني لم أحب غير منى طوال عمري.
وانتهت الورقة التي يكتب بها، فأخرج ورقة أخرى ونظر إلى الورقة السابقة حيث
انتهى ثم أكمل:
( رواية ارض زيكولا )
157
– لم أحب غيرها طوال عمري قبل أن آتي إلى زيكولا.. حتى وجدت أسيلا التي يزداد
شعوري كل يوم بحهالي.. أما أنا فأشعر تجاها ب…
حتى شعر بأقدام تقترب من خلفه.. فوجد أسيلا تقترب، فضحك ثم أخفى أوراقه
بين أغراضه.. واقتربت منه، وسألته:
– ماذا تفعل؟
فابتسم:
– ولا حاجة..
فصمتت ثم أكملت:
يبدو
– كنت أتوقع أن أجدك تتناول طعامك بالمطعم.. وذهبت إلى هناك فلم أجدك.
أنك توفر طعامك..
فقال ضاحكا: لا.. أنا مش بخيل للدرجة دي.. أنا فضلت إني أجي للبحيرة..
فابتسمت أسيل:
– إن البخل ليس عيبا هنا في زيكولا كما تعلم.. لقد بدأ أهالي زيكولا يدخرون
ثرواتهم بالفعل بعدما شعروا باقتراب يوم زيكولا إن كان مولود الحاكم ذكرا.. ربما
يكون بعد ثلاثة أشهر أو أكثر بأيام قليلة.. من يدري؟!
ثم أكملت مبتسمة: لولا تلك الوحدات التي وفرها الكثيرون من أخذي وحدات
الحماية لما أكلوا دجاجا حتى انتهاء ذلك اليوم.. وضحكت وأردفت:
– أتوقع أن يكون فقير هذا العام لديه أكثر من مائتي وحدة..
درجه در ان
في ركود كما تعلم
فضحك خالد :
– وأنا نفسي ا
أسيب زيكولا قبل ما أشوف الفقير بيذبح.. ثم سألها: وانتي مش عايزة
تسيبي زيكولا؟
158
فأجابته:
– إن تري لزيكولا قد يكون أصعب قرار بحياتي.. لا أعتقد أنني سأتخذ هذا القرار
حتى يكون لدي مبرر قوي للغاية.. ثم نهضت:
– هيا عليك أن تنام.. أما أنا فسأعود إلى بيتي لدي أيضا الكثير من العمل باكرا..
فابتسم خالد، وكأنه يقلدها:
– مبرر قوي للغاية ؟!!
فضحكت أسيل:
– للغاية..
***
غادرت أسيل ، ومر الليل، وأتى ما بعده من نهار.. وخالد يواصل عمله، ويتمنى أن
تمر الأيام المتبقية سريعا.. وتوالت الأيام يوما بعد يوم.. وخالد يوفر ما يستطيع
توفيره من وحدات.. ولا يترك يوما دون أن يعمل.. لا ينفق من أجره شيئا سوى
وحدة واحدة حين يأكل الخبز.. حتى إنه كان يوفرها بعض الأيام.. وقد يمر يومان
دون أن يضع لقمة بحلقه.. حتى جاء اليوم الأخير من الشهرين وكان بعمله مع
يامن ، والذي حدثه مبتسما:
. لقد انتهت المهلة اليوم..
فحمد خالد ربه ثم قال:
– أخيرا .. كنت مستني اليوم ده بفارغ الصبر.
فسأله پامن:
– كم جمعت من الأربعمائة وحدة؟
فصمت خالد مفكرا، وكأنه يحسب ما جمعه بدقة:
( رواية ارض زيكولا )
159
– أعتقد إني جمعت حوالي 350 وحدة.. وهضيف لهم خمسين وحدة من مخزوني..
فقاطعه يامن
– تقصد مائة وحدة.
فرد خالد مندهشا: مائة؟ !
أكمل يامن :- نعم.. هل نسيت أنك ستستأجر الحصان مرة أخرى.
فضرب رأسه بيده.. وكأن ذلك الحصان لم يكن بحسبانه.. حتى صمت وأكمل:
– أنا كنت هشتري حصان أوفرلي.. ثم تابع:
– مش هتفرق خمسين من مية.. المهم إني أخد الكتاب..
فضحك يامن:
– حسنا.. سأوفر لك الحصان مجددا.. وسأنتظرك حتى تعود.. إنني أريد أن أرى
أغلى كتاب بزيكولا .. أعتقد أنها ستكون لحظة تاريخية لي..
فضحك خالد :
– وأتمنى إنها تكون تاريخية ليا
أنا كمان.
***
في صباح اليوم التالي، امتطى خالد الحصان الذي أحضره يامن.. وكان نفس
الحصان القوي الذي استأجره المرة السابقة حين ذهب إلى المنطقة الشمالية..
وانطلق نحو تلك المنطقة.. تعلو وجهه ابتسامة أمل لم يشعر بها من قبل.. يأمر
حصانه أن يسرع.. هيا.. إلى الأمل.. إلى خروجي من زيكولا .. يشق الطريق بقوة..
ويتطاير قميصه مع الهواء لتظهر عضلات جسده القوية، وذراعه القوي الذي
يمسك بلجام حصانه بإحكام.. ينطلق بحصانه، ويخشى أن يتأخر عن موعده
فيمزق هلال المجنون صفحة واحدة من كتابه.. ويأمره بأن يزيد من سرعته.. ويمر
الوقت، وتتحرك الشمس.. ويواصل طريقه دون أن يستريح.
( رواية ارض زيكولا )
160
حتى وصل إلى أطراف المنطقة الشمالية مع غروب الشمس.. فأسرع ينطلق في
شوارعها، والتي كانت خالية إلا من القليل من الأشخاص الذين بدأوا في الخروج
مع حلول الليل، وبعض فتيات الليل اللاتي خرجن إلى شوارع تلك المنطقة.. وأكمل
طريقه نحو بيت هلال.. أخيه.. صاحب الكتاب.
***
وصل خالد إلى بيت أخيه، فترجل مسرعا.. وعقل حصانه بجوار بابه.. ثم أعطى
فتى يجلس أمام هذا البيت وحدتين مقابل أن يحمي حصانه حتى يعود.. ثم طرق
بابه ففتح هلال ووجده أمامه، فضحك قائلا:
– المجنون الذي يريد الكتاب..
فصمت خالد ولم يرد ثم دلف معه إلى داخل البيت.. فوجد رجلين تبدو عليهما
القوة، ويظهر الشر بأعينهما.. حتى تحدث هلال:
– لقد جئت في موعدك تماما.
فرد خالد:
– إنني أريد الكتاب الأن.
فابتسم هلال ابتسامة خبيثة :
– بالطبع يا عزيزي، لقد جئت إلي من السماء.. إنني كنت أخشى أن أذبح يوم زيكولا..
أما بعد ذلك الكتاب فلن أعمل عاما على الأقل.. إنني اليوم أحترم أبي كثيرا.. ثم
نظر إلى خالد:
أنك على استعداد الأن لتعطيني الخمسمائة وحدة مقابل الكتاب.
***
( رواية ارض زيكولا )
161

فصاح خالد في غضب :
– خمسمائة ؟!!
فضحك هلال، وكأنه مندهش:
– نعم.. أنسيت اتفاقنا؟!
عا الملل
فصاح خالد مجددا:
– كان اتفاقنا أربعمائة وحدة…
فصمت هلال ثم تحرك خطوات.. وتحدث إلى أحد الرجلين:
– إنه يقول أربعمائة.
ثم نظر إلى الأخر
– إنني لا أتذكر ذلك..
ونظر إلى خالد:
– ربما لم تفهم قصدي وقتها.. ربما كنت أقصد أن تعطيني أربعمائة وحدة إن أخذته
قبل شهرين..
– أما بعد تلك المدة فلابد أن يزيد الثمن.. لا أعلم سر هذا الغباء في زيكولا.
فشاط خالد غضبا، وكاد يلكمه.. ولكنه تمالك أعصابه حين نظر إلى هذين
الرجلين، وما يخفيانه من شر.. ثم تحدث في هدوء:
– لسه بقول إنك أخي..
فضحك هلال ونظر إلى الرجلين :
. لقد أخبرتكم أنه مجنون.. ثم نظر إليه:
،
– اعتقد أنك تملك الكثير .. لن تصبح فقيرا إن أعطيتني المائة وحدة الإضافية.
( رواية ارض زيكولا )
162
ثم تحرك إلى إحدى الغرف ، وعاد وبيده ذلك الكتاب وحدث الرجلين:
– إن الوقت يمر، ومازال صديقنا يفكر.. حسنا، سأمزق أخر ورقة بالكتاب.. وهم
أن يمزقها فأمسك خالد بيده، ونظر في عينه بقوة:
– أنا موافق إني أشتري الكتاب مقابل الخمسمیت وحدة.
فضحك هلال:
. حسنا.. وأنا أعطيك الكتاب.
فانتزعه خالد في غضب، واحتضنه بين ذراعيه، وتحدث كأنه يتحدث إلى الكتاب:
المهم إن الكتاب معايا.. الوحدات اللي فقدتها أقدر أعوضها قبل يوم زيكولا إن
شاء الله.. لسه تلات شهور على يوم زيكولا لو كان المولود ولد.. لو عملت زي الفترة
اللي فاتت أقدر أوفر حوالي خمسمیت وحدة.. وأستعيد كل مخزوني وأكتر.. ثم
نظر إلى هلال، والذي بدأ يشرب الخمر مع الرجلين وقال:
– أتمنى إنك متكونش أخي فعلا.. وأكمل :
. لأنك عار..
فضحك هلال ببرود:
– هنيا.. اخرج من هنا أيها المجنون قبل أن نأخذ منك الكتاب مجددا..
فرد خالد:
– وقتها.. اقتلوني أولا..
ثم أخذ كتابه، وخرج، وأغلق الباب خلفه بعنف.. ثم امتطى حصانه، وأسرع به
يغادر ذلك المكان.. وتناسی ما دفعه من وحدات إضافية.. وأصبح همه أن يقرأ ما
بهذا الكتاب.. حتى وصل إلى مكان لا يوجد به الكثير من أهالي تلك المنطقة، وجلس
بجوار عمود أنيرت فوقه نار للإضاءة.. وأخرج كتابه مسرعا، وبدأ يتصفحه،
( رواية ارض زيكولا )
163
ويقلب صفحاته في لهفة.. ويقرأ بعينيه سطوره مسرعا.. ينظر إلى صفحاته
الصفراء.. وما كتب بها بخط اليد، وكأنه أمل انتظره لسنوات..
***
وجد خالد صاحب الكتاب يذكر في بدايته أنه قد كتب هذا الكتاب في القرن
الثامن عشر.. وأن تلك النسخة هي النسخة الثانية له، بعدما ضاعت نسخته
الأولى دون أن تكتمل.. فتذكر خالد صفحات الكتاب العشر البالية، والتي تحدثت
عن سرداب فوريك، وقرأها قبل أن يأتي إلى زيكولا حين أعطاها له صديق جده..
مجنون السرداب..
ثم قلب خالد صفحات الكتاب في سرعة.. فوجد تلك الصفحات العشر
فتجاوزها، حتى وصل إلى تلك الصفحة والتي انتهت بأنه اكتشف ما هو أهم من
كنوز فوريك.. فكانت مثلما توقع خالد بأنه سيتحدث عن اكتشافه لأرض زيكولا ..
ثم قلب بعض الصفحات، فوجده يتحدث عن أهل زيكولا ، وعن تعاملهم بوحدات
الذكاء، ويوم زيكولا، وذبح الأفقر كل عام، وما تركه ذلك من طباع على هؤلاء
الناس .. فقلب تلك الصفحات مسرعا.. وكلما قرأ شيئا يعرفه تجاوزه.. لا يريد أن
يضيع ثانية واحدة.. حتى وجد صفحة مكتوب بها..
(( لقد أفنيت عمري أبحث عن سر تلك الأرض.. ولكنني لم أجده حتى لحظة كتابة
كتابي هذا.. ولكنني أعلم تماما أنني لست المصري الوحيد الذي أتى إلى تلك الأرض..
لقد عثرت صدفة على بعض المخطوطات، والتي أخبرتني بعضا من الحقائق التي
وضعتها نصب عيني..))
فاندهش خالد.. وأكمل قراءة
((لقد ذكرت المخطوطات البالية أن الكثيرين قد أتوا إلى تلك الأرض بعد بناء
سرداب فوريك.. فبعدما شيد ذلك السرداب ببراعة معمارية لم يكن لها مثيل ..
أعجب به ((فوريك )) ذلك الثري، كثيرا ، ووضع به كل ما يملك من كنوز وثروة لم
( رواية ارض زيكولا )
164
يكن لها مثيل في ذلك العصر.. حتى طمع الكثيرون بها فاتجهوا إلى السرداب کي
يسرقونها.. وحين علم فوريك بذلك أمر حراسه بأن يغلقوا أبوابه.. فظلوا بداخله
دون أن يجدوا مخرجا.. حتى مات بعضهم، وظل الباقون يبحثون عن مخرج حتى
وجدوا ذلك المخرج إلى تلك الصحراء.. والتي لم تكن بها سوى تلك المدينة، وسورها
القوي الذي لم يكن قد اكتمل وقتها.. فاستقروا بها، وظنوا أن تعاملهم بوحدات
الذكاء ما هو إلا عقابا لهم على نزولهم السرداب ومحاولتهم سرقة كنوز فوريك..
وبعدها كثر عددهم.. وعاشوا مع سكان زيكولا الأصليين.. وتكاثروا بينهم..))
((وتقول المخطوطات إنهم لم يتذكروا شيئا عن حياتهم السابقة، سوى تقويمهم
الذي كتبوه على سور زيكولا منذ دخولهم إليها. ولغتهم العربية والتي بدأوا
يعلمونها سكان زيكولا.. حتى إنهم نسوا دينهم، وأصبح الكثيرون منهم من الكسالى
الذين اتجهوا للمنطقة الشمالية في ذلك الوقت قبل قرون.. حيث يكسبون
ثرواتهم دون أن يعملوا بجد..))
وواصل خالد تصفحه لصفحات الكتاب متعجلا.. وكأنه لا يهمه ما فاته مما ذكره
الكتاب.. يبحث عن هدف واحبي لا يريد غيره.. وأخذ يقلب حتى وصل إلى تلك
الصفحة التي قرأها منذ شهرين وكتب بمنتصفها:
“. الطريق إلى سرداب فوريك .
فأخذ يقرأها متلهفا.. حتى وجد الكاتب يقول :
– إنني جئت إلى زيكولا مرتين.. وأعلم جيدا الطريق إلى ذلك السرداب، ولكنني
أحببت العيش هنا.. ولن أغادر حتى أموت..
ثم قرأ خالد بعض السطور مسرعا.. ووصل إلى سطر يقول:
– حین سرت بسرداب فوريك لأول مرة، وبدأ انهياره.. وأسرعت هربا خوفا من ذلك
الانهيار.. لم يدر بخلدي وقتها أنه يدفعني إلى طريق يريده السرداب … فتذكر خالد
نفسه حين كان بالسرداب وحدث الانهيار، وأكمل قراءة:
( رواية ارض زيكولا )

165
– ولكنني تذكرت بأن هناك طريقا أخر قد أبعدني عنه انهيار السرداب.. وأدركت
أنه طريق العودة مجددا.. بعدما انهار طريق مجيئي.. واختفى بالصحراء..
فدق قلبه بقوة، وأكمل:
” – إن جاء أحد من بعدي، ولم يقرأ كتابي. سيظن أنه لابد أن يخرج من زيكولا كي
يعود إلى مصر مجددا.. وهذا الغباء ذاته.. من يأتي إلى تلك الأرض ويريد أن يعود
إلى دياره، وأن يصل إلى سرداب فوريك مجددا.. لابد أن يدخل زيكولا.. ويكون
كالشمس، وينحت في الصخر.. فيجد باب السرداب الأخر أمام الرأس مباشرة..”
وانتهت الصفحة، ومعها انتهت صفحات الكتاب.. فأعاد خالد القراءة مرة أخرى
بعدما لم يفهم شيئا:
– من يريد ، أن يصل إلى سرداب فوريك، لابد أن يدخل زيكولا، ويكون كالشمس،
وينحت في الصخر. سيجد باب السرداب الآخر أمام الرأس مباشرة..
ثم سأل نفسه:
– أي شمس؟! وأي رأس؟!
ويقصد إيه بالنحت في الصخر؟ !!
أي رأس ؟!!
وقلب صفحات الكتاب مجددا.. وسأل نفسه.. وسأل الكتاب.. أي شمس؟.. أي
رأس؟.. ثم نهض وتحرك مسرعا، ودخل مكانا به الكثير من أهالي المنطقة
الشمالية.. يشربون الخمر، ويتراقصون.. فصاح بأحدهم، وأشار إلى تلك
الصفحة بكتابه:
الكتب
– هل تفهم ذلك؟
– كيف أنحت في الصخر أمام الرأس؟!
فضحك الرجل :
( رواية ارض زيكولا )
166
– هل أنت مجنون؟!
فسأل آخر فلم يجبه.. فسأل غيره فلم يجبه.. وظل يسأل كل من يقابله عما قرأه،
كالمجنون فلم يجبه |
، أحد.. ثم جلس على إحدى الطاولات.. وبدأ يقرأ تلك السطور
الأخيرة.. ويكررها بصوت عالي.. ولكنه لم يفهم منها شيئا.. حتى وجد أمامه كأشا
من الخمر فشربه دون أن يدرك أنه خمر.. وشرب منه مجددا.. وظل يقرأ ويفكر
دون أن يصل لشيء.. وكلما انتهى ذلك الكأس أمامه ملأه النادل من جديد.. حتى
ظهر تأثير الخمر عليه.. فوقف فوق الطاولة التي كان يجلس عليها.. وأمسك
زجاجة الخمر بيده، والكتاب بيده الأخرى.. ثم صاح ضاحكا في سخرية إلى من
يجلسون بذلك المكان :
– ظللت أحلم أن أجد هذا الكتاب .. وأبحث في كل مكان بتلك المدينة اللعينة.. ثم
شرب قليلا من الخمر، وتابع:
– وحين وجدته.. ظللت أعمل، وأعمل، وأعمل.. لا أكل.. ولا أنام حتى أحصل عليه.
ثم صمت، وضحك مقهقها، وأكمل:
– وقد حصلت عليه اليوم.. مقابل خمسمائة وحدة من ذكائي…
فنظروا إليه.. وكأنهم لا يصدقونه فأكمل، وقد احمر وجهه من الخمر:
– لا تندهشوا.. لو طلب مني ذلك المعتوه.. الذي قد يكون أخي، أكثر من
الدفعت.. ثم شرب كثيرا من الزجاجة، وأكمل بعدما ترنح فوق الطاولة، وبدأ لسانه
يتلعثم بالحديث:
– وفي النهاية علمت لماذا لم يستطع أبي الخروج من هنا، ومعه هذا الكتاب..
فسأله سكي يجلس على طاولة بعيدا:
– لماذا أيها المجنون؟
فأشار إليه خالد ضاحكا ثم:

( رواية ارض زيكولا )
167
– سأخبرك أيها السمين.. لابد أن القصة قد أعجبتك.. سأخبرك..
– يبدو أن صاحب هذا الكتاب اللعين خشي أن يذهب أحدكم إلى ذلك السرداب..
لا أعلم لماذا خشي أن تذهبوا إلى هناك.. ليت أهل زيكولا يذهبون إلى بلدي
فيجعلونهم يعملون.. ولا يعتمدون على غيرهم، مثل زيكولا .. ثم ضحك عاليا:
– لقد وضع لغا بأخره..
ثم جلس على الطاولة ، ووضع رأسه بين يديه.. ثم رفعها مجددا، وضحك ضحكة
يشوبها ألم كبير:
– كان يعلم أنكم تتعاملون بالذكاء.. كان يعلم أنكم أغبياء.. لن تستخدموا ذرة ذكاء
واحدة لتفكروا في هذا اللغز.. وهدأ صوته:
– ويبدو أنني سأظل مثل أبي.. طوال عمري أبحث عن ذلك المخرج.. إنني
ثم نهض مجددا فوق الطاولة.. ورفع الكتاب بيده ، وصاح بصوته السكير:
– والآن.. من يريد أن يشتري هذا الكتاب مقابل عشر وحدات من الذكاء؟
غبي
مثلكم.
***

رواية ارض زيكولا الفصل الرابع عشر


( رواية ارض زيكولا )
168
(14)
ظل خالد هكذا هذي لما أصابه من ألم الصدمة، ولم يجبه أحد فعاد مجددا،
وصاح بصوته :
– ألا يستحق عشر وحدات؟!.. صدقوني إنه ثمين.. ثم أكمل:
. حسنا.. خمس وحدات؟
فلم يجبه أحد مرة أخرى فتمتم إلى نفسه بكلمات غير مفهومة ثم نزل من فوق
الطاولة.. وسار خارجا من ذلك المكان وسط سخرية كل من يقابلونه وتحرشات
فتيات الليل.. يسير مترنگا لا يدري بشيء من حوله، وفي يده كتابه يلوح به إلى من
يقابله، ويضحك ثم.. حتى عاد إلى المكان الذي يقف به حصانه.. وما إن وصل
إليه حتى سقط وكأنه فقد وعيه.
***
في صباح اليوم التالي، كان خالد نائما على جانبي أحد شوارع تلك المنطقة بجوار
حصانه.. حتى فتح عينيه فجأة حين فوجئ بفيض من الماء البارد ينسكب فوق
رأسه.. وما إن نظر أمامه حتى وجد تلك الفتاة التي أرشدته إلى هلال من قبل.. فتاة
الليل.. وبيدها إناء فارغ، وضحكت:
– لست وحدك من تسكب الماء..
( رواية ارض زيكولا )
169
فنهض خالد مسرعا، ونظر إلى ملابسه المبتلة.. وأمسك رأسه من الألم ثم نظر إليها
غاضبا، فأسرعت مبتعدة عنه، وحدثته ضاحكة:
– ها عد إلى حيث جئت.. لن يفيدك أن تبقى هنا..
فصمت، ولم يتحدث ثم أمسك بلجام حصانه، وامتطاه.. وبدأ يتحرك به ببطء
مبتعدا عن الفتاة.. حتى صاحت إليه:
. كنت أتمنى ألا أراك هكذا ليلة أمس .. ثم صمتت، وصاحت مرة أخرى:
. كنت أظنك أقوى من ذلك..
فأوقف خالد حصانه ثم التفت إليها.. وتحدث بصوت هادئ:
– أنا أسف..
ثم استدار مجددا، وأمر حصانه أن ينطلق بين شوارع تلك المنطقة إلى أطرافها
حيث طريقه إلى المنطقة الشرقية..
***
كان الحصان في طريقه نحو المنطقة الشرقية.. وخالد يريد أن يلقي بنفسه من
فوقه ندما عما فعله ليلة أمس.. لا يصدق أنه ثمل ولم يتحمل صدمة لغز
الكتاب .. يتحدث إلى نفسه ويؤئها.. كانت المرة الأولى التي يشرب خمرا.. لا يتذكر
عما تحدث إلى السكارى.. ولكنه لم يود لحظة واحدة أن يكون هكذا.. ينظر إلى
السماء ويستغفر ربه.. ويحدث نفسه بأنه لن يفعلها مجددا.. ثم تذكر الكتاب،
وذلك اللغز.. ماذا يقصد كاتبه؟.. كيف يكون كالشمس؟.. كيف ينحت في
الصخر؟.. وأي رأس تلك؟.. وظل هكذا حتى وصل إلى أطراف المنطقة الشرقية مع
حلول الليل.. واتجه إلى شاطئ البحيرة.. وما إن وصله حتى غلبه النعاس من التعب
وألم رأسه الشديد.. فآثر أن يستريح حتى صباح اليوم التالي..
***
( رواية ارض زيكولا )
170
في صباح اليوم التالي، استيقظ خالد من نومه، ولم يكد يفتح عينيه حتى وجد
أسيلا تأتي إليه مسرعة.. وسألته في لهفة:
– هل حصلت على كتابك؟
فابتسم ابتسامة يعتريها حزن:
– نعم..
ثم نهض، وسار بضع خطوات تجاه البحيرة.. وألقى بنفسه في مائها.. يرتدي بنطاله،
ونصفه العلوى عابر بعدما ألقى بقميصه على شاطئها.. وأخذ يغمر جسده بالماء،
حتى سألته أسيل، وهي تقف أمام البحيرة:
– خالد.. هل دفعت الكثير من مخزونك؟ !!
+
فصمت خالد، وأكمل سيره إلى داخل البحيرة، ثم أ أكملت
– خالد.. أراك شاحبا اليوم، وشحوبك مميز.. إنك أنفقت الكثير من ثروتك ..
تجاوزت ثمن الكتاب ..
فتوقف ثم التفت إليها:
– أيوة.. هلال طلب مني مائة وحدة إضافية…
حتى صاح صوت في دهشة:
– مائة وحدة؟!!
فالتفتت أسيل فوجدت ياما قد جاء.. فأكمل خالد إليهما:
– نعم، مائة وحدة.. لقد طلب مني خمسمائة وحدة مقابل ثمن الكتاب، وإلا قطع
صفحاته ..
ثم سار خارجا من الماء.. والمياه تتساقط من جسده وبنطاله المبللين، ثم ارتدی
قميصه، وسأل پامنا:
( رواية ارض زيكولا )
171
– ليه مرحتش عملك؟
فضحك يامن :
ساحزابل
– أخبرني أحد أنك جئت بالأمس بعد حلول الليل، فجئت كي أخذ الحصان،
وأعيده إلى صاحبه، وأرى أثمن کتب زيكولا.. بعدها قد أذهب إلى عملي أولا أذهب
اليوم.. إن تلك اللحظة لا يضيعها عاقل، ثم سأله:
– أين الكتاب؟
فصمت خالد حتى نطقت أسيل:
– خالد.. مالي أراك حزيئا؟!
فتحرك خالد إلى جوار شجرته، وأخرج الكتاب من بين أغراضه ثم ألقاه إلى يامن..
وتحدث ساخرا :
– ده أغلى كتاب في زيكولا..
فالتقطه يامن فرحا، وظل يتأمله وأكمل خالد:
– للأسف كنت مفكر إني مجرد ما الاقيه هقدر أخرج من هنا بعد يوم زيكولا .. بس
تقريبا اللي يدخل زيكولا صعب إنه يسيبها..
فقاطعته أسيل في دهشة :
– ألم يتحدث الكتاب عن سرداب فوريك؟!!
فرد خالد:
– الكتاب تحدث عنه، وعن فوريك، وعن مصر.. والغريب إن الكتاب بيقول إني
ممكن أخرج قبل يوم زيكولا.. وإني مش مضطر أنتظر لليوم ده.. وإني عشان أرجع
البلدي كان لازم أدخل زيكولا.. ثم أخذ نفسا عميقا وزفره بقوة:
– لكنه ترك لغزا في نهايته.. لمخرج السرداب..
( رواية ارض زيكولا )
172
أسيل: أي لغز؟
فنظر إلى يامن ثم سأله أن يقرأ آخر سطور الكتاب.. فبدأ يامن يقرأ:
” – من يأتي إلى تلك الأرض، ويريد أن يعود إلى دياره، وأن يصل إلى سرداب فوريك
مجددا.. لابد أن يدخل زيكولا .. ويكون كالشمس، وينحت في الصخر.. فيجد باب
السرداب الآخر أمام الرأس مباشرة .
بعدها صمت يامن، وكأنه لم يفهم شيئا.. وصمتت مثله أسيل.. وصمت خالد حتى
نطق :
– أول مرة أحس إني ضعيف كانت في اللحظات اللي قريت فيها اللغز.. مش عارف
إيه اللي حصل لي.. حسيت إني بعد ما مسكت الأمل بإيدي .. راح فجأة.. وكأنه
تبخر، وشربت خمرا للأسف
فقاطعته أسيل
– شربت خمرا؟ !
فرد خالد: أيوة للأسف.. أعتقد إن تصرفي ده كان نتيجة الصدمة..
فقالت أسيل:
– أو نتيجة لشيء آخر، وهو فقدانك لذكائك .. إنك فقدت وحدات كثيرة من ذكائك
في وقت قليل.. لا تنس أن مخزونك كان قد زاد بعد ادخارك لثمن الكتاب.. ثم
أنفقته فجأة، ومعه مائتا وحدة إضافية لهلال وثمن استئجار حصانك.. أي
شخص مكانك كان سيتصرف بغرابة.. كان سيفعل أي شيء بعيدا عن شخصيته
الحقيقية.. ولن يلومه أحد.. إنه تصرف لا إرادي.. إنك أصبحت مثلنا يا خالد…
فصمت خالد.. ثم نطق يامن:
– وهل لا يوجد حل هذا اللغز في الكتاب ذاته؟!
فأجابه:
( رواية ارض زيكولا )
173
– لا .. أنا قريت الكتاب بسرعة.. وكان بيتكلم عن أهل زيكولا ، وعن حياتكم، واللغز
موجود في أخر الكتاب بس..
ثم أكمل :
– أنا متأكد إنه لغز سهل.. ممكن يكون سهل للغاية.. بس محتاجنا نفكر..
فقال يامن على الفور في دهشة:
– نفكر ؟!! ثم التفت بوجهه، وكأنه يهرب فظهر الغضب على وجه خالد، وصاح به:
– أيوة.. صاحب الكتاب أكيد كان عارف إن زيكولا مفيش حد فيها بيفكر، أو
يستخدم ذكاءه من شدة بخلهم.. بس انتوا لازم تساعدوني .. ثم نظر إلى أسيل:
– أسيل.. لازم تفکری.. لازم تساعديني.. أنتي غنية.. يعني ذكية، أنني أذكى مننا
بمراحل..
فصمتت دون أن ترد ثم نظر إلى يامن:
– وانت عارف زيكولا أكتر مني.. لازم تفكر.. لازم..
ثم صاح إلى الاثنين بعدما صمتا، ولم ينطقان
– عارف إن تفكيركم بذكاء هيقلل من ثروتكم.. بس هتحسوا بالفخر لو قدرتوا
تحلوا اللغز ده..
فلم يردا مجددا.. فصمت خالد، وجلس أمام البحيرة، وأعطى ظهره لهما حتى نطق
يامن:
– حسنا.. سأفكر يا خالد، ولكن علي أن أعيد الحصان إلى صاحبه الآن.. وأن
نذهب إلى عملنا سويا.
فصاح خالد :
– لن أعمل الأن..
( رواية ارض زيكولا )
174
فاقتربت أسيل منه:
– خالد، لا تيأس.. أعتقد أنك قوي بما يكفي لتجد حلا لهذا اللغز..
فرد خالد مبتسما:
– قوي؟!.. إن اللغز يحتاج إلى ذي.. إن رجال زيكولا أقوياء، ولكنهم ليسوا أذكياء..
إن اللغز يحتاج إلى من يفكر.. وأنا سأفكر..
ثم نظر إلى يامن الذي كاد يغادر، وصاح به:
– يامن.. اجلس.. لن تذهب إلى عملك قبل أن نجد حلا هذا اللغز..
فاندهش يامن حتى أكمل خالد، وهدأ من ثورته:
– اجلس يا يامن.. سأعطيك أجرك عن عملك، ولكن فكر معي.. أريد مساعدتك.
ثم نظر إلى أسيل:
– أسيل .. ستجدين معنا الحل.. فابتسمت أسيل، وردت:
.حسنا..
السه عندي
ثم جلس كلاهما، وتحرك خالد أمامهما جيئة وذهابا، وبدأ يتحدث:
– أنا فقدت تقريبا خمس مخزوني من الذكاء في الأيام اللي فاتت.. بس ا
اللي يكفي إني أفكر.. وأنا هفكر لأخر لحظة في حياتي.. ثم رفع الكتاب بيده،
وتحدث إليهما:
– اللغز بيقول..
– يكون كالشمس.. وينحت في الصخر.. والباب أمام الرأس..
– يكون كالشمس.. ينحت في الصخر.. الباب أمام الرأس..
ثم نظر إلى يامن:
. فيه تماثيل موجودة في زيكولا؟
( رواية ارض زيكولا )
175
فرد بامن: لماذا؟!
فأجابه: قد يكون يقصد رأس تماثيل..
فصمت يامن قليلا ثم تحدث:
. لا أعتقد .. وأكملت أسيل:
– لا توجد تماثيل في زيكولا إلا تلك التي ينحتها نحاتو زيكولا لفقراء يوم زيكولا..
حين تلعب لعبة الزيكولا ، ثم تحطم جميعا.. أصحابهم الذين ينجون من اللعبة
من يحطمونها.. إنها نذير شؤم لهم ..
فصمت خالد، وتحرك بعض الخطوات جيئة وذهابا مرة أخرى، وهمس إلى نفسه:
– لا يوجد تماثيل..
بعدها نظر إلى أسيل:
– كيف أنحت في الصخريا أسيل؟
فصمتت قليلا ثم تحدثت :
– إنك تكسر الصخور بالفعل.. فضحك يامن:
– وأنا أيضا.. فنظر إليه خالد غاضبا، فصمت ثم أكمل خالد إلى أسيل:
– ولكن لا توجد رؤوس هنا في المنطقة التي أكسر بها الصخور.. ثم صمتوا جميعا،
حتى نطق خالد بعدما أطلق صفيرا هادئا:
– وكيف أكون كالشمس ؟!!
فضحك يامن:
– إنك مضيء مثلها يا خالد، وغضبك مثل حرها الشديد .. فقاطعه غاضبا:
– ليتني تركتك تذهب إلى عملك.. اصمت يا يامن.. لا أريدك أن تتحدث.. إنك اليوم
أغبى مما كنت أتخيل..
( رواية ارض زيكولا )
176

فصمت يامن، وعاد بظهره إلى الخلف راقدا أمام البحيرة.. وخالد ما زال يفكر،
ويتحدث إلى نفسه.. و
. وأسيل تترقبه في صمت، حتی نظر إليها:
– أسيل .
.. ساعديني..
فابتسمت أسيل :
. حسنا يا خالد.. إنني أفكر الآن مثلك.. ثم أكملت :
– لا توجد رؤوس ، وأنت كسرت الصخور بالفعل.. هل قرأت الكتاب جيدا؟
فرد خالد:
. أعتقد..
فصمتت مجددا.. وبدأ الوقت يمر.. وخالد لايكف عن الحركة.. وأسيل تضع
رأسها بين يديها، وتفرك شعرها الناعم وكأنها تفكر.. ويامن نائما على ظهره،
واضعا إحدى قدميه فوق ركبة رجله الأخرى.. حتى غربت الشمس ، ولم يصلوا إلى
شيء.. حتى نطق خالد في يأس :
– أری أنني أصبحت غبيا بالفعل.
فتحدثت أسيل مبتسمة:
– سنجد الحل يا خالد.. سنجده..
ويامن يستمع إليهما – ومازال راقدا -، وينظر إلى النجوم التي تملا السماء.. حتى
تحدث إلى خالد:
– أنا أعتذر حقا يا خالد.. إنني أريد أن أساعدك، ولكنني لا أستطيع ذلك.. كانت
أمي تخبرني دائما أن إيادا صديق عمري أكثر من ذكاء.. ولكن أين نجد إيادا الآن..
إنه في المنطقة الغربية يكسر الصخور مثلنا..
فالتفت إليه خالد، وسأله في لهفة:
( رواية ارض زيكولا )
177
– يكسر الصخور؟ !!
فرد يامن مندهشا من لهفة خالد: نعم..
فسألهما خالد: د هو وفيه منطقة صخرية غير المنطقة الشرقية؟
فأجابت أسيل:
– نعم..
. المنطقة الغربية أيضا منطقة صخرية.. نعم، إنك لم تذهب إليها..
فصمت خالد كأنه يفكر.. ولمعت عيناه ، وتحرك تجاههما مسرعا.. ووضع بعض
الأخشاب في النار التي أشعلها يامن من قبل كي تزداد إنارتها.. ثم تحدث:
– لما كنت في سرداب فوريك.. انقسم السرداب إلى طريقين.. أنا أخدت طريق منهم ..
( رواية ارض زيكولا )
والسرداب أبعدني عن طريق تاني.. طريق المخرج..
بعدها جلس على الأرض أمام يامن الذي نهض وجلس، وأسيل التي تابعته في
ترقب.. ثم أمسك بقطعة خشب صغيرة، وبدأ يرسم على الرمال أمامهما.. ورسم
خطا طويلا، وتحدث:
– إن كان ده طريق السرداب الرئيسي
ثم رسم خطا متفرعا منه، ويسير تجاه يامن وأسيل .. وأكمل حديثه:
– وأنا أخدت الطريق ده لحد ما جيت في الصحرا خارج زيكولا ..
ثم رسم خطا آخر متفرعا من الخط الرئيسي أيضا.. ولكنه معاكس للفرع الذي
رسمه من قبل، وأكمل:
– والطريق ده اللي السرداب أبعدني عنه.. طريق المخرج على حسب كلام الكتاب..
ثم وقف على قدميه، وتحرك خطوتين للخلف، وابتسم:
. الآن تأكدت أن زيكولا أخذت من ذكائي الكثير .. ازاي مفكرتش في ده..
ثم أشار إليهما بأن ينظرا إلى الفرع الذي رسمه تجاههما، ونطق:
( رواية ارض زيكولا )
178
– هو ده الطريق إلى شرق زيكولا.. أكيد هو..
ثم أشار إلى الخط المتفرع المعاكس له وهدأ صوته، وابتسم:
– وهو ده الطريق إلى غرب زيكولا ..
وأكمل :
– المنطقة الوحيدة التي لم ازرها في زيكولا.. المنطقة الغربية..
ثم نظر إلى السماء حيث النجوم التي برزت.. ثم نظر إلى يامن وأسيل:
– لم يقصد بالشمس أنني مضيء يا يامن..
– إنه قصد بالشمس.. حركتها .
– من الشرق إلى الغرب.. إنه أسهل مما تخيلت.. إنه سهل للغاية، ولكن لشخص
لم يفقد ذكاءه.. شخص عايز يفكر..
فضحك يامن، وابتسمت أسيل.. ثم توقفت عن ابتسامتها، وتحدثت:
– ولكن يبقى الرأس..
فابتسم خالد: سأجدها ..
فقاطعه يامن:
– وما الذي يؤكد لك أنها حقا المنطقة الغربية؟
فأجابه خالد بلهجته بعدما تنوعت لهجته مابين لهجته الأصلية ولهجة زيكولا:
– لست متأكدا .. ولكن لم يعد وقتا سوى للمجازفة.. إن خشيت المجازفة سأظل
مثل أبي.. هنا طوال عمري.. وتابع :
– سأذهب إلى هناك.. وأعتقد أنني سأجد تلك الرأس بسهولة.. لابد وأن يكون بقية
اللغز أسهل مما نتخيل.. فضحكت أسيل :
– يبدو أن الذكاء في بلدكم يختلف عن الذكاء هنا.. وأكملت:
( رواية ارض زيكولا )
179
– لو فقد أحد مثلك، مس ذكائه لما نطق..
فابتسم خالد: أتمنى أن تكون شكوكي سليمة.. وأن يكون صاحب الكتاب قصد
يخليه سهل كده..
فضحك يامن، وأمسك بلجام الحصان الذي كان يقف بجوارهم:
– حسنايا ذكي .. ولكن المنطقة الغربية أبعد من المنطقة الشمالية.. هل ستستأجر
حصائا يكلفك المزيد من ذكائك؟!
فصمت خالد مفكرا.. حتى نطقت أسيل:
– لا.. إنه استأجر حصانا إلى المنطقة الشمالية لأنني لم أكن أذهب إلى هناك.. أما
المنطقة الغربية فسأذهب إليها بعد عدة أيام.. هل تنتظر، وتأتي معي؟
فابتسم خالد، ورد على الفور
– أيوة.. هنتظر..
فابتسمت أسيل :
. حسنا.. عليك أن تعمل حتى نذهب إلى هناك.. عليك أن تحاول إعادة أجزاء ولو
قليلة من ثروتك.. فابتسم خالد ثم نظرت أسيل إلى يامن:
– وأنت؟ .. لا تريد أن تساعد صديقك هناك؟ .. فنظر إليها يامن مندهشا حتى
أكملت:
– إنني أريد مساعدا أخر مع خالد.. ولكنني لن أدفع لك أكثر من أربع وحدات
باليوم، وملابس جديدة لك..
فصمت يامن ثم ضحك:
– مساعد طبيبة؟!!.. حسنا لم لا؟! ثم تمتم إلى نفسه:
– مساعد طبيبة صباحا.. وباحث عن رأس مجہولة مع صديق بعد الظهيرة.. لا أظن
أن هناك ما يمنع ذلك..
( رواية ارض زيكولا )
180
بعدها تحدثت أسيل إلى خالد:
– الأن سأغادر یا خالد.. وسأقابلكما هنا صباحا بعد ستة أيام حتى نتجه سويا إلى
هناك، ثم نظرت إلى يامن :
– وأنت، سيأتيك أحد بالملابس الجديدة قبلها بيوم.. ثم غادرت، فضحك خالد
ونظر إلى يامن:
– ستكون مساعدا لمساعد الطبيبة.
فرد يامن ضاحكا :
– أظن أنها تريدني أن أكون سائقا لعربتها..
ثم أمسك بلجام الحصان، وهم ليغادر:
– الأن علي أن أتركك .. إنني لم أضع شيئا في حلقي منذ الصباح.. هل ستأكل أنت
الأخر؟
فرد خالد:
. لا.. أنا سأنام.. ربما أكل غدا.. ثم تابع:
– إن طعامي الآن يأخذ من ذكائي.. وأنا أحتاج كل وحدة حتى أجد ذلك الرأس وذلك
المخرج
فابتسم يامن:
– حسناء أراك غدا في العمل.. وسأخبر العمال بأنني أمسكت أثمن كتب زيكولا
. كتاب ينقذ فقیرین من ذبح يوم زيكولا.. ثم ضحك، وغادر هو الآخر.. وظ
خالد بمفرده بجوار شجرته على شاطئ البحيرة
بيدي “
***
( رواية ارض زيكولا )
181
مرت الأيام يوما تلو الآخر، وخالد يعمل مع يامن.. ويقرأ الكتاب أكثر من مرة
باليوم، ويقارن بين ما ذكره الكتاب عن أهل زيكولا وبين ما كتبه هو في أوراقه..
ويحاول أن يسأل الكثيرين ممن ذهبوا إلى المنطقة الغربية من قبل، لعل أحدهم
يدرك سر ذلك الرأس.. يعلم أن ذهابه إلى هناك مجازفة وقد لا تكون ما يقصده
صاحب الكتاب.. ولكنه لم يجد حلا آخر ..
حتى جاء اليوم السادس، وكان في انتظار أسيل وعربتها عند البحيرة.. حتى وجد
يامنا يقترب من بعيد ، وقد ارتدى زا جديدا، جلبابا أزرق قصيرا ومزركشا، ويظهر
من تحته بنطال فضفاض.. ويسير متباهيا بزيه، وينفض كل لحظة عن أكمامه..
فضحك خالد حين رآه، ثم سأله يامن على الفور:
– ألس وسيما في هذا الزي؟
فضحك خالد :
– إن ملابسك أجدد كثيرا من .
، ملابسي..
فضحك يامن :
باید میان دبیت
– إنني أعمل بمقابل.. أما أنت فتعمل مقابل ذهابك إلى مناطق زيكولا..
بعدها وصلت عربة أسيل، وما إن رأي يامن السائق حتى همس إلى خالد:
– يبدوا أنني لن أعمل سائقا.. سأعمل مساعدا حقا.
فضحك خالد حتى ظهرت أسيل من نافذة العربة، ونادت بصوتها في ابتسامة:
– ها..
فحمل خالد جميع أغراضه، وكانت لفافة من القماش بها أوراقه وكتابه، وبعض
كسرات الخبز القديم.. وركب مع يامن العربة بمواجهة أسيل، والتي أمرت السائق
أن يتحرك نحو المنطقة الغربية..
***
( رواية ارض زيكولا )
182
انطلقت العربة، وبداخلها خالد ويامن وأسيل.. ويامن ينظر عبر النافذة مسرورا
حتى أثار دهشة أسيل .. ويريد أن يخرج عبر النافذة كي يراه من يعمل معهم بزيه
الجديد.. أما خالد فظل صاما، ونظر عبر النافذة الأخرى.. وأسيل تترقبه في
صمت حتى نطقت:
– هل وجدت شيئا آخر لذلك اللغز؟
فأجابها:
– لا.. كل أملي أن يكون ظننا صحيحا.. ويكون فعلا هناك المخرج .
( رواية ارض زيكولا )
فصمتت ثم ابتسمت، وقالت:
– تريد أن تغادر زيكولا في أسرع وقت.. لن تنتظر يوم زيكولا حتى.. ثم سألته:
– ماذا ذكر الكتاب عن تاريخ زيكولا؟
فرد مبتسما، وفضل أن يجيبها بلهجتها:
– إن صاحب الكتاب لم يعرف هو الأخر سر زيكولا.. يبدو أنه لا أحد يعلم سر تلك
الأرض.. ولكنه ذكر كيف تحدثتم العربية..
فسألته أسيل: كيف؟!
فقلب خالد صفحات الكتاب على عجل، وأشار إلى صفحة به:
– يقول الكتاب أن هناك من جاءوا من بلدي إلى هنا من قبل، عبر سرداب فوريك
منذ قرون.. وهم من علموا أهل زيكولا اللغة العربية.. أما بعض المناطق المجاورة
فقد علمها من جاء من بلدي ولم يدخل زيكولا..
فضحك يامن، وقاطعه:
. حسنا.. إننا ندين لكم بالكثير .
فابتسم خالد، وأكمل :
( رواية ارض زيكولا )
183
– ويقول أيضا.. إنهم ممن سكنوا المنطقة الشمالية..
فصمت امن ثم أكمل ضاحكا:
. لا ندين كثيرا ..
وسألته أسيل:
– هل ذكر أين زيكولا من أرضك؟
فأجابها:
– لا. لم يذكر ذلك.. الشئ الذي أعلمه أنا وصاحب الكتاب.. أن الطريق بين أرضى
وأرضكم هو سرداب فوريك.. وأكمل بعدما قلب بعضا من صفحات الكتاب :
– هو الآخر لم يستطع أن يجد تفسيرا لوجودكم، ووجود تلك الصحراء، والأراضي،
وأبار المياه التي توجد بها، وتلك السماء، وتلك الشمس.. فقال إن زيكولا أرض
أخرى لا أحد يعلم أين هي.. سوى أنها نهاية سرداب فوريك.. يبدو أنها ستظل سرا
أبدا لا يعلمه أحد .
***
بعدها أكمل الثلاثة حديثهم عن الكتاب.. وبدأ خالد يقرأ لهما بعضا من صفحاته،
واندهشا كثيرا حين قرأ لهما عن سرداب فوريك، وتصميمه البديع، وكيف يكون
مضاء ليلة البدر فقط، وكيف تمت تهويته، وحين يجدهما لايصدقان ما يسمعانه
يخبرهما بأنه قد رأى ذلك بالفعل حين مر منه.. ومر الوقت، والثلاثة يكملون
حدیثهم.. ويتنقلون من حديثهم عن الكتاب وما به إلى هلال، ذلك الجشع الذي
أخذ مائة وحدة إضافية، وضحكا كثيرا حين أخبرهما خالد بأنه قد ثمل، ولا يتذكر
شيئا عما تحدث به إلى الناس في تلك اللحظات هناك.. ثم بدأوا يتحدثون عن تلك
المنطقة التي يتجهون إليها، ونظر خالد إلى يامن ، وقال :
( رواية ارض زيكولا )
184
– انت قلت لي قبل كده إن المنطقة الغربية بها سوق كبيرة.. بيتم فيها بيع وشراء
جميع منتجات زيكولا الزراعية أو الصناعية..
فأجابه يامن:
– نعم.. تلك المنطقة يقصدها الكثيرون رغم بعدها عن منطقتنا. وقاطعته أسيل:
– ولكنها أكثر قربا إلى منطقة الحاكم التي نمر أمامها الآن..
فنظر خالد عبر النافذة، فوجد قصور المنطقة الوسطى، وأكمل يامن:
– وقريبة أيضا من المنطقة الجنوبية.. منطقة الزراعة، وغرفت دائما أنها أرض
الشراء والبيع في زيكولا .. وأن الأسعار بها أرخص كثيرا من مثيلاتها في المناطق
الأخرى.. فيلجأ إليها الكثيرون من أهالي زيكولا ..
فتحدثت أسيل:
– إنها منطقة تجار زيكولا.. وهم يعيشون بها رغم أنها منطقة يصعب العيش بها..
ثم أكمل يامن:
– ومنذ سنوات قريبة أصبحت المنطقة المنافسة لمنطقتنا في صناعة الطوب من
الصخور.. بعدما بدأوا يستغلون طبيعتها الصخرية في صناعة الطوب مثلنا، وها
الكثير من العمال الأقوياء، منهم إياد صديقي ..
( رواية ارض زيكولا )

فصمت خالد .. ثم ضحك ساخرا:
– كان في الأول هدفي إني ألاقي الكتاب، ولقيت الكتاب.. دلوقتي هدفي إني ألاقي رأس
مجهولة..
ثم عاد بظهره إلى مسند المقعد الذي يجلس عليه، وأكمل ساخرا من نفسه في
حزن:
– خايف ألاقي الرأس، يكون علي إني ألاقي حاجة تانية غيرها..
فابتسمت أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
185
– وإن كان .. ستجد كل ما تريد.. أنت القوي.. أنت الذكي.. أنت تختلف عن غيرك يا
خالد.. أنت من وجدت كتابك، وأنت من وجدت حل لغزه.. وأنت من ستخرج
نفسك من هنا..
فابتسم يامن، وظل يترقب خالد وأسيل حتى ساد الصمت داخل العربة..
***
غربت الشمس، وحل الظلام بالسماء.. وعاد يامن بظهره إلى الخلف، وأغمض
عينيه، وكأن النعاس قد غلبه.. أما أسيل فلم تفارق عيناها السماء.. حتى صاحت
بخالد:
– انظر هناك.. ثم أشارت إلى السماء:
– إنه أسيل..
در إلى ذلك النجم اللامع لم
فنظر خالد إلى السماء، ونظر إلى ذلك النجم اللامع ثم نظر إليها:
– أنا بتفاءل به، وبتفاءل بوجهك يا أسيل..
فاحمر وجهها خجلا كعادتها.. وابتسمت، وظلت تنظر إلى النجم بالسماء، وخالد
ينظر إليها، ويبتسم حين يجدها تحرك رأسها وعينها .
العربة.. لا تريد أن يغيب عنها لحظة واحدة.. ثم يضحك حين ينظر إلى يامن فيجده
قد انزلق بجسده بين المقعدين، وقد تعمق في نومه.. حتى نظر عبر النافذة بعيدا
فوجد نيرانا بعيدة، فعلم أنهم قد اقتربوا من تلك المنطقة التي يقصدونها..
ذلك النجم مع مرور
***
( رواية ارض زيكولا )
186
الحاكم.. ا
وصلت العربة إلى أطراف المنطقة الغربية فأيقظ خالد يامن على الفور، ففتح
عينيه في ابتسامة حين وجد نفسه منزلقا داخل العربة.. ثم نهض، وعدل من
جلوسه وملابسه، ثم تحدثت أسيل:
– سنتجه الآن إلى مكان لنبيت به حتى الصباح.. هنا يوجد مكان خاص لطبيبة
أنا.. ولمساعدي.. أنتما..
فابتسم يامن:
– رائع.. خشيت أن أنام على جانبي أحد الشوارع مثلما يفعل صديقنا دائما..
فابتسم خالد، ثم أكملت أسيل:
– سنبدأ عملنا في الصباح، وبعد الظهيرة لن أحتاج مساعدتكما.. فاذهبا لتبحثا
عن مخرج ذلك السرداب..
بعدها توقفت العربة أمام أحد البيوت، ونزل الثلاثة.. تتقدمهم أسيل، ويليها
خالد.. ثم يامن، والذي حمل جميع الحقائب، ومن بينهم أغراض خالد، واتجهوا
إلى داخل ذلك البيت حيث كان أحد الأشخاص في استقبالهم..
( رواية ارض زيكولا )
في صباح اليوم التالي، نهض خالد مسرعا، وأيقظ يامن.. ثم اتجها مع أسيل إلى
عملها.. ومعهم ذلك الرجل الذي استقبلهم الليلة الماضية.. وأخذوا يتنقلون من
بيت إلى بيت، وأسيل تفحص كل المرضى.. وإن احتاج أحدهم لضمادة تترك خالد
اليضمده.. ويامن لا يفعل شيئا سوى أن يحمل الحقائب، ويتباهى بملابسه
الجديدة، وكلما مرت فتاة بجواره يضع الحقائب أرضا ثم ينفض عن أكمامه حتى
تمر فيحمل الحقائب مجددا.. وخالد يراه ويضحك..
أما أسيل فكانت تستشيط غضبا، ولكنها تعود لتضحك حين تجد خالد يضحك
لذلك.. وظلوا يتنقلون بين شوارع تلك المنطقة.. وخالد ينظر إلى بيوتها، والتي بدا
على الكثير منها الثراء.. ولكنها ليست في ثراء قصور المنطقة الوسطى.. يعلم أنها
( رواية ارض زيكولا )
187
بيوت تجار زيكولا، ولا بد أنهم أثرياء.. تتكون أغلها من طابقين، وتمتاز ببراعة
معمارية من الخارج.. وجدران صخرية سميكة، ونقوش مميزة على واجهتها
ونوافذها، وليست عتيقة مثل مباني المنطقة الشرقية.. حتى مرت الساعات،
فأخبرتهما أسيل بأنها ستكمل مداواة النساء، أما هما فعليهما أن ينصرفا ويبحثا
عن هدفهما..
( رواية ارض زيكولا )
انصرف خالد ويامن على الفور، وتخلص يامن من ملابسه الجديدة، وارتدي زيه
القديم الذي أحضره معه.. وسارا معا في شوارع المنطقة الغربية.. يبحثان عن أي
شيء.. يبحثان عن ذلك الرأس الذي لا يعلمون ماهيته.. حتى وصلا إلى منطقة
شاسعة، وبها الكثير من أهل زيكولا.. رجالا ونساء.. فأخبر يامن خالد بأنها سوق
زيكولا الكبير، حتى اقتربا.. فوجد خالد بهذا السوق الكثير من المحاصيل
الزراعية، والفواكه والخضروات التي يعرفها، وبعضها لا يعرفه ولم يره من قبل
ويتزاحم الناس حوله، وتلك المنتجات التي صنعها أهل زيكولا .. ملابس جديدة ،
جلابيب، وقمصان، وفساتين.. متراصة.. رسمت من ألوانها لوحات رائعة..
والبائعون ينادون بأسعارهم من الوحدات، والصخب يعم المكان، وخالد ويامن
يتحركان بصعوبة بين هذا الزحام، حتى سأله خالد، وقد أعلى صوته کی يسمعه:
– كيف يشتري هؤلاء الناس؟! ألا يخافون على ثرواتهم؟

( رواية ارض زيكولا )

فأجابه يامن، وأعلى صوته هو الآخر:
– إن الأسعار هنا ليست باهظة كالمناطق الأخرى، كما أخبرتك.. هنا يشترون تلك
المنتجات، ويأخذونها ليبيعونها في المناطق الأخرى بأسعار أكثر غلاء للأثرياء..
فيحققون المزيد من الثروة.. ثم أكمل:
– وهناك سلع كالسلع الزراعية، لا نستطيع أن نستغني عنها.. وهم يعرفون جيدا
كيف يربحون من تجارتها..

رواية ارض زيكولا
رواية ارض زيكولا


188
ثم واصلا سيرهما بين الزحام، وعين خالد تتنقل هنا وهناك.. تبحث عن ذلك
الرأس.. ويسأل من يقابلهما عن رأس تمثال أو تمثال شہیر بتلك المنطقة.. أو أي
رأس يعرفونه.. ولكن الجميع أنكروا وجود تماثيل أو أي رأس بتلك المنطقة.. حتى
أصابهما التعب، وجلسا بجوار أحد البيوت، وشربا من الماء الذي أحضره يامن
معه.. حتى تحدث يامن محمسا خالد:
– سنجدها.. أشعر أننا سنجدها يا خالد.. حتى قطع حديثه إليه حين صاح بصوته
بعيدا إلى أحد الأشخاص:
– إيااااد..
ثم جرى نحوه، واحتضنه كثيرا ثم تحدث إليه قليلا، وأتي به إلى خالد:
– إنه خالد الذي قابلته معي يوم زيكولا .. هل تتذكره؟!
فابتسم إياد:
– الغريب؟ !! نعم، إنني أتذكره.. هل أصبحتما أصدقاء؟
فضحك يامن: نعم..
فسأله إباد مجددا:
– وماذا جاء بكما إلى هنا ؟ !! هل تريدان أن تشتريا شيئا ما ؟ ثم نظر إلى يامن:
– ولماذا لم تخبرني بمجيئك سابقا.. أخشى دائما مفاجأتك..
فضحك يامن قبل أن يسأله خالد:
– إياد.. تلك المنطقة صخرية؟
فأجابه: نعم.. إنها أكثر المناطق وعورة في زيكولا.. إن الأرض هنا صلبة للغاية.. ولا
تصلح للزراعة..
فقاطعه خالد، وسأله:
( رواية ارض زيكولا )
189
– هل توجد تماثيل في تلك المنطقة.. أبحث عن رأس.. لا أدري أي رأس..
فصمت إياد مفكرا:
. لا.. تلك المنطقة أسكن بها منذ زمن.. ولا توجد بها أي رؤوس.. لا بد أنكما أخطاتما
المكان..
فصمت خالد، وبدا عليه التوتر:
– ولكن الكتاب بيقول أنحت في الصخر.. وإني أكون كالشمس.. وأقرب تفسير للغز
المنطقة الغربية..
بنود الخالد
فنظريامن إلى إياد:
– أرجوك يا إياد.. أعلم أنك ذكي.. فگر معنا.. تذكر أن خالد صديقي، وأريده أن
يصل إلى مراده..
فابتسم إياد، وشرب من ماء يامن، وأكمل إلى خالد:
– أنا أود ذلك.. ولكنني لا أفهم شيئا مما قلته من حديثك عن الكتاب.. صدقني لا
يوجد لديك دليل مما سمعته الآن.. سوى النحت في الصخر.. نعم، تلك المنطقة
أرضها الصخرية شهيرة هنا.. حتى يقال إن طبيعة تلك الأرض الصخرية هي من
تحكمت في بناء سور زيكولا ..
ولم يكد يكمل حديثه، حتى فوجئ الثلاثة بأسيل تأتي إليهم، وتلهث، وكأنها أتت
دوا، ووضعت يدها على صدرها.. تريد أن تلتقط أنفاسها، ونظرت إلى خالد
والعرق على وجهها، وقالت:
– خالد.. لقد وجدت ذلك الرأس الذي تبحث عنه..
***

رواية ارض زيكولا الفصل الخامس عشر

ارض زيكولا
ارض زيكولا


( رواية ارض زيكولا )
190
(15)
دق قلب خالد، وانتفض بقوة، وكل من يامن وإياد هكذا، وسألها خالد على الفور:
– فين؟!
فجذبته من يده:
– ها..
يمر
ثم انطلقت، ويدها تمسك بيده، وتبعهما يامن واياد، وأسرعوا بين الزحام،
واصطدموا بالكثير من الناس.. وكلما سيهم أحد ابتسموا له وأكملوا عدوهم،
وخالد يسأل أسيل عن الرأس ولكنها تبتسم وتطلب منه أن ينتظر قليلا.. ثم
يواصلون تحركهم بين الزحام، وما زالت يداهما متشابكتين.. لا ينفصلان سوی کي
أحد الأشخاص بينهما، وما يلبث أن يمر حتى تتشابك اليدان مرة أخرى..
ويامن واياد يسرعان خلفهما، ويزيحان بأيديهما من يقابلهما.. لا يريدان أن يفقد
بصرهما خالد أو أسيل.. حتى خرجوا من السوق إلى أحد الشوارع الأقل زحاما،
وأسرعوا إلى نهايته.. تقودهم أسيل وما زالت صامته لا تريد أن تتحدث.. وخالد
يتبعها، وقلبه يدق وأنفاسه تتسارع..
حتى وصلوا إلى الطرف الغربي للمنطقة الغربية، ولم تكن هناك سوى بيوت قليلة
أغليها ليست بفخامة مثيلاتها من البيوت الأخرى بتلك المنطقة وقد ظهر سور
زيكولا، وارتفاعه الذي يصل إلى خمسة طوابق فتوقفت أسيل وحاولت أن تلتقط
أنفاسها.. ثم أشارت أمامها، وقالت:
( رواية ارض زيكولا )
191

– انظر هناك..
فنظر خالد أمامه، ونظر معه يامن وإياد.. يبحثون عن رأس بذلك المكان فلم
يجدوا شيئا حتی سالها خالد:
– فين؟!
فابتسمت أسيل، وما زالت أنفاسها سريعة:
– إنه ليس رأس تمثال كما ځل إليك وإلينا.. إنه رأس آخر تماما.. فاندهش ونظر
مجددا، ولكنه لم يفهم ما تقصده حتى نطقت:
. خالد.. انظر إلى سور زيكولا ذاته..
فنظر الثلاثة إلى سور زيكولا الذي كان يبعد عنهم قرابة المائة مترا.. فسألها خالد:
– أتقصدين ما أفكر به؟
فابتسمت:
– نعم.. ثم أكملت:
– انظر إلى سور زيكولا في تلك المنطقة، وانظر إلى مساره، وكيف تم تصميمه.. ثم
تابعت، وخالد ينظر إلى السور يتأله:
– لم أنم بالأمس، وقرأت كتابك، وبدأت أفكر بكل كلمة به، وحاولت أن أستخدم
ذكائي كي أجد هذا الرأس.. ولكنني لم أصل إلى شيء.. حتى شاء القدر أن أداوي
عجوا مريضة بعدما غادرتما اليوم.. وأخبرتني صدفة أن طبيعة تلك المنطقة
الصخرية تحكمت في بناء سور زيكولا، كما أخبرها القدامى.. وهنا بدأت أفكر من
جديد .. فقاطعها إياد:
– نعم.. إنني كنت سأخبرك بأن أرض المنطقة الغربية على هيئة مثلث يحيط بها
سور زيكولا، لولا أن قاطعتنا الطبيبة..
فأكملت أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
192
– نعم يا خالد.. إنها المنطقة الوحيدة في زيكولا التي شيد بها سور زيكولا كضلعي
مثلث .. بينما زاوية منفرجة..
ثم صمتت، وأكملت:
– انظر إلى تلك الزاوية يا خالد بين ضلعي السور الضخمين.. إن كنا نراها نحن
زاوية من الداخل في – في التوقيت ذاته – ا
– الرأس من الخارج.. رأس المثلث.. فصاح
يامن بعد أن تركهم، واقترب من السور الضخم:
– انظروا ..
فاقترب الثلاثة منه فأشار إلى رسمة صغيرة منحوتة بجدار تلك الزاوية، وأكمل:
– توجد رسمة لشخص ما.. ولكني لا أعرف من هو..
فرد خالد في لهفة بعدما تذكر شيئا ما:
– الرسمة.. أنا شفت الرسمة دي مرة قبل كده.. الرسمة دي تشبه رسمة نفس
الرجل الغني اللي كانت في السرداب، وكنت عايز أصورها.. ومن بعدها حصل
انهيار السرداب..
فتحدث بامن مبتسما:
– هذا دليل أن ما قالته أسيل صحيح.. فدق قلب خالد بقوة، وتحدث بصوت
هادي:
– نعم أعتقد أن أسيل على صواب.. وجود تلك الرسمة هنا يؤكد ذلك.. لا بد أن
صاحب الكتاب من نقشها، وأدرك أنه لن يعرفها إلا شخص عبر سرداب فوريك..
شخص سعي بكل ما لديه كي يصل إلى حل لغزه، ويستحق الوصول إليه، ولكني
لم أكن أتخيل أن يكون الرأس رأس مثل ضلعاه سور زيكولا ذاته!!
ثم نظر إلى أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
193
– أنا بشكرك يا أسيل لأنك استخدمتي ذكائك، وقدرتي توصلي لحل لغز كان صعب
إني أحله لوحدي..
فسألته:
.خالد.. لماذا لا أراك سعيدا بإيجادنا الرأس الذي نبحث عنه..
فصمت قليلا ثم أجابها:
– إن اللغز يقول إن الباب أمام الرأس مباشرة…
ثم أكمل:
أن باب السرداب خارج هذا السور..
فصمتوا جميعا كأنهم لم يفكروا في ذلك، وزالت فرحتهم، حتى نطق إياد:
– علينا أن نغادر هذه المنطقة الآن.. إن حراس سور زيكولا لا يحبون أن يتواجد
أحد بالقرب منه.. وهم يمرون بين الحين والآخر..
. هذا يعني
***
ابتعد الأربعة عن سور زيكولا، ووقفوا مجددا على بعد قرابة المائة مترا منه.. وقال
پامن:
– إن كان باب ذلك السرداب خارج سور زيكولا فلماذا ذكر صاحب الكتاب أن من
يريد أن يعود إلى بلده فليمر أولا بزيكولا؟
فردت أسيل:
– حين قرأت الكتاب بالأمس، ذكر صاحبه أن سور زيكولا لم يكن قد اكتمل بناؤه
حتى وقت قريب من كتابته لكتابه.. منذ قرنين.. ثم أشارت إلى سور زيكولا وأكملت:
– ربما كان هذا الجزء هو الجزء الأخير الذي تم بناؤه.. بعدما استغرق الكثير من
الوقت، كما حكت لي العجوز عما تعرفه.. ثم نظرت إلى خالد:
( رواية ارض زيكولا )
194
– هذا
يعني أن صاحب الكتاب حين ذكر أنه عاد إلى وطنك ثم جاء إلى هنا مجددا
قد وصل إلى ذلك المخرج قبل اكتمال بناء السور.. ثم ذكر أنه لم يغادر بعدها..
ربما كان لحبه لزيكولا كما كتب ذلك.. أو لاكتمال بناء السور.. فزاد ذلك من اللغز
تعقيدا، ولكنه ترك تلك الرسمة دليلا قويا لمن يصل إلى هنا..
ثم صمتت فتحدث خالد، وظهر اليأس على وجهه:
– ده معناه إني لازم أنتظر تاني يوم زيكولا.. وأخرج يوم فتح باب زيكولا، وأقدر
أوصل المخرج السرداب من خارج زيكولا ..
فقال إياد:
– هذا مستحيل يا صديق ..
فرد خالد، وتبدل يأسه إلى توتر:
– لماذا؟
فرد إياد:
– إن الأرض ممهدة داخل زيكولا، وهذا نتاج قرون طويلة من عمل أهلها.. ولكن
خارجها، خارج هذا السور.. تختلف الطبيعة عن هنا كثيرا، إن زيكولا هي غرب
عالمنا.. لا توجد بلاد أخرى في هذا الاتجاه الغربي.. أو على جانبها الشمالي أو
الجنوبي.. إن جميع البلدان توجد شرق زيكولا فقط.. لم نسمع يوما عن أحد مر
بجانها على الإطلاق.. ويقولون أن الأرض بجوارها تختلف بين الجبال العالية،
والكثبان الرملية، والرمال المتحركة.. هذا يعني الهلاك لكل من يفكر فيما تفكر
فيه.. لم ولن يمر
ثم جلس بمكانه، وأكمل:
– لهذا لا تخشى زيكولا أي هجوم من البلاد الأخرى سوى من اتجاه الشرق، والذي
يحميه سور زيكولا القوي.. ثم صمت، وتابع:
أحد بجانبها..
( رواية ارض زيكولا )
195
– وجود الرأس خلف هذا السور لا يعني سوى شيء واحد.. أنه قد حكم عليك
بالبقاء هنا طوال حياتك..
فظهر الغضب والحزن على وجه خالد، ونظر إلى أسيل:
– أخبرتك أنني حين أجد الرأس سأبحث عن شيء جديد .. كنت أعلم هذا.. إنها
دائرة أدور بها.. ليس لها نهاية..
ثم جلس، ووضع رأسه بين يديه:
– لا بد من وجود حل.. لا بد.. حتی


ووضع يامن رأسه بين يديه هو الآخر، وحدث نفسه:
– الباب أمام الرأس..
أسيل ظلت تتحرك جيئة وذهابا، وتحدث نفسها
– علي أن تكملي تفكيرك يا أسيل.. معرفتك للرأس ذاتها لم تكف.. إن من أذك
أذكياء زيكولا.. لا بد وأن تجدي حلا..
أما إياد فظل ينظر إلى السور، ويقلب نظره بين أركانه.. حتى نهض خالد، وأشار إلى
السور
– لابد أن أخرج.. لن أمكث هنا وأعلم أن عودتي إلى وطني خلف هذا السور..
ثم نظر إليهم:
– إن الكتاب يقول: انحت في الصخر… هذا
يعني
شيئا واحدا..
فسألته أسيل: ماذا؟
فأجابها: أن أنحت في السور ذاته.. وأعبر إلى السرداب عن طريقه..
فسأله إياد متعجبا مما قاله:
– تنحت في السورذاته؟!! تريد أن تجعل مخرجك من زيكولا سور زيكولا ذاته ؟ !!
( رواية ارض زيكولا )
196
فأجابه خالد في هدوء
– نعم.. هل يوجد حل أخر؟
فأجابه ایاد: إنه ليس بالحل يا صديق.. إن فكرت في ذلك، فلن تنتظر يوم زيكولا
حا.. لأنك ستقتل على الفور.. ألا ترى هؤلاء؟!
ثم أشار إلى مجموعة من الجنود يسيرون في صفين، ويرتدون دروعا، ويحملون
سيوفا بأيديهم:
– إنهم حماة سور زيكولا.. لا يفارقونه.. مهمتهم فقط أن يحموا هذا السور..
ثم أخذ نفسا عميقا، وأخرجه:
-هنا في زيكولا ربما تقتل كي تعيش.. تسرق كي تأكل.. تفعل ما تشاء.. إلا شيئا
واحدا.. فقاطعه يامن:
– أن تخدش سور زيكولا..
ثم أكمل إياد
– ربما نقش صديقك صاحب كتابك تلك الرسمة وقتلوه.. فتحدثت أسيل:
– خالد إن سور زيكولا أهم رمز هنا.. حتى إن تركك الحراس تفعل ذلك.. فلن يتركك
أهالي تلك المنطقة.. إنهم يؤمنون أن سور زيكولا من أسرار قوتها، ولن يسمحوا
الأحد أن يقترب من قوتهم.. ما تفكر به محال یا خالد.. محال.. فصمت خالد ثم
صاح:
– إيه الحل؟ هل ستمنعونني إن فعلت ذلك؟
فصمتوا جميعا.. حتى ابتسمت أسيل وقالت: أنا لن أمنعك يا خالد.. وابتسم
پامن:
– وأنا بالطبع لن أمنعك.. ولكن هؤلاء الحراس قد وضعوا خصيصا لحماية هذا
السور.. ولا تستطيع حتى رشوتهم.. فصمت خالد ثم نظر إلى أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
197
كم ستبقين في تلك المنطقة؟
فأجابته: لدي الكثير من العمل هنا.. ويكفيني أن أعمل هنا.. سأبقى حيثما أشاء..
وأنت؟
فأجابها: أنا لن أعود إلى المنطقة الشرقية مجددا.. سأظل هنا حتى أخرج من
زيكولا.. ثم نظر إلى يامن فابتسم:
– وأنا أستطيع أن أجد عملا هنا.. ويكفيني أن أظل بجوارك، وبجوار صديقي إياد..
حتى تحدثت أسيل:
– يجب أن نعود إلى المسكن الآن حتى لا يرتاب هؤلاء الجنود بنا.. وهناك نستطيع
التفكير بعد أن نتناول طعامنا..
فنطق خالد: حسنا
***
عاد خالد ويامن وأسيل إلى المسكن المخصص لهم، وصاحهم إياد.. ثم تناولوا
طعامهم الذي أعده مضيفهم، حتى انتهوا منه فجلسوا ليفكروا من جديد، ونطق
خالد پائا:
– وصولي للسرداب من خارج زيكولا مستحيل.. ووصولي له عبر سور زيكولا
مستحيل.. ثم زفر زفرة قوية وصمت.. فابتسمت أسيل وقالت:
– ستجد الحل يا خالد.. لن يضيع تعبك هباء..
وابتسم يامن:
– نعم يا خالد.. ستجده.. لقد قطعت شوطا كبيرا.. لا بد وأن هناك ح.. ثم نظر
إلى إياد:
– يا صديقي.. إنني أعلم منذ صغرنا كم أنت بارع في إيجاد الحلول.. فگر معنا..
فأكمل خالد إليه:
( رواية ارض زيكولا )
198
. فكر معنا يا إياد.. إن وجدت الحل سأعطيك من ذكائي ما استنفدته في تفكيرك..
فابتسم إياد: حسنا سأفكر.. ولن اتركك حتى أجد لك حلا..
ثم صمتوا مجددا، وكل واحد ينظر إلى الآخر.. لا يجد ما يقوله، وأسيل تنظر إلى
خالد.. تخشى أن تقول أنها لا تجد حلا فيزداد اليأس بقلبه، ويامن يضرب برأسه،
ويحدثها:
( رواية ارض زيكولا )

. فكري..
حتى نهض إياد:
– علي أن أغادر الآن..
فسأله يامن مندهشا:

– أين تذهب؟!
فأجابه: إن الشمس قاربت على الغروب.. سأترككم، وسأعود إليكم لاحقا.. ثم
نظر إلى خالد:
. أتمنى أن أعود فأجدك قد وصلت إلى بابك..
ثم غادر، وظل الثلاثة كما هم.. يفكرون، والوقت يمر.. وخالد يقلب في كتابه.. يود
أن يجد شيئا يصل به إلى سردابه، ولكن دون جدوى.. حتى حل الظلام، و
المنطقة الغربية وبيوتها بالنيران.. فنظر خالد إلى أسيل:
– علي أن تذهبي إلى حجرتك الأن.. لا بد أن تنالي قسطا من الراحة.. ثم نظر إلى
يامن:
– وأنت أيضا يا يامن، خذ قسطا من الراحة.. لن يفيدنا إجهادنا اليوم.. لقد تعبنا
بما يكفي.. سنستريح الآن، ونكمل تفكيرنا غدا..
فسألته أسيل:
– وأنت ستنال راحة؟
( رواية ارض زيكولا )
199
فابتسم خالد:
– لا .. سأظل أفكر.. لن يغمض لي جفن ورأسي تفكر بذلك المخرج.. إنه مصيري يا
أسيل..
فابتسمت: حسنا.. وأنا سأظل أفكر معك..
فنظر إليها: أنا لا أريد أن أزيد من تعبك اليوم.. أعلم أنك تريدين مساعدتي، ولكن
لدي عمل غدا، لا يجب أن تغفليه.. يجب أن تظلي طبيبة زيكولا الأولى..
فابتسمت أسيل، وكادت تتجه إلى حجرتها.. حتى دخل إياد فسأله يامن على الفور
– هل وجدت الحل؟
فسألهم أن يجلسوا.. ثم نظر إلى خالد:
– حين خرجت من هنا، اتجهت إلى حيث كنا.. بالقرب من سور زيكولا .. ثم صمت،
وأكمل:
– لم أجد لك إلا ثلاثة حلول..
فنظروا إليه متلهفين.. فأكمل:
– الحل الأول.. أن تظل في زيكولا طوال حياتك.. والحل الثاني .. أن تنتظر حتى يوم
زيكولا، وتخرج إلى مصيرك، وتحاول أن تصل إلى باب سردابك، وهذا يعني هلاكك
أيضا..
مادر
فصاح به يامن غاضبا:
– هل جئت لتهزأ بنا.. نحن نعرف ذلك..
فابتسم إياد:
– انتظر.. هناك حل آخر..
فسأله خالد متلهفا :
– إيه هو؟!
( رواية ارض زيكولا )
200
فتحرك إياد، وجلس بجواره، وتحدث بصوت هادئ:
– أن تعود إلى بلدك قريبا.. ثم أكمل بعدما صمت برهة:
– ولكن بعد أن تفقد الكثير من ذكائك..
فسأله خالد:
– ماذا تعني ؟!
فقال إياد:
. تعالوا معي..
***
بعدها خرج الأربعة من دار ضيافة الطبيبة ومساعديها.. يقودهم إياد.. حتى وصلوا
إلى حيث وقفوا منذ ساعات قليلة أمام سور زيكولا، والذي قد لمع مع انعكاسات
إضاءة النيران القريبة منه، وجعلت من ضلعيه وزاويته منظرا بديعا.. كان لينال
إعجاب خالد لولا انشغاله بمصير خروجه.. ثم نظر يامن إلى إياد، وسأله:
– كيف يخرج خالد من زيكولا؟!
فأجابه :
– انظروا هناك..
وأشار إلى بيت من طابقين يبتعد قليلا عن بيوت المنطقة الغربية، ويقترب من سور
زيكولا .. لا يفصله عنه سوى مائة من الأمتار ثم أشار إلى الجنود المتواجدين أمام
السور، وسألهم أن ينظروا إليهم أيضا.. فاندهشت أسيل:
. أنا لا أفهم شيئا..
وتبعها يامن:
– وأنا أيضا..
وخالد مازال صامتا حتى أكمل إياد:
( رواية ارض زيكولا )
201
– حين تركتكم جئت إلى هنا.. ووقفت كما نحن واقفون الآن.. ولم أضع أمامي سوى
أن يخرج خالد إلى باب سردابه.. خارج هذا السور.. مهما كانت التحديات.. حتى
أصابني العطش فذهبت إلى ذلك البيت. وأشار إلى البيت مجددا، وأكمل: كي
أشترى منه كوبا من الماء.. وهناك فوجئت بأن ذلك البيت لا يسكن به أصحابه
الأن.. يعيش به خادمه بمفرده.. أما أصحابه فهم من التجار الذين يبيعون
بضائعهم إلى المدن الأخرى غير زيكولا ، وخرجوا يوم زيكولا السابق ، ولن يعودوا إلا
يوم فتح باب زيكولا مع يوم زيكولا ..
فقاطعه خالد:
– أنا لا أفهم شيئا.. ماذا يعنينا كل هذ؟!
فأجابه: انتظر.. أنا أعمل في تلك المنطقة منذ سنوات عديدة، وأعلم جيدا خفايا
تلك المنطقة وأرضها.. سأخبركم سرا نعلمه نحن من نعمل بتكسير الصخور هنا:
– إن العمل هنا في تكسير الصخور ليس بصعوبة العمل في المنطقة الشرقية.. إن
الصعوبة هنا تكمن في الطبقة الخارجية من الأرض فقط.. أما إن تجاوزت تلك
الطبقة يكون الحفر بها وتكسير صخورها ليس صعبا على الإطلاق..
فلمعت عينا خالد:
– تقصد؟!
فأكمل إياد:
– نعم يا صديق.. إن هذا البيت أقرب مكان إلى زاوية سور زيكولا.. وإن كانت زاوية
أو رأسها كما تحب أن تسميها.. هي التقاء ضلعي سور زيكولا .. بالطبع
ستكون أضعف نقاط الجزء العميق منه..
هذا السور،
ثم ابتسم، وأكمل:
( رواية ارض زيكولا )
202
– وإن كان سيمنعك حماته من الاقتراب منه.. فأنا أعرف من يستطيعون أن
يحفروا لك نفقا ببراعة.. من ذلك البيت إلى أسفل ذلك السور.. حتى تخرج إلى
سردابك دون أن يشعر حماته أو أهل منطقتنا بشيء..
ثم قال: أعلم أنني هكذا خائن لزيكولا .. ولكنك صديق صديقي الحميم..
فصاحت أسيل:
– إن هذا جنون..
وصاح يامن:
– نعم.. إنك مجنون يا إياد..
فأشار إليهما، ورفع كتفيه:
– هل هناك من حل آخر؟! ثم نظر إلى خالد:
– لن تأتيك تلك الفرصة مجددا.. إن عاد أصحاب هذا البيت فلن تستطيع دخوله
على الإطلاق.. أما ذلك الخادم حين استدرجته في الحديث أخبرني بأنه قد يعطي
البيت لمن يعطيه مائتي وحدة حتى يوم زيكولا حين يعود سيده ومن معه..
فصاح يامن:
– مائتي وحدة؟!
ثم سأله خالد، وقد تجاهل صيحة يامن:
: ومن يحفرون النفق؟
فأجابه إياد: أعلم ثلاثة من العمال الماهرين.. قابلتهم من قبل ، إنهم بارعون في تلك
الأعمال.. إنه عمل يحتاج إلى براعة، وقد يتجاوز معهم حفرهذا السرداب عشرين
يوما.. هذا لأنهم سيعملون نهارا فقط حتى لا
يسمع ضجيجهم
ضجيج
السوق.. ولكن عليك ألا تنسى أنهم سيأخذون أجرا إضافيا مقابل صمتهم.. ثم
صمت، وأكمل:
– قد يأخذون ثلاثمائة وحدة.
أحد
( رواية ارض زيكولا )
203
فقاطعه خالد:
– أنا ممكن أحفر معهم، وأوفر أجر عامل، وكذلك يامن:
فابتسم: كما أخبرتك.. إن حفر النفق يحتاج إلى براعة نفتقدها.. وأعتقد أنهم لن
يريدوا مساعدتك لهم.. لن يؤدوا أن يشاركهم أحد أجرهم.. إنهم سيأخذون
الثلاثمائة وحدة.. سواء عملت معهم
أولا.
حتى تحدثت أسيل، ونظرت إلى خالد:
– خالد هل جننت ؟ !!.. مائتى وحدة، وثلاثمائة وحدة؟!.. تفقد خمسمائة وحدة من
ذكائك ؟!
فصمت خالد، ولم يجبها.. حتى نطق إياد:
– لم أجد إلا هذا الحل أيتها الطبيبة.. ثم ابتسم:
يمكنك الآن أن تعرفي كم استنزفت من ذكائي اليوم.. عليك أن تخبري به صديقك
كي يعوضه لي..
فحدثه خالد مبتسما:
– حسنايا إياد.. سأعطيك ما تريد كما وعدتك.. ثم نظر إلى أسيل مجددا، وقال في
( رواية ارض زيكولا )
هدوء:
– أسيل.. أريدك أن تخبريني، كم أمتلك من وحدات الذكاء الآن..
***

رواية ارض زيكولا الفصل السادس عشر

ارض زيكولا
ارض زيكولا


( رواية ارض زيكولا )
204
(16)
صمتت أسيل قليلا بعدما طلب خالد منها أن تحدد له نسبة مخزونه من الذكاء ثم
نظرت إليه، وتأملته كثيرا، ثم أمسكت برأسه، وأمسكت ثنية من جلده بين
أصبعيها:
– خالد.. إن مخزونك الآن لا يتعدى ستمائة وخمسين وحدة.. وقد يكون ستمائة
فقط بعد استنزافك الكثير من الوحدات في تفكيرك..
فصمت ثم سألها:
– وكم يتبق لامرأة الحاكم حتى تضع مولودها؟
فأجابته :
. أعتقد أنه يتبقى شهران وعشرون يوما أكثر أو أقل بأيام..
بعدها نظر إلى إياد:
– هل سيستغرق حفره عشرين يوما فقط؟
فابتسم إياد: أعتقد ذلك.. وإن شئت أحضرت هؤلاء العمال من الغد..
فصمت خالد، وطال صمته تلك المرة ثم نظر إليهم:
– أريدكم أن تتركوني وحدي
الأن..
فابتسمت أسيل:
205
– خالد.. أريد أن أبقى معك..
فوضع وجهها بين كفيه برقة:
– أريد أن أكون وحدي يا أسيل.. علي أن تعودي إلى المسكن مع يامن الآن.. أريد
أن أتخذ قراري بمفردي .. ثم نظر إلى يامن:
– اصطحب أسيل إلى المسكن.. وأنا سأتبعكما لاحقا..
ثم نظر إلى إياد، وشكره على تفكيره في إيجاد الحل له.. ثم غادروا جميعا..
***
غادر إياد ومعه يامن وأسيل، والتي ظلت تتلفت وهي تسير مبتعدة عن خالد،
وتنظر إليه حيث يجلس، وكأنها لم ترد أن تفارقه حتى اختفى عن نظرها.. بينما
جلس هو على صخرة عريضة أمام السور.. ينظر إليه ويفكر فيما أخبره به إياد،
ويتحدث إلى نفسه.. إما البقاء في زيكولا أو العودة إلى بلده.. وهو غبي.. ويسأل
نفسه: هل يجد ذلك السرداب حقا إن عبر هذا السور أم أنه سراب سيظل
يطارده.. ثم يبتسم، ويتحدث إلى نفسه، وكأنها شخص أمامه يحدثه ويقنعه:
– انت شايف إن فيه حل تاني؟ .. زي ما قلت قبل كده مبقاش فاضل غير المجازفة..
ثم ضحك وأكمل مناقشته لذاته:
– قررت إيه يا خالد؟.. ترجع بلدك ومعاك مية وحدة ذكاء بس.. ولا تبقى هنا طول
حياتك؟
– لو وافقت على اللي قاله إياد لازم تحس بلذة اللحظات دي.. لأنها ممكن تكون
آخر لحظات ذكاء تعيشها..
ثم عاد بجسده للخلف.. وأسند ذراعيه خلفه، وتذگر جده حين كان يبتسم،
ويداعبه صغيرا .. ويخبره بأنه ذكي.. حتى كبر، وعاد إليه يوما بعدما لم يجد وظيفة
( رواية ارض زيكولا )
206

بشهادته.. وأخبره أنه لا فائدة لذكائه في بلده.. ماذا يفعل به، لا شيء.. يبتسم،
ويتحدث إلى نفسه بصوت مسموع:
– مش هتفرق كتير لما أرجع لبلدي.. الذي مبيختلفش عن الغبي كتير..
يشعر كم اشتاق إلى جده، وإلى رؤيته، ويعلم أنه لم يشغله عن التفكير به سوی
سعيه للعودة إليه من جديد .. وينظر إلى السور، ويحدثه بصوت هامس:
– أنت الحاجز الوحيد بيني وبين اللي بحبهم..
ثم نظر إلى البيت الذي يسكنه الخادم:
– وانت الحل الوحيد اللي هيخليني أشوف اللي بحهم. ثم أمسك برأسه ومرر
شعره بين أصابعه، وتحدث:
– أصعب قرار بحياتي.. أصعب قرار.. هتقرر إيه يا خالد؟. هتقرر إيه؟
وظل هكذا لا يتوقف عقله عن التفكير.. حتى اقترب الليل من الزوال، وبدأ خيط
النهار يظهر.. فنهض واتجه إلى المسكن الذي يسكن به یامن وأسيل.. وما إن وصله
حتي دلف إلى غرفة يامن فوجده نائما، فمس إليه:
( رواية ارض زيكولا )
– يامن.. يامن..
فلم يستيقظ فنکزه بيده حتى فتح عينيه.. وكاد يتحدث فأشار إليه خالد أن
يصمت، وتحدث بصوت منخفض:
– أسيل في الغرفة المجاورة.. ولا أريدها أن تصحو.. إن كانت نامت .
فنهض يامن، وجلس على سريره فاتحا عينيه بصعوبة.. حتى أكمل خالد بصوته
المنخفض
– أريد أن أتحدث إليك..
الأساس..
يامن : حسنا..
فأكمل خالد: لقد اتخذت قراري..
( رواية ارض زيكولا )
207
فنظر إليه يامن.. ينتظره أن يكمل حديثه سريعا.. حتى أكمل:
– أرى أن إيادا على حق.. سأعبر سور زيكولا من خلال النفق..
فقاطعه يامن:
– خالد.. وذكاؤك؟!
فأجابه: لقد فكرت كثيرا في ذلك.. لقد أخبرنا إياد أن حفر ذلك النفق سيستغرق
عشرين يوما.. وسيعطينا ذلك الخادم البيت حتى يوم زيكولا ، حتى يعود ا
أصحابه
إن عادوا ..
فقاطعه يامن: نعم سيعودون.. هكذا تجار زيكولا، سيطير خبر يوم زيكولا قبله
بأيام.. فيستعد كل من يريد العودة، حتى يفتح باب زيكولا فيدخلونها..
فواصل خالد حديثه: هذا ما أقصده.. يتبقى على يوم زيكولا شهران وعشرون
يوما.. سيحفر ذلك النفق، ولكنني لن أغادره حتى يوم زيكولا.. إنهم ثمانون يوما..
إن عملت هنا مقابل ست وحدات باليوم، سأوفر حتى يوم زيكولا ربما ربعمائة
وثمانين وحدة.. مع ما تبقى لدي من المائة وحدة.. سيكون لدي ما يقرب من
ستمائة وحدة.. أي أنني لن أختلف كثيرا حين أخرج من النفق.. وستنفعني كثيرا
تلك الوحدات حين أصل إلي سرداب فوريك..
فابتسم يامن:
– إنه قرار حياتك يا صديقي.. ولا دخل لي به..
ثم أكمل: إنك ذكي حقا يا خالد، وكم أنا مسرور لذلك.. فإنك ستبقى معنا شهرين
أخريين.. خشيت أن ترحل بعد عشرين يوما فقط..
فابتسم خالد:
– هذا إن وضعت زوجة الحاكم ذكرا.. ربما تطول المدة إن وضعت أنثى.. وانتظرنا
يوم زيكولا في موعده الأساسي بعد خمسة شهور..
( رواية ارض زيكولا )
208
فابتسم يامن:
– الأن أتمنى أن تضع أنثى..
فابتسم خالد ثم زالت ابتسامته:
– أردت أن أحدثك بعيدا عن أسيل لأنني لا أريد أن أسبب لها الكثير من التعب..
وأخشى أن يؤثر ذلك على عملها كطبيبة زيكولا الأولى.. اليوم سأفقد ذكائي..
سأصبح في عداد أغبياء زيكولا وفقرائهم.. لن أستطيع التفكير.. وإن فكرت ربما
ستكون قراراتي غبية..
ثم نظر إليه، وأمسك بذراعيه:
– يامن.. من اليوم أنت من ستتخذ أي قرار يخصني..
فسأله يامن مندهشا:
. أنا؟ !!
فأجابه خالد:
– نعم.. أخشى أن يكون تفكيري بغباء سيسبب الكثير من المتاعب.. ولهذا
سأحملك مسئوليتي بعد اليوم.. سأطيعك مهما كان قرارك.. بالطبع ستكون أذكى
مني..
فصمت يامن، وفرك شعره:
. إنها حقا مسئولية كبرى..
فأكمل خالد:
– ما عليك سوى أن تجعلني أعمل.. حتى أسترجع ذكائي.. فإن فعلت ذلك فلن
أنساه طوال عمري .. ثم هدأ صوته، واقترب منه:
– أريد أن أخبرك بشيء آخر..
( رواية ارض زيكولا )
209
– يامن.. إنني أحب أسيلا.. وأخشى أن أكون غبيا فتبتعد عني… سأطيعك فيما تراه
أن أفعله تجاهها أيضا فرد يامن:
– أرى أنها تحبك أيضا، وتحبك كثيرا..
فابتسم خالد: أعلم ذلك.. ولهذا فكرت أن أخذها معي إلى أرضي.. لقد فكرت كثيرا
في ذلك.. ولكنني ترددت أن أخبرها بحبي لها.. وقررت أن أخبرها بذلك حين أ
الطريق ممهدا لعودتي إلى بلدي.. سأتركك وقتها تخبرني ماذا أفعل..
فابتسم يامن:
أجد
. أتمنى لكما السعادة يا صديقي..
فابتسم خالد:
. حسنا لننهض.. علينا أن نذهب إلى إياد.. وأعتقد أن أسيلا قد استيقظت.. لا
تخبرها بشيء مما قلناه..
فابتسم يامن، وقد نهض: حسنا..
( رواية ارض زيكولا )
***
استيقظت أسيل فوجدت خالدا ويامنا في انتظارها، فسألت خالدا على الفور:
– هل اتخذت قرارك؟
فابتسم خالد:
– نعم.. لقد قررت أن أجازف، وأفعل ما أخبرنا به إياد.
فصمتت أسيل .
– وسأنتظر حتى يوم زيكولا حيثما كان.. بعد ثمانين يوما أو بعد خمسة أشهر..
وسأعمل كي أسترجع جزءا كبيرا من ذكائي حتى عودتي..
فسألته، وبدا الحزن على وجهها:
حتی
أكمل:
( رواية ارض زيكولا )
210
– ألم تجد حلا آخر؟ .. فهر خالد رأسه نافيا، فسألته مجددا:
– ولماذا لا تنتظر حتى تعمل أولا فيزيد مخزونك.. ثم تحفر نفقك قبلها بأيام،
وتحافظ على ذكائك.. كما فعلت حين اشتريت كتابك؟
فأجابها:
– فكرت في ذلك.. ولكنني أصبحت أعلم جيدا طبيعة أهل زيكولا، ومدى انتهازهم..
كلما اقتربنا من ذلك اليوم.. سيطلب من يحفرون النفق الكثير من الأجر.. ربما
يطلبون ضعف الثلاثمائة وحدة أو ضعفين.. ثم نظر إليها، وابتسم:
– سأكون بخير يا أسيل.. سأكون بخير.. أريدك فقط أن تكوني معي ..
فابتسمت أسيل حتى تحدث يامن:
( رواية ارض زيكولا )
– هيا.. علينا أن نجد إيادا..
ولم يكد يكمل جملته حتى وجدوا إياد يدخل إليهم فابتسم يامن:
– كنا في طريقنا إليك..
فضحك إياد:
. أعلم ذلك.. ولذا أردت أن أوفر القليل من الوقت.. ثم نظر إلى خالد:
– هل اتخذت قرارك؟
فرد خالد:
– نعم.. وسأترك لك المسئولية لمتابعة ذلك النفق، وسأعطيك مقابلا.. ولكنه ليس
كبيرا، وليس الأن..
فابتسم إياد:
– لا بأس.. ثم أكمل:
( رواية ارض زيكولا )
211
– كنت أعلم أنك ستقرر ذلك.. ثم تحرك خطوات إلى الخارج، وعاد ومعه فتی
ملابسه بالية ثم أشار إلى خالد، وحدث الفتي:
– إنه من يريد أن يستأجر بيت سيدك..
فتحدث الفتي:
– حسنا، ولكن سأكررها.. إلى يوم زيكولا فقط.. بل اليوم السابق له حتى.. يوم
يفتح باب زيكولا .. إن عاد سيدي فلن يترككم لحظة واحدة ببيته.. . وربما يقتلني إن
علم أنني من أدخلتكم بيته..
فأومأ خالد إليه برأسه موافقا دون أن يتحدث ثم نظر إلى إياد:
– ومن يأتي عمالك؟
فهم إليه إياد:
( رواية ارض زيكولا )
– سيأتون بعد قليل.. لا تخبر الفتى بما سنفعله أسفل بيت سيده.. ربما يضيع كل
شيء إن علم بذلك.. سيأتون بعد أن يرحل.. بعدها نظر خالد إلى الفتي:
. حسنا.. أستأجر منك البيت حتى يوم فتح باب زيكولا مقابل مائتي وحدة..
فابتسم الفتى، وأخرج مفتاا حديديا كبيرا:
. وهذا مفتاح بيت سيدي..
وما إن أخذه خالد حتى شعر بألم شدي برأسه.. فنظرت إليه أسيل في لهفة،
واقتربت منه، بعدما أمسك برأسه:
– خالد، تماسك.. أرجوك تماسك.. أعلم أن اليوم شاق عليك..
فلم يرد، وظل ممسگا برأسه، وبدأ شحوب جلده يزداد.. حتى سألته:
. خالد.. هل أنت بخير؟
فأجابها بصوت منخفض:
( رواية ارض زيكولا )
212
– نعم..
ولم يترك رأسه حتى مر قليل من الوقت.. وخرج إياد وعاد مجددا، وتحدث إليه:
– لقد أتى زعيم العمال الذين سيحفرون النفق.. ولكنه يريد أن يأخذ الثلاثمائة
وحدة دفعة واحدة.. هل ستعطيهم أجرهم دفعة واحدة كما طلبوا؟
فنطقت أسيل على الفور
– لا..
.. لن يدفع لهم ثلاثمائة وحدة الأن..
فأمسك خالد بيدها.. ثم تحدث إلى إياد:
– هل يأخذون أجرهم دائما هكذا؟
مون أمر ذلك النفق.. الذي قد يودي بحياتنا
فرد إياد: نعم.. وهذا ما سيجعلهم يا
جميعا..
( رواية ارض زيكولا )
فنطق خالد في صوت هادئ
. حسنا.. سأعطيهم ما يريدون..
فصرخت إليه أسيل:
– خالد.. إن هذا قد يودي بحياتك..
فابتسم إليها خالد: إنني قوي.. سأدفع لهم مايريدون، سواء الآن أو بعد ذلك.. ولا
أريد أن يخبروا أحدا.. فتحدث إياد
. حسنا.. سأدخله إليك الآن ثم أذهب معهم إلى ذلك البيت لأنهم سيبدأون عملهم
من اليوم.. وأنت ستواصل عملك.. وستجد نفقك كاملا بعد عشرين يوما.. وقد
أكدوا لي ذلك.. وبعد أن تغادره – متى تشاء- سأجعلهم يملأون جزءه القريب من
البيت بالصخور مجددا ثم يعيدون أرضية البيت كما كانت.. وأتمنى ألا يثير ريبة
صاحبه حين يعود إليه .. فحدثه خالد :
. حسنا.. أدخله..
( رواية ارض زيكولا )
213
غليظتان، وبيده
فخرج إياد.. وعاد ومعه رجل ضخم شعره مجعد، وشاربه كثيف، وشفتاه
آلة حفر يدوية سها حديدي مدبب، وتخرج منه عصا خشبية
سميكة.. ثم نطق بصوته الغليظ:
– إننا نريد ثلاثمائة وحدة الآن..
فتحدث إليه خالد:
– لا أريد أن يعلم أحد بذلك أبدا..
فرد الرجل:
. حسنا، كما تريد.. إننا نعلم كيف نصون السر جيدا…
فابتسم خالد: حسنا، لك ما تريد..
فابتسم الرجل، وهم ليغادر قائلا:
– سنبدأ العمل اليوم.. وسترى كم نحن بارعون..
ثم غادر، ومعه إياد الذي أخذ المفتاح الحديدي معه.. أما خالد فأمسك رأسه من
جديد، وتزايدت ضربات قلبه، وتسارعت أنفاسه، وزاد شحوبه للغاية، وشحبت
شفتاه ، واحمرت عيناه، ونهض من مكانه، وسار مترا بين أرجاء المكان، ونظر إلى
يامن وأسيل في ذهول، وترنح مجددا، وبرزت عيناه وأمسك .
وأسيل تناديه وقد تساقطت دموعها:
– خالد .. عليك أن تصمد.. لم يفعل أحد من قبل مثلما فعلت..
خالد.. ستصمد .. إنك قوي.. أعلم أنك ستصمد .. ستصمد..
ثم أمسكه يامن: خالد.. ستعود إلى بلدك.. ستعود قوا كما كنت.. ستسترجع
ثروتك..
وخالد ما زال يتحرك، ويهذي، ولا يدري بشيء من حوله، وينظر إلى ذراعه التي
أصبحت صفراء شاحبة، وإلى كفيه اللتين ارتعشتا قليلا.. حتى أراد أن يتجه نحو
برقبته
كأنه يختنق
( رواية ارض زيكولا )
214
الباب، وما إن تحرك خطوات نحوه حتى سقط على الأرض، وظل جسده ينتفض،
وضمت أسيل رأسه إلى صدرها، ورجلاه تنتفضان بقوة، حتى هدأتا رويدا رويدا،
وأغمض عينيه.. فنظرت أسيل باكية إلى يامن:
كنت أعلم أن ذلك سيصيبه.. ولكنني لم أعلم أنني لن أستطيع أن أراه هكذا..
وزادت دموعها، ومررت يدها فوق شعره، وأكملت:
– إن اليوم سيكون أصعب أيامه في زيكولا.. إن مخزونه الآن لا يزيد عن مائة
وحدة.. عليه أن يأخذ قسطا كبيرا من الراحة اليوم..
فرد بامن:
– حسنا.. سأتركه ينام حتى الغد، وأنا سأذهب كي أرى عملنا الجديد.. لابد وأن
نعمل من الغد.. لقد أصبح هدفي الآن أن يستعيد خالد ذکاءه قبل أن يغادر
زيكولا .. وسأتابع مع إياد أيضا حفر ذلك النفق..
فقالت أسيل، ومازالت دموعها على خديها:
. حسنا.. عليك أن تحمله إلى سريره الأن.. وأنا سأظل بجواره حتى تعود..
***
غادر يامن بيت ضيافة الطبيبة بعدما حمل خالد إلى سريره.. وترك بجواره أسيلا
التي ظلت تنظر إليه، وتحاول أن تتمالك نفسها من البكاء مجددا، وتسكب القليل
من الماء البارد على يدها ثم تمررها على وجهه وعلى لحيته الناعمة ثم على شعره
الناعم.. وخالد مغلقة عيناه، وهذي بكلمات غير مفهومة، وأسيل تنظر إليه،
وتتذكر حين اصطدم حصان عربتها به ورأته لأول مرة.. ثم تتذكر حين قرأت كلماته
التي كتها عنها، وأنها حورية زيكولا ، وتمسح مجددا وجهه بالماء، وابتسمت حين
تذكرت حديثه إليها حين رأى نجما لامعا فريدا، وأخبرها بأنه قد سماه أسيلا..
تشعر بأنها تراه أمامها كما رأته حين وقف أمام عمال المنطقة الشرقية كقائدهم،
( رواية ارض زيكولا )
215
وجعلهم -بكلمات منه. يتخلون عن خوفهم، ويتحدون ضد أخذي وحدات
الحماية.. وبدأت تتحدث إليه بصوت هادئ:
– ستكون على مايرام يا خالد.. ستكون بخير .
ثم نهضت لتحضر المزيد من الماء فوجدته يهذي، ويعلو صوته:
جدي.. منی.. منی.. جدي..
فتوقفت قدماها حين سمعته.. ثم أكملت طريقها لتحضر الماء.. حتى عاد يامن،
وظلا بجواره ساعات طويلة دون أن يغفر لهما جفن.. حتى مر ذلك اليوم…
في صباح اليوم التالي، فتح خالد عينيه فوجد أسيلا ويامنا بجواره فضحك،
فسألهما:
( رواية ارض زيكولا )
– لماذا تجلسان هكذا؟!
فابستم يامن، وابتسمت أسيل، وردت:
عدم نشر او درامه
. لقد أصابنا القلق فحسب..
فصمت خالد، ولم يتحدث بعدما نظر إلى ذراعه ثم نظر إلى يامن ، وحدثه بصوت
هادي:
– هل بدأوا العمل؟
فأجابه: نعم.. لقد بدأوا بالأمس..
فسأله مجددا:
– ونحن لماذا لا نعمل معهم؟ !
فابتسم يامن:
– لدينا عملنا..
فصاح به في غضب:
( رواية ارض زيكولا )
216
. ولماذا نجلس هنا؟!
فابتسمت أسيل، ونظرت إلى يامن:
– نعم.. لماذا تجلسان؟ .. هيا انهضا إلى عملكما؟
فنظر خالد إلى أسيل مندهشان
– ألن نساعدك؟
فابتسمت:
– كنت أتمنى ذلك.. ولكن مرضى تلك المنطقة أغلبهم من النساء.. لقد وجد يامن
لك عملا ستوفر منه ست وحدات باليوم..
فركل يامن بقدمه:
. حسنا.. هيا بنا إلى العمل..
فضحك يامن:
– حسنا يا صديقي .. انتظر حتى أغسل وجهي بالماء.. أراك أصبحت متسرعا قليلا..
***
اتجه خالد .
مع و يامن إلى عملهما الجديد في المنطقة الغربية.. وخالد يسير واجمان
وقد بطأت حركته، وكلما سار بمكان ما، تلفت حوله كثيرا، وظل يسأل يامنا الكثير
من الأسئلة والي أجابها له يامن من قبل، ويامن يبتسم ويجيبه مجددا.. حتى
وصلا إلى عملهما الجديد .. فتحدث إليه يامن:
– هنا سنكسر الصخور مثلما كنا نكسرها في المنطقة الشرقية.. أتتذكر؟
فرد خالد
– نعم.. أتذكر..
فأكمل يامن
( رواية ارض زيكولا )
217
. أعلم أن كفاءتك ستكون أقل.. ولكن ما عليك سوى أن تقلدني في عملي.. إنه
عمل لا يحتاج إلى ذكاء.. وحين ننتهي من عملنا سننال أجرنا.. ثم نذهب إلى إياد
لنرى نفقك يا صديقي..
بدأ خالد يعمل مع يامن.. وكانت كفاءته أقل كما أخبره.. وكلما اشتد بعمله زاد
تعبه وإنهاکه وأراد أن يستريح.. فيحدثه يامن بأن يعمل، ويحمسه:
– ها يا خالد.. ها .. إنك بحاجة إلى كل وحدة..
فيعمل مجددا، ويحاول أن ينافس ياما، ولكنه لا يستطيع.. فهدئ يامن من
عمله، ويكسر مثله ببطء.. ثم يوحي إليه بأنه من تفوق في تلك المنافسة.. حتى انتهيا
من عملهما، وأخذا أجرهما، واتجها إلى ذلك البيت الذي استأجره.. فوجدا إيادا
هناك بمفرده، وعمال الحفر قد انصرفوا، فسأله خالد في غضب:
– أين العمال؟
فأجابه إياد: إنهم قد انصرفوا.. لن يستطيعوا أن يعملوا مع هدوء الليل .. إن
ضجيج النهار يستر خلفه ضجيج الحفر..
فصاح به خالد:
– إننا نريد أن نسرع..
فأشار يامن إلى إياد بأن يهدئ من حديثه.. وأن خالدا ليس كطبيعته، ثم أمسك
بيده، وتحرك بهما إلى إحدى غرف الطابق السفلي بالبيت:
( رواية ارض زيكولا )
– انظرا.. لقد تخلصوا اليوم من أرضية تلك الغرفة، ومعها الطبقة الصخرية
الصلبة. إنها أصعب ما في الأمر.. بعد ذلك أعتقد أن الحفر سيكون سهلا..
وسينتهي في موعده بعد عشرين يوما.. ثم نظر إلى خالد:
– اطمئن.. سأجعلهم يعملون ليلا أيضا، ولكن مع اقترابهم من نهاية النفق.. ثم
ضحك:
– من سيزيل تلك الصخور والرمال التي سيخرجونها من النفق، غيرهم؟ …
( رواية ارض زيكولا )
218
فہدأ خالد، وهم للمغادرة:
– افعلوا ما تشاءون.. ثم نظر إلى يامن:
– يامن.. أريد أن أعود إلى المسكن..
فابتسم إليه يامن في هدوء:
. حسنا يا خالد.. سنعود.. ثم نظر إلى إياد:
– إياد.. إن مصير خالد مصيري.. لن أوصيك..
فضحك إياد :- لا أنسى أنني سأنال أجرا لمتابعة هؤلاء العمال..
***
يام يوما تلو الآخر، وخالد مل مع يامن ، ويترك كل ما يريد أن يأخذ قرارا
بشأنه إليه، ولا يناقشه بشئ.. ما يريده فقط أن يعمل، وينال أجره.. ثم يتجها إلى
إياد ومن معه من غمال ، وتأتي إليهم أسيل حين تنتهي من عملها، وخالد ينظر إلى
ما يفعلونه من بعيد.. ولا يتدخل بعملهم مطلقا.. وقد تعمقوا بالأرض مسافة
عمودية، قد تصل إلى مترين، ووضعوا بها لما خشبيا صغيرا .. ومنها بدأوا
يحفرون نفقا أفقيا.. واندهشت أسيل حين نزلت تلك الحفرة، ونظرت إلى النفق
الأفقي.. وتعجبت من تلك البراعة التي يحفرون بها.. وكلما حفروا مسافة معينة
دعموها بالأخشاب حتى لا ينهار ما فعلوه .. وتنظر إلى خالد ضاحكة:
. لقد بدأ العمل بحق يا خالد.. ستحقق أملك قريبا.. ثم نظرت إلى إياد، وطلبت
أن تتحدث إليه بعيدا عن خالد ثم سألته:
– هل سيستطيع أن يسير بذلك النفق..
فأجابها إياد:
– بالطبع لا.. إن ارتفاع النفق لا يتجاوز مترا. عليه أن يزحف به.. أو يتحرك على
ركبيته.. إنها ليست مسافة كبيرة..
( رواية ارض زيكولا )
219
فصمتت أسيل ثم سألته مجددا:
– وماذا عن تهویته.. أخشى أن يختنق داخله، فابتسم إياد:
– أرى أنك تخشين عليه كثيرا.. لا أرى أنها مشكلة على الإطلاق.. إن النفق سيكون
مفتوحا من الجانبين.. وهذا بالطبع سيمرر الهواء..
فردت أسيل:
– أتمنى ذلك..

مسافة قليلة
واستمرت الساعات في مرورها.. ومرت الأيام معها.. وخالد يواصل عمله.. والعمال
يحفرون نفقه.. ويسرعون في عملهم دون أن يدري أحد بما يحدث تحت الأرض
الخالية بين سور زيكولا والبيت القريب منه.. يحفرون نهارا، ويتخلصون من
صخور الحفر ليلا.. ويامن يزداد الأمل أمامه، وكلما نزل النفق، وزحف على ركبتيه
أمتارا به، ومعه شعلة من النار يضحك، ويتحدث إلى خالد الذي ينتظره عند
فتحته.. ويعلو صوته إليه:
. انظر يا خالد.. لم يعد سوى مسافة قليلة إلى سور زيكولا.. انظر يا خالد..
ستخرج من زيكولا كما تريد..
وخالد يستمع إليه، ويبتسم، ويتحدث إلى نفسه: “سأخرج يا يامن.. سأخرج..”
وتمر الأيام أكثر وأكثر، وأسيل تنهي . عملها كل التذهب إلي ذلك النفق.. فتجد
خالدا ويامنا هناك فتجلس بجوارهما، ويداعبان خالدا ولا يتركانه حتى يعود
معهما إلى ذلك المسكن.. دار الطبيب.. بعدما رفض أن يسكن بالطابق العلوي
بالبيت ذاته ..و قد وافقاه فيما أراد.
حتى جاء اليوم الثامن عشر من بداية الحفر، وكان خالد يجلس مع يامن
بمفردهما، فنظر إليه:
– يامن.. لقد أخبرتك من قبل أنني أحب أسيلا..
( رواية ارض زيكولا )
220
فرد يامن مبتسما:
– نعم
فأكمل خالد:
– لم يعد يتبقى على إتمام النفق ومروره أسفل سور زيكولا سوى القليل.. وأنا أود
أن أخبر أسيلا بأنني أحبها.. وأن أطلب منها أن تأتي معي إلى بلدي..
فابتسم يامن: مازال هناك وقت حتى يوم زيكولا ..
فصمت خالد ثم نظر إليه:
. أعتقد أنني تأخرت كثيرا كبيأخبرها بذلك.. أرى أن الوقت قد حان لتعلم كم
أحبها..
فسأله يامن: هل تريد أن تخبرها بذلك الآن؟
فأجابه :- لا أعلم.. ما أعلمه أنني لا امتلك من الذكاء سوى مائتى وحدة أو أكثر
بقليلا.. وأخشى ألا أكون ذكيا في حديثي معها..
فابتسم يامن:
– إنها تعلم من أنت يا خالد.. وهي تحبك.
فابتسم ابتسامة حزينة:
– أريدك فقط أن تخبرني ماذا أفعل.. كنت أظن الأمر سهلا.. ولكنني لا أجده بتلك
السهولة.. أخشى أن يكون تواجدها معي تعاطفا ليس حبا..
فصمت يامن قليلا ثم ضحك وقال :
– سأخبرك ماذا تفعل، ثم سأله:
– أين أوراقك التي كنت تكتها؟
فأشار خالد إلى أغراضه:
– إنها هناك بين أغراضي..
( رواية ارض زيكولا )
221

فسأله:
– كتبت بينها أنك تحب أسيلا؟
فأجابه خالد: نعم..
فسأله: وهل قرأتها أسيل؟
فأجابه: لا.. إنها قرأت الأوراق الأولى فقط.. حين كنت أمدحها.. ولكنها لم تقرأ
أنني أحها منذ دخولي إلى زيكولا.
فابتسم يامن:
. حسنا سأخذ تلك الأوراق، وسأجعلها تقرأها، وستتأكد من حبك لها، ولن تنتظر
حتى تذهب إلها.. أراهنك بخمس وحدات من الذكاء.. أنها حين تقرأ تلك الأوراق
ستأتي إليك مسرعة وتقول أحبك يا خاااا الد..
فابتسم خالد:
– حسنا لفعل ما تشاء.. أما أنا فأريد أن أذهب إلى إياد ومن معه من عمال الأن..
ثم أتجول بين شوارع المنطقة قليلا.. لا أريد أن أنام الليلة.. أشعر أنها ليلة
مختلفة.. لم يعد سوى يومين على انتهاء العشرين يوما التي أخبرني بها إياد.
بعدها خرج .. أما يامن فقد حمل أوراقه، واتجه بها إلى غرفة أسيل، وطرق بابها
برفق.. ففتحته فابتسم، وأظهر إليها أوراق خالد، وتحدث:
– إن خالد قد خرج ولا أعلم أين هو.. وأنا سأخرج الآن.. حين يأتي، أريدك أن تخبريه
بأنني قد وجدت أوراق مبعثرة.. ثم أعطاها لها فابتسمت
. حسنا سأعطيها له حين يعود..
ثم أخذتها، وأغلقت بابها على الفور، وأسرعت إلى سريرها، وبعثرت الأوراق أمامها
في سعادة.. تريد أن تقرأ ما كتبه خالد عنها.. وزادت من إضاءة غرفتها، وأمسكتهم
ورقة ورقة.. وكلما انتهت من قراءة إحداهن تناولت الأخرى.. وظلت تقرأ ما كتبه
خالد عنها في البداية، والذي قرأته من قبل وأنها حورية زيكولا .. ثم بدأت تقرأ ما
أسيل:
( رواية ارض زيكولا )
222
كتبه خالد عن زيكولا، وعن أهلها، وعن مناطقها.. حتى قاطع تركيزها الشديد
صوت طرقات شديدة على باب غرفتها، وحين نهضت وفتحت بابها.. فوجئت
ببعض الجنود، وقائدهم يتحدث:
– أيتها الطبيبة.. إننا من حراس الحاكم.. لابد أن تأتي معنا على الفور..
فسألته في دهشة:
. لماذا؟
فأجابها:
– لا أعلم سيدتي .. لقد أمرني سيدي الحاكم أن آتي بك على الفور.. يبدو أن سيدتي
ليست على مايرام..
هدأت أسيل:
. حسنا.. سأتي معك.
ثم أغلقت باب حجرتها مرة أخرى، وبدلت ملابسها، ولملمت أوراق خالد سريقا
التحملها معها.. ولم تدر أن هناك ورقة قد أسقطتها دون أن تشعر..
خرجت أسيل مسرعة مع حراس الحاكم.. وأرادت أن تخبر خالدا أو يامنا بأنها
ستذهب إلى المنطقة الوسطى فلم تجد أتيا منهما.. فركبت العربة الفخمة التي
جاءوها بها، وبدأت العربة في التحرك، وهي تنظر عبر نافذتها لعلها تجد خالدا،
ولكن دون جدوى فحدثت نفسها:
– إن المنطقة الوسطى ليست ببعيدة.. سأذهب إلى هناك، وسأعود على الفور..
ثم طلبت من قائد الحراس الذي كان يجلس أمامها في العربة أن يزيد من إضاءة
المصباح الناري كي تتمكن من قراءة باق أوراق خالد التي أحضرتها معها حتى تصل
إلى قصر الحاكم.. وبدأت تقرأ مجددا ما كتبه بينما تسير العربة، وبدا السرور على
وجهها.. حتى وصلت إلى آخر ورقة معها، وزادت ضربات قليها حين وجدت أن خالدا
( رواية ارض زيكولا )
223
قد كتب بها أنه قابل فتاة أثناء عمله بتكسير الصخور تشبه منى حبيبته، التي
أحبها ست سنوات، وكادت دموعها تسقط حين انتهت الورقة، وقد كتب:
– “ما أعلمه جيدا أنني لم أحب غير منى طوال عمري”
وانتهت الأوراق معها، فحاولت أن تتمالك نفسها.. حتى شعر قائد الحراس بذلك
بعدما بدا التوتر على وجهها، ولمعت عيناها بالدموع، وتسارعت أنفاسها، وكأن
صدمة أصابتها فسألها:
. أهناك مكروه، سيدتي؟
فأجابته في حزن: لا شيء.. ثم نظرت عبر النافذة، ولم تحرك ساكنا..
في الوقت ذاته عاد يامن إلى المسكن، ووجد فتاة تخرج من حجرة أسيل ،، كانت
تقوم بتنظيفها، فسألها:
– أين الطبيبة أسيل؟
فأجابته:
– لقد خرجت مع جنود الحاكم..
ثم أخرجت ورقة صفراء، وأكملت:
– وقد سقطت منها تلك الورقة يا سيدي.
فأمسك يامن بالورقة فوجدها إحدى أوراق خالد، والتي كتب ببدايتها:
– “لم أحب غيرها طوال عمري قبل أن آتي إلى زيكولا. حتى وجدت أسيلا التي يزداد
شعوري كل يوم بحبها لي.. أما أنا فأشعر تجاهها بحب لم أشعر بمثله من قبل…
فظهرت خيبة الأمل على وجهه ثم سأل الفتاة :
– ألا تعلمين لماذا جاءها جنود الحاكم في ذلك التوقيت المفاجئ؟

( رواية ارض زيكولا )
224
فأجابته:
. لا أعلم سيدي .
***
مر الوقت قليلا، وخرج خالد إلى شوارع المنطقة الغربية.. يسير في هدوء ليلها
بعدما نزل ذلك النفق الذي أوشك على انتهائه وخرج منه.. يتمنى أن ينتهي حفره
وأن تمر الأيام سريعا، ويستكمل جزءا من ذكائه حتى يخرج من زيكولا، وظل يسير ،
ويفكر هل قرأت أسيل أوراقه.. هل علمت بمدى حبه لها.. حتى فوجئ بالكثير من
الجنود يقتربون منه، ويحيطون به، ويمسكونه فسألهم على الفور:
– لماذا تمسكون بی؟ !.. إنني لم أفعل شيئا..
فأجابه قائدهم في غلظة:
– نعم.. إنك لم تفعل شيئا.. ثم أكمل:
– لقد وضعت زوجة الحاكم ولدها الليلة أيها الفقير .. وسيكون يوم زيكولا بعد
سبعة أيام من اليوم..
فصاح خالد: ماذا.. لا .. مازال هناك شهران على وضعها..
فضحك القائد ساخرا إلى جنوده:
– أرى أنه أفقر من قابلنا.. ثم سأله:
– ألا تعلم أن هناك من يولدون بعد سبعة أشهر فقط، ثم أشار إلى جنوده، وقد
استدار بحصانه:
– أمسكوا به، وضعوه مع غيره من فقراء منطقتنا.. حتى يعرضوا على أطباء زيكولا.
***

رواية ارض زيكولا الفصل السابع عشر


( رواية ارض زيكولا )
225
(17)
كان ما حدث من أمر الجنود صدمة بالنسبة لخالد.. ووقعت كلمات قائدهم على
سمعه كالصاعقة التي أنسته كل شيء من حوله.. وحاول أن يتملص من الجنود
الممسكين به ولكنه لم يستطع، واقتادوه معهم إلى قصر كبير يوجد بالقرب من
الطرف الشرقي للمنطقة الغربية.. ثم أدخلوه إحدى غرف القصر الخالية
بالطابق السفلي.. وأوصدوا بابها الحديدي من خلفه فأصبحت إضاءتها شاحبة
يغليها الظلام.. فجلس بأحد أركانها، ووضع رأسه بين يديه، وكأن صدمته شلت
تفكيره .. ثم نهض مجددا، واتجه نحو الباب الحديدي، وصاح:
– لابد أنكم مخطئون.. لابد أنكم مخطئون.. لابد أن أغادر..
حتى سكت فجأة حين سمع صوتا من خلفه:
– تغادر إلى أين؟!
التفت خالد فوجد رجلا يجلس بركني بعيير بالغرفة، ولم تكن ملامحه قد ظهرت
حتى اقترب منه فبدأت ملامحه في الظهور شيئا فشيئا، ووجده رجلا يبدو من
هيئته أنه في الأربعين من عمره.. فسأله:
– من أنت ؟
فرد الرجل في هدوء :
. فقير مثلك ..
( رواية ارض زيكولا )
226
فصمت خالد حتى سأله الرجل:
– لماذا لا تجلس؟!
فأجابه :
– أريد أن أخرج من هنا.. لابد أن أخرج..
فابتسم الرجل :
– ليتنا نخرج جميعا.. اجلس لا تضيع وقتك.. طالما جئت هنا لم يعد لك أمل سوی
أن يكون هناك من هو أكثر منك فقرا.. ثم تابع بعدما صمت برهة:
– أو يكون لك حظ مع الزيكولا ..
فجلس خالد بجواره ثم سأله:
– ما اسمك؟
فرد الرجل: أنا جواد..
فأكمل خالد: ألا
يوجد غيرنا؟!
فأجاب جواد:
– انتظر.. مازال أمامهم يوم أخر حتى يأتينا أطباء منطقتنا.. وإلى أن يأتي الأطباء
سيحضرون هنا الكثيرين من الفقراء.. ألم تشاهد تلك الأيام من قبل؟!
فأجابه خالد:
– لا.
لا .. إننيا
و أشاهدها للمرة الأولى.. إنني لست من أهل زيكولا..
فصمت جواد ثم ابتسم، وأكمل:
– كان لابد أن تحافظ على مخزونك من ذكائك ليوم مثل هذا..
فسأله خالد ساخرا :
– ولماذا لم تحافظ أنت على ذكائك؟!!
فأخرج جواد زفيرا طويلا ثم نظر إليه:
( رواية ارض زيكولا )
227
– تستطيع أن تقول إنه القدر.. من كان يراني منذ أيام لم يكن ليظن لحظة واحدة
أن أكون من فقراء زيكولا.. ولكنه الزمان ينقلب رأسا على عقب دون مقدمات..
فقاطعه خالد:
– تذكرني بنفسي.. كنت أمتلك كثيرا من الذكاء، وقد فقدته أيضا فجأة ولكن
السبب قوي.. فقدته من أجل عودتي إلى وطني.. أما أنت فلماذا فقدت ثروتك؟
فأجابه:
– إنها قصة طويلة.. قد تحكيها لمن تعرفهم إن نجوت.. تعلم، عندي ثلاث وأربعون
سنة.. ثم تنهد، وأكمل :
– مثلي مثل رجال زيكولا.. كنت أعمل من أجل أن أعيش ولا آتي إلى تلك الغرفة
يوما.. لم أكن غنا، ولم أكن فقيرا أيضا.. كنت أعمل يوما بيوم، وأقضي حاجاتي
التي تكفي لعيشي سعيدا دون أن أدخر شيئا زائدا عن حاجتي.. وطالما كان هناك
الأفقر مني فلم يشغل لي الفقر بالا.. حتى جاء يوم وأحببت فتاة هنا.. فتاة تسكن
بتلك المنطقة، وأصبح حلمي أن أتزوجها، ثم صمت فسأله خالد أن يكمل، فأكمل:
– كنت جريئا للغاية، فذهبت إليها، وأخبرتها أنني أريد أن أتزوجها.. ولكن أبيها طلب
میرا باهظا للغاية، فابتسم خالد، وقاطعه مجددا بصوت هادئ:
. أعلم البقية.. ظللت تعمل من أجل هذا المهر، حتى أعطيته لأبيها، فجاء يوم
زيكولا .. فأومأ جواد برأسه موافقا على ما قاله خالد الذي أكمل قائلا:
– إنها تشبه قصتي.. كلانا سعى من أجل ذلك المهر.. أنت من أجل حبيبتك.. وأنا من
أجل عودتي إلى وطني..
فتابع جواد:
– إنها تنتظرني.. إن خرجت من هنا سنتزوج.. إنها تحبني للغاية، لقد أخبرتني أنها
تريد أن تنجب أطفالا يكونون من أثرياء زيكولا..
فساله خالد مندهشا: هل ستترك أطفالك يعيشون هنا في زيكولا؟!!
فأجابه جواد: بالطبع .
( رواية ارض زيكولا )
228
فتابع خالد:
. كنت أظن بعد وجودك هنا أنك إن نجوت من تلك المحنة، ستغادر زيكولا بعدها..
فسأله . جواد متعجبا: إلى أين؟!!.. إن زيكولا وطننا ونحن نحها.
فنظر إليه خالد: إنكم تقتلون في وطنكم هذا..
فصمت جواد قليلا، وطال صمته تلك المرة.. ثم أكمل:
– ربما تظن ذلك.. ولكن رغم ما أنا به، فلا أعتقد أنني سأجد أفضل منها وطئا لي..
ولأولادي.. لقد أعطتنا زيكولا الكثير .. أعطتنا القوة والفخر بأننا أبناؤها.. فخر
يشعر به الغني والفقير.. ثم ابتسم، وكأنه يتذكر:
– حين يذهب منا المرء يوم فتح باب زيكولا إلى مدينة أخرى فإنه يتباهى أنه زيكولي،
والجميع يقدم له وافر الاحترام.. لا يستطيع أحد مساس شعرة من رأسه.. ثم
أكمل:
– أنا فقير اليوم.. وربما يختارني الأطباء بين الأكثر فقرا، وربما أذبح.. ولكني سأذبح
من أجل سعادة حاكمنا بولده، وكم نحب حاكمنا.. لطالما جعلنا حكامنا أقوياء..
فقاطعه خالد مندهشا:
– لماذا لا أراك قلقا أو حزينا؟!.. كيف تمتلك هذا البرود؟
فأجابه :
– لا أخفي عليك، كنت ممن يعملون بحرص ألا يأتوا هنا يوما.. وسأفرح كثيرا إن
نجوت.. ولكنني أرى من العار أن أحزن إن لم أنج.. ثم نهض، وتحرك خطوات
مبتعدا عنه فسأله خالد :
– ألا تريد أن تعود إلى حبيبتك؟!
فتوقف جواد:
– لقد عملت ما في وسعي، وهي الآن تعلم كم أحها، وأعلم أنها ستفخربي باقي عمرها
إن كنت أنا الذبيح.. إنها تعلم أنني لم أكن كسوة يوما..
فتحدث إليه خالد:
( رواية ارض زيكولا )
229
. أتمنى أن تعود إليها وتنجبا أطفالا ينعمون بذلك الحب.. ثم نهض هو الآخر،
وتحرك إلى ركن بعيد بالغرفة، وأكمل بصوت يشوبه الحزن:
– ولكنني لا أريد أن أذبح. أنا لست منكم.. أريد أن أعود إلى بلدي.. إلى أهلي..
سأشعر بالفخر حين أعود إليهم..
ثم سكت حين فتح باب الغرفة، وزج أحد الجنود بشخص شاحب اللون إليهم ثم
أوصد الباب من خلفه..
***
كانت شوارع المنطقة الغربية مزدحمة بالكثير من أهاليها حين علموا بوضع زوجة
الحاكم مولودها وحلول يوم زيكولا بعد أيام قليلة.. ويامن يتحرك بينهم يبحث عن
خالد بكل مكان بعدما لم يعد إلى المسكن الخاص بأسيل منذ خروجه، وظل يسأل
من يقابله عن خالد.. ذلك الشاب الطويل العريض ذو الشعر الأسود الطويل
واللحية السمراء الناعمة، ولكن لم يجبه أحد.. وبدأ القلق يتسرب إلى قلبه بعدما
وجد جنود المنطقة ينتشرون بشوارعها، ويبحثون عن الأكثر فقرا بينهم.. حتى
تيقنت شكوكه حين أخبره فتى صغير بأنه رأی خالدا والجنود يجرونه نحو قصر
الفقراء.. فتسمرت قدماه دون أن يدري ماذا يفعل..
***
عاد يامن إلى المسكن الخاص بأسيل على الفور.. وسأل خادمة هناك إن كانت
أسيل قد عادت، فأجابته بأنها لم تعد بعد.. فزاد توتره وضيقه، ولم يشغل باله
سوى خالد الذي قد يذبح بعد أيام، ومصيره بيد أسيل، وظل يتحرك جيئة وذهابا
لا يستطيع أن يتمالك نفسه.. بعدها أمسك بالورقة التي أسقطتها أسيل، وخرج
مسرعا خارج المسكن إلى أطراف المنطقة الغربية حتى وصل إلى الطريق الممهد إلى
المنطقة الوسطى، وظل واقفا على جانبه حتى تمر عربة متجهة إلى تلك المنطقة..
يعلم أن الوقت قد تأخر، والليل يكسو زيكولا، ولكنه لم يفقد أمله في ذلك.. حتى
مرت أمامه عربة فطلب من صاحبها أن يصطحبه معه فرفض، وكلما مرت عربة
( رواية ارض زيكولا )
230
إما أن يرفض سائقها أو يخبره بأنه لن يمر بالمنطقة الوسطى حتى جاءت عربة
يركبها عجوز يتجاوز عمره الثمانين فأوقفه يامن، وحثه:
– أريد أن أذهب معك إلى المنطقة الوسطى ..
فأجابه العجوز :
– إنني لا أصطحب غرباء.. ثم أكمل:
– مالكم أيها الشباب، لماذا لا تسيرون؟!!.. إنني كنت في مثل عمركم أجوب زيكولا
على قدمي..
فأجابه يامن: حسنا.. سأجوبها على قدمي..
فأمر العجوز حصانه أن يواصل حركته، وتمتم بكلمات وكأنه يسب ياما،
وتحركت العربة قليلا، ويامن ينظر إليه حانقا.. حتى ابتعدت العربة عنه فأسرع
خلفها، وتشبث بمؤخرتها، وظلت رجلاه تهرولان كي تجاری سرعة حصان العربة
وكلما حاول أن يسندها على لوح خشبي بمؤخرة العربة تفلتان.. حتى استطاع أن
يتشبث جيدا، وظل متشبثا بها بينما يجلس العجوز بمقدمتها، ويضرب حصانه
كي يسرع، وبدأ يغني بصوته الضعيف المتقطع، وكأنه يريد أن يؤنس وحدته، ويامن
يستمع إليه،
ويريد
أن يضحك، ولكنه خشي أن يعلم بوجوده.. فأثر أن يكتم
ضحكاته بداخله
( رواية ارض زيكولا )
***
مير الوقت، وخالد حبيس بغرفة الفقراء، وتزايد عددهم، وبين الحين والآخر يفتح
باب الغرفة ليزج بفقير جديد إليهم ثم يوصد مجددا.. وخالد يجلس بركنه صاما،
وينظر إلى جواد الذي كلما حل فقير بالغرفة يذهب إليه ليعرف قصته.. ثم يتحدث
إلى نفسه، ويسألها: ماذا يفعل يامن؟، وماذا تفعل أسيل؟، وهل ستنتهي حياته في
زيكولا أم أن هناك أملا قد يغير ذلك المصير ..
***
( رواية ارض زيكولا )
231
وصلت عربة العجوز إلى المنطقة الوسطى، والتي سادها الهدوء والصمت.. ولم
يكن بشوارعها إلا قليل من الجنود وحراس القصور المتواجدين بها والذين تظهر
ملامحهم واضحة مع المصابيح النارية التي تنير شوارع تلك المنطقة.. وما إن أبطأت
العربة حتى قفزیامن، وترك العجوز يكمل طريقه دون أن يدري بوجوده.. ثم عدل
من ملابسه، ونفض عنها ما أصابها من غبار، وأسرع إلى قصر الحاكم فقابله أحد
حراس القصر، وسأله على الفور:
– من
أنت ؟
فأجابه يامن، وقد علا صوته متحدثا بثقة:
– أنا مساعد الطبيبة.. ثم صاح به:
– ألم تعلم من أنا ؟!.. من أنت كي تسألني؟!
فأجابه الجندي:
– أعتذر، لم أكن أعرفك..
فرفع يامن رأسه:
. حسنا.. هيا أدخلني، وإلا أثرت غضبي.. وأنت تعلم أنني بعملي هذا قد أجعلك
أفقر شخصا بزيكولا .. ها..
فبدا التوتر على وجه الجندي:
. حسنا سيدي.. تفضل إنها بحجرتها، ولكن لابد وأنها نائمة. إن الشروق قد
عامل
قارب ..
فصمت يامن ثم أكمل :
– إنني لا أستطيع الانتظار .. أخبر إحدى الوصيفات بأن تخبرها أن مساعدها
ينتظرها بالأسفل لأمر هام..
فرد الجندي:
. حسنا.. تفضل إلى أولى حجرات الطابق السفلي، وستأتيك إلى هناك..
***
( رواية ارض زيكولا )
232
كانت أسيل تجلس بحجرتها، وتقلب أوراق خالد من جديد، ويكسو وجهها حزن
شديد .. حتى سمعت طرقات على باب حجرتها ثم وجدت إحدى الوصيفات تدلف
إلها، وتخبرها بأن مساعدها ينتظرها بالأسفل، ويريد أن يخبرها بأمر هام،
فنطقت على الفور:
– خالد !!
ثم تمالكت نفسها، وسألت الوصيفة :
– ماذا يريد؟
فأجابتها :
– لا أعلم سيدتي.. إنه ينتظرك بالأسفل
فصمتت برهة ثم أشارت إلى الوصيفة: حسنا ..
فغادرت الوصيفة.. وظلت أسيل كما هي، تفكر وتسأل نفسها:
– ماذا جاء بك إلى هنا يا خالد؟!! أعلمت أن أوراقك جاءت إلى صدفة فتريد أن
تخبرني أنها ليست أوراقك.. أم تريد أن تخبرني أنك حقا تحب تلك الفتاة، أما أنا
فلا أمثل لك سوى شخص تحب مساعدته..
ثم نظرت إلى مرأة أمامها، وقالت :
– ربما كانت ليست أوراقه حقا..
– ربما أراد أن يختبر مدى حبي وغيرتي..
ثم عادت وسألت نفسها:
– وماذا لو كانت تلك هي الحقيقة؟.. ماذا لو كان يحب الفتاة الأخرى؟.. ماذا
تفعلين؟..
ثم نظرت نحو باب غرفتها: حسنا.. سأنزل لأرى ماذا تريد يا خالد..
( رواية ارض زيكولا )
233
ثم بدلت ملابسها، وغادرت حجرتها، وهبطت السلم إلى الطابق السفلي، واتجهت
نحو الغرفة التي أخبروها بأن مساعدها ينتظرها بها.. وما إن دلفت إليها وكادت
تتحدث حتى فوجئت بأنه يامن:
فأجابها: نعم..
( رواية ارض زيكولا )
– يامن ؟!!
أعتذر أنني جئتك في هذا الوقت المتأخر..
فأكملت: حسبتك خالد ا..
فصمت ثم أكمل:
. لقد أمسكوا بخالد من أجل يوم زيكولا ..
فردت: ماذا؟ !!
فأكمل واجما :
– نعم.. لقد أمسك به الجنود عندما كان يتجول بين شوارع المنطقة الغربية..
فصمتت، ثم |
– إن تعلمين أنه لا يستحق ذلك.. لابد أن نساعده.. لابد وأن يخرج.. لابد أن يعود
إلى بلده يا أسيل.. لقد وعدناه بذلك .
فأجابت أسيل في برود :
– ماذا نفعل؟ .. أنت تعلم قوانين زيكولا أكثر مني.
فصاح بها:
– نعم أعرفها.. ولكن عليك أن تفعلي المستحيل كي ينجو من تلك المحنة.. كيف
أراك بهذا الهدوء.. وأن تعلمين كم يحبك؟!!
فصاحت به :
أكمل:
( رواية ارض زيكولا )
– يحبني؟!! ثم ابتسمت ساخرة :
– تقصد أنه لم يحب في حياته سوی منی.. حبيبة عمره.. أم تريد أن تكذب ما كتبه
بين أوراقه..
( رواية ارض زيكولا )
234
فصمت مفكرا ثم أخرج ورقة من ملابسه:
– اقرئي هذه الورقة.. إنها أيضا كتها، ولكنها سقطت من حين جاءك جنود
الحاكم.. ثم أعطاها الورقة، وأكمل وهو يتجه نحو باب الغرفة:
– لو علمت أن أحدا يحبني هذا الحب.. لفعلت المستحيل من أجله.. ثم غادر،
وأمسكت أسيل الورقة، وقرأت ما بها، وعلمت أنها تكملة لحديثه في الورقة
السابقة لها.. وأنه يحبها منذ أن جاء إلى زيكولا .. فلم تستطع أن تتمالك نفسها،
وتساقطت دموعها بغزارة ثم أسرعت إلى غرفتها بقصر الحاكم.. تصعد درجات
السلم بخطى سريعة، ودموعها على وجهها وسط دهشة وصيفات القصر الذي
يملؤه الفرحة منذ قدوم المولود الجديد.. ثم دلفت إلى حجرتها، ووضعت رأسها
على سريرها، وواصلت بكاءها..
***
أشرقت الشمس، وتبعها نهار بطيء مر على خالد كسلحفاة تسير.. وانتشرت
الأخبار في كافة أرجاء المدينة بأن فقراء زيكولا من الرجال والنساء قد جمعوا بكل
مناطقها، وجميعهم ينتظرون الأطباء حتى يقلصوا عددهم إلى أكثرهم فقرا، ومن
بعدهم تقول الطبيبة أسيل كلمتها بشأن الفقراء الثلاثة الذين يتنافسون أمام
الزيكولا.. ويامن لا يستطيع أن يتمالك أعصابه، وينتظر ماذا سيكون قرار أطباء
المنطقة الغربية في اليوم التالي.. وأسيل تنتظر في قصر الحاكم، وتتوسل إلى
الوقت كي يمر سريعا، والجميع يلاحظون توترها وتغيرها المفاجئ منذ قدوم
مساعدها إليها..
***
في اليوم التالي كان خالد ومن معه من فقراء حبيسين بغرفتهم.. حتى فتح بابها
فجأة، ودخل إليهم قائد الجنود وقال:
– هنيا.. ستعرضون الآن على الأطباء..
( رواية ارض زيكولا )
235
اصطف الجنود صقين، بينهما ممر أمام الغرفة، وبدأ خالد ومن معه يمرون بین
هذين الصين.. حتى وصلوا إلى ردهة واسعة، واصطفوا بها كما أمرهم قائد
الجنود، ولاحظ خالد بأن هناك نساء شاحبات سيعرضن معهم على الأطباء..
وعلم أنهن قد حبس بغرفة أخرى، وبنظرة منه وجد عدد الفقراء والفقيرات لا
يتجاوز العشرين فردا.. ثم نظر إلى جانبه فوجد جوادا، فهمس إليه:
– كم سيختارون منا؟
فأجابه :
. لا أعلم.. سيختارون أقلنا ثروة..
حتى صاح به أحد الجنود بأن يصمت ثم دخل رجلان، وعلم من يقفون بأنهما
الطبيبان حين وجدوا زيهما الأنيق، وقمصانهما الراقية، ونعالهما الفخمة.. ثم
أشار إلي الفقراء بأن يجلسوا، وسأل أحدهما قائد الجنود بأن يأتي بهم واحدا تلو
ماقالد الحمد
الأخر
***
( رواية ارض زيكولا )
بدأ الفقراء يتجهون إلى الطبيبين واحدا تلو الآخر.. وخالد يراقب من بعيد ما
يفعلانه، وينظر إليهما، وهما يفعلان مثلما كانت تفعل أسيل حين كانت تمسك
بثنية من جلده لتخبره كم يمتلك من وحدات ذكاء.. ويراقهما حين يمسك أحدهما
بقلم ويدون شيئا بأوراقه بعدما ينتهي من فحص أحد الفقراء، وكأنه يدون
ملاحظاته ذلك الفقير.. وقلبه يدق بقوة، وينظر إلى جلد ذراعيه، ويقارن
شحوبه بشحوب من معه ثم ينظر إلى السماء، ويدعو ربه أن ينجيه من هذه المحنة
حتى أمره جندي بأن يتقدم إلى الطبيبين، وما إن تقدم إليهما حتى سأله أحدهما:
– هل أنت مريض؟
فأجابه خالد: لا ..
ثم أمسك الطبيب بثنية من جلده، وأمسك الأخر بثنية أخرى من جلد ذراعه بين
أصبعيه.. ثم نظرا إليه يتأملانه ثم أمراه أن يعود إلى مكانه مجددا. فعاد، وتحرك
( رواية ارض زيكولا )
236

إليهما جواد الذي قابله مبتسما.. وظل الطبيبان يواصلان عملهما، والوجوم على
وجوه الكثيرين من الفقراء والفقيرات.. حتى نهض الطبيبان مجددا، ونظرا إلى
أوراقهما، وما دوناه بها من ملاحظات، ثم تحدثا إلى قائد الجنود، والذي بدوره
اتجه إلى خالد ومن معه من رجال ونساء ونظر إليهم:
– لقد أخبرنا الطبيبان من منكم الأكثر فقرا ..
– من ينجو اليوم عليه أن يعمل بجد كي لا يعود إلى هنا مرة أخرى.. ومن اختاره
الأطباء سنصطحبه غدا إلى المنطقة الوسطى حتى يعرض على طبيبة الحاكم بعد
غد.. وأتمنى أن يجد من هو أفقر منه هناك..
ثم نظر إليهم مجددا، واحتبست أنفاس خالد حين أشار إلى جواد:
– أنت.. ستأتي معي إلى المنط : الوسطى..
ثم أشار إلى خالد:
– وأنت أيضا.. ستأتي إلى المنطقة الوسطى.. أما الباقون فعليكم أن تعودوا إلى
بيوتكم، واحتفلوا مع أصدقائكم بمولود الحاكم…
فسقط خالد على ركبتيه :
– أنا؟!!
فأجابه القائد:
– نعم إنكما الأكثر فقرا هنا.. هيا انهض.. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو..
فنظر جواد إلى خالد، وقد قل بروده، وبدا متوترا قليلا :
– يبدو أن أحدنا سيكون الذبيح أيها الصديق
***

رواية ارض زيكولا الفصل الثامن عشر


( رواية ارض زيكولا )
237
(18)
عاد خالد إلى غرفة الفقراء مرة أخرى ومعه جواد، وأغلق الباب الحديدي من
الخارج.. و ظلت أنفاسه متسارعة، وزاد قلقه وتوتره كثيرا ، وكلما حاول جواد أن
يتحدث إليه لا يجبه.. ولا تتوقف رأسه عن التفكير.. لا يرى أمامه سوى ما رآه يوم
زيكولا السابق حين ذبح الفقير وسط احتفالات أهل زيكولا.. أما أسيل فمازالت
في قصر الحاكم تتمنى أن تجد يامنا الذي اختفى منذ مجيئه إليها المرة السابقة..
لا تعلم ماذا حدث بالمنطقة الغربية.. تريد أن تعلم هل عاد خالد إلى حريته مجددا
أم تجده أمامها يوم تختار الثلاثة الأكثر فقرا.. تتمنى أن تغادر القصر إلى المنطقة
الغربية، ولكنها لا تستطيع أن تترك زوجة الحاكم في هذا التوقيت.. فلم تجد أمامها
سوى أن تنتظر حتى يمر ذلك اليوم وما يليه، ووقتها سيتضح كل شيء..
***
الموسيقى تنتشر في كافة أرجاء زيكولا، والأخبار تتناقل بين هذا وذاك.. الجميع
يتحدثون عن فقراء زيكولا، ويتهامسون بأن أطباءها قد اختاروا فقيرين بكل
منطقة بها.. وينتظرون طبيبتهم الأولى حتى تعطي كلمتها الأخيرة.. يريدون أن
يفرحوا.. يريدون أن يهنئوا حاكمهم بهذا اليوم.. الجميع في أوج سعادتهم طالما
ابتعدوا عن منصة الذبح.. يعملون نهارا، ويتراقصون ليلا.. يعلمون أنها أيام
وستمر وسيعودون مجددا إلى حياتهم، وأعمالهم الشاقة.. فأرادوا أن يقتنصوا كل
ذرة سعادة في تلك الأيام.. حتی سور زيكولا بدا وكأنه في أيام غرسه بعد ما علقت
( رواية ارض زيكولا )
238
فوقه رايات عديدة مختلفة الألون ترفرف بقوة، وتتوسطها نيران مشتعلة تعلن
عن احتفال أهل مدينته، والذين بدأوا يتجهون إلى المنطقة الوسطى أفواجا
متتالية ليشاهدوا منافسة الزيكولا ومعهم ما يكفهم من طعام حتى ذلك اليوم
وحتى يوم زيكولا حين يتنقلون إلى المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال ومنصة
ذبح الفقير..
أما أهالي المنطقة الغربية فقد تجمعوا أمام القصر الذي لحبس به خالد وجواد
حين اصطف أمامه العديد من الجنود إيذانا برحيل الفقيرين إلى المنطقة
الوسطى حيث قصر الحاكم، وصاحوا وهللوا حين رأوا خالدا وجواڈا مكبلين يا
وقدما، ويتقدمهم قائد الجنود إلى عربة تقف أمام القصر.. ثم بدأت العربة في
التحرك في طريقها لمغادرة تلك المنطقة..
***
سارت العربة وشقت طريقها، وبداخلها خالد، ينظر عبر نافذتها إلى الصحراء
الشاسعة على جانب الطريق، وكلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يرد، ويظل
محدقا خارج العربة حتى ابتسم جواد، وتحدث في هدوء:
– أعلم أنك .
حزينا للغاية، وأعلم أنك تسخط على حاكمنا وولده.. ولكن لا تيأس يا
صديق.. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو بحياتك ..
و خالد يواصل صمته ولا يرد.. حتى تحدث جواد مجددا:
– أحدنا سينجو بالطبع.. وقد ينجو کلانا ..ثم صمت، وأكمل:
– أريد أن أطلب منك شيئا ..ثم تابع :
– إن نجوت وكنت أنا من سيذبح، وجاء يوم زيكولا ووقفت بين من يحتفلون بذبحي،
ورأيت امرأة تبكي وسط من يفرحون، فاذهب إليها وأخبرها أنني لم أحب بحياتي
مثلما أحببتها..
وسالت بعض دموعه على وجهه فالتفت إليه خالد، ووضع كفه على ركبته،
وابتسم إليه:
( رواية ارض زيكولا )
239
– ستعود إليها یا جواد.. وستنجبان أطفالا تعيش وتفخر بزيكولا..
فابتسم جواد، والدموع تلمع على وجهه، وأكمل:
. وأنت؟ .. لا تريد أن توصيني بشي؟
فصمت قليلا ثم نظر عبر النافذة مجددا، وعاد لينظر لجواد :
– إن وجدت شابا في مثل عمري يدعى ياما، ويقف حزينا فأخبره بأنني لم أجد
صديقا وأځا مثله ثم صمت برهة، وأكمل:
– وإن رأيت طبيبة زيكولا تنظر كثيرا إلى السماء ليلا تبحث عن نجم بها.. فأخبرها
أنها أجمل حقا من ذلك النجم..
فسأله على الفور :
( رواية ارض زيكولا )

– هل تعرفك طبيبة زيكولا؟
فأجابه خالد :- نعم..
فابتسم، وأكمل:
– هل تحبها؟
فرد خالد: نعم ..
فسأله: وهي؟ .. تحبك؟
فصمت خالد ثم أجابه: لا أدره..
فأكمل جواد :
– إن كانت تحبك فلن تتركك لتكون ذبيح زيكولا ..
فصمت خالد مرة أخرى ثم عاد هائما يتأمل الطريق عبر نافذة العربة.. وأكملت
العربة سيرها، وأمر سائقها حصانه بأن يسرع ولسعة بسوط بيده.. حتى وصلت
مع اقتراب غروب الشمس إلى المنطقة الوسطى، والتي ازدحمت شوارعها بالكثير
من الناس.. وواصلت العربية تحركها.. حتى توقفت أمام قصر الحاكم..
***
( رواية ارض زيكولا )
240
كانت أسيل تجلس بغرفتها حين أخبرتها وصيفتها بأن فقراء مناطق زيكولا قد بدأوا
في القدوم.. فدق قليها بقوة، وسألتها على الفور:
– هل وصل فقيرا المنطقة الغربية؟
فأجابت الوصيفة :
– نعم سيدتي ..
فسألتها مجددا :
-هل رأيتهما؟
فأجابتها :
.لا.. لم أرهما.. إنهما قد وصلا منذ لحظات قليلة، وسيتجها نحو بهو القصر..
وأكملت :
– أستطيع أن أشاهدهما من تلك الشرفة..
ثم أشارت إلى شرفة الغرفة، وأكملت :
– وهم يمرون نحو هو القصر ..
فالتفتت أسيل إلى الشرفة:
-لا.. عليك أن تغادري الآن.. وأخبريني حين يكتملون..
فابتسمت الوصيفة ثم غادرت..
أما أسيل فأسرعت إلى الشرفة، ووقفت أمامها تنتظر أن يمر فقراء مناطق
زيكولا .. تنتظر وتتسارع أنفاسها.. تخشى أن يكون ما تظنه حقيقة.. وتسأل نفسها:
أين يامن؟ .. ولماذا لم يأتها ليخبرها بما حدث لخالد؟! وكلما مر أحد بالأسفل
نظرت إليه في لهفة، وشعرت بسعادة حينما تتحقق أنه ليس خالد.. حتى انتفض
قلها، وكأنه أنتزع منها حين وجدت أحد الجنود يتقدم، ويأتي خالد من خلفه
مطأطئ الرأس، ويسير ببطء ومعه فقير غيره قد بلا سويا، ويصيح بهما الجندي:
– أسرعا أيها الفقيران..
( رواية ارض زيكولا )
241
فأمسكت برأسها، وعادت خطوات إلى الخلف، ووضعت يدها على فمها من
الصدمة.. ثم تحركت نحو الشرفة مجددا، وظلت تنظر إلى خالد وهو يتحرك
بصعوبة خلف الجندي إلى بهو القصر.. فتسارعت أنفاسها، ولمعت عيناها
بالدموع، وتحدثت إلى نفسها:
– ماذا أفعل؟ .. ماذا لو كان أكثرهم فقرا؟!..
تنظر إلى وريقاته المبعثرة في غرفتها، وتقرأ كلماته.. أنه لم يحب غيرها، وتحدث
نفسها:
– إن مصيره بيدي ..
وتتحرك جيئة وذهابا بالغرفة، وتسأل نفسها حين تقف أمام المرأة:
– ماذا أفعل ؟
ثم نظرت إلى الأوراق مجددا، وكأنها تحدثها:
– خالد.. ماذا لو كنت أنت الأفقر بينهم؟ ماذا تريدني أن أقرر؟
وتعود إلى حركتها جيئة وذهابا، وتمسك برأسها، وتمرر يدها فوق شعرها ثم تنظر
عبر الشرفة، وترى الفقراء الآخرين الذين يتجهون نحو بهو القصر.. حتى سمعت
طرقات على باب غرفتها، ودلفت إليها وصيفتها وقالت:
– سيدتى لقد اكتمل عدد الفقراء بهو القصر، والجميع في انتظارك..
فزاد انتفاض قليها ثم حدثتها:
. حسنا.. سآتي على الفور..
فأغلقت الوصيفة باب الغرفة، وجلست أسيل على سريرها، ووضعت رأسها بين
يديها وكأنها لا تدري ماذا تقرر.. ثم نهضت مجددا، واتجهت مرة أخرى نحو
الشرفة، ولكنها لم تنظر لأسفل.. بل نظرت إلى السماء التي امتلأت بشفق الغروب،
وبدأت تتحدث والدموع على وجهها :
( رواية ارض زيكولا )
242
– رأيت خالد كثيرا ينظر إلى السماء كلما وقع في محنة، وسمعته يقول.. يارب
ساعدني ..
أنا أنظر مثلما كان يفعل الآن.. وأقول مثله.. يارب.. يارب ساعدني.. أريدك أن
تساعدني.. ثم أغمضت عينيها، وانهمرت دموعها كثيرا. وأكملت :
– ساعدني.. لا أريد أن أفقد خالدا ثم تابعت:
– ولا أريد أن أظلم أحدا.. لا أريد أن أظلم أحدا..
***
كان الصمت يسود هو قصر الحاكم، وكأنه لا يوجد أحد به.. ا
.. الجميع صامتون،
كل يفكر بمصيره وينتظر أن تأتي الطبيبة.. عشرة من الفقراء.. سبعة رجال وثلاث
فتيات.. ينتظرون أن يمر الوقت سريعا.. أي منهم سينجو، وأي منهم ستختاره
الطبيبة لمنافسة الزيكولا ، وخالد يقف وينظر إليهم في صمت.. ثم ينظر إلى أعلى
وكأنه يناجي ربه. حتی کسر ذلك الصمت حين دلفت أسيل بفستانها الفضفاض
إلى بهو القصر، ومعها قائد حرس الحاكم الذي أتاها ليلة وضعت زوجة الحاكم،
وتحدث بصوت غليظ :
– ستختار سيدتي الأن الثلاثة الأكثر فقرا ..
فتقدمت أسيل في صمت، ومرت أمامهم، وخالد ينظر إليها، وتعمدت ألا تنظر إليه
حتى أنها أرادت أن تلمحه بطرف عينها، ولكنها أبعدت نظرها على الفور.. ثم همست
إلى قائد الحرس أن يقدم إليها فقيرا تلو الآخر .
( رواية ارض زيكولا )
***
تسأله المزيد من
بدأت أسيل تفحص كل من يتقدم إليها وتتأمله، وتضع ثنية من جلده بين إصبعها،
ثم تسأله إن كان قد مرض من قبل، وإن أجابها بأنه قده مرض
الأسئلة ذلك المرض، وتزيد من فحصها لأكثر من مكان بجسده حتى تعلم إن
كان قد مرض حقا أم أنه يدعي ذلك كي ينجو.. حتى تقدم إليها جواد، وبدأت
تفحصه، و قد نظرت إلى خالد خلسه بطرف عينها فابتسم جواد، وتحدث إليها:

( رواية ارض زيكولا )
243
– إنه يحبك أيضا..
فنظرت إليه، ولم تتحدث ثم أمرت أن يأتي من بعده.. فوجدت خالدا يتقدم إليها
فدق قلها بقوة، ولامست وجهه ويدها ترتعش قليلا.. وخالد ينظر إلى عينها دون
أن ينطق ببنت شفة.. وتحدث نفسها.. ماذا أفعل يا خالد إن كنت الأفقر.. ماذا
أفعل؟، ثم نظرت إلى قائد الحرس أن يأتي بمن بعد خالد، والذي فوجئ بعدما
استغرق فحص خالد وقتا أقل كثيرا ممن فحصوا قبله، ولكنه طلب من فقير آخر
أن يتقدم إلى الطبيبة، وظلت أسيل تفحص جميع الفقراء المتواجدين بالهو حتى
انتهت.. ثم عادت لتجلس على أحد الكراسي الفخمة المتواجدة، وأمسكت بقلم
وبعض الوريقات، وبدأت تدون بعض كلماتها.. والجميع ينظرون إليها في صمت..
لا يسمع فقط سوى صوت الأنفاس المتسارعة من بعضهم.. حتى نهضت وتحركت
نحوهم.. ثم تحركت أمامهم جيئة وذهابا ونظرت إلى فتاة
– أنت.. اخرجي إلى أهلك…
فصرخت الفتاة من الفرحة ثم نظرت أسيل إلى فقير آخر:
– وأنت.. عد إلى أهلك..
فصاح فركا.. وواصلت أسيل تحركها بينهم، وكلما تحركت تشير إلى أحدهم بأن
يعود إلى أهله.. حتى توقفت مكانها بعدما لم يتبق سوى أربعة فقراء فقط.. بينهم
خالد وجواد، واحتبست الأنفاس، والجميع ينتظرون من هو الناجي الأخير..
تقف أسيل أمامهم، وخالد ينظر إلها في ترقب، وجواد ينظر إليه وكأنه يوقن بأنه
من ستختاره، ويقف بجوارهما فقيران يزداد الوجوم على وجههما.. حتى نظرت
إليهم، وأشارت إلى جواد
– أنت غد إلى أهلك ..
ثم نظرت إلى خالد والفقيرين الأخرين:
– أنتم الأكثر فقرا بينهم.. الزيكولا ستحدد من منكما ذبيح يومنا..
( رواية ارض زيكولا )
244
فسقط خالد على ركبتيه، ونظر إلى أسيل، وكأنه لا يصدق ما سمعته أذناه..
وصاح بصوته :
– أسيل ..
فغادرت على الفور ، واتجهت إلى غرفتها، وما إن دلفت إليها حتى واصلت بكاءها
مجددا، وتحدثت إلى نفسها بصوت عال:
– لم أجد أمامي سوى ما فعلته.. لا أستطيع أن أظلم أحدا.. لا أستطيع ..
ثم أغمضت عينيها، وتحدثت:
– ستنجو من الزيكولا یا خالد.. ستنجيك الزيكولا.. إنك لا تستحق أن تذبح في
مدينتنا.. ستنجو.. ستنجو
أما خالد فقد أمره قائد الحرس بأن يتبعه هو ومن معه إلى قصر مجاور لقصر
الحاكم، وسمع جواد الذي مازال يقف بجواره يهمس إليه :
– ستذهبون إلى قصر النحاتين الأن..
فنظر إليه خالد دون أن يرد، ثم تابع جواد :
– إن كانت الطبيبة تحبك لأبعدتك عن هذا المصير..
فصاح به قائد الحرس :
.هيا.. أنت.. عليك أن تغادر القصر..
فتحدث خالد إليه :
. غد إلى حبيبتك يا جواد.. وإن ․ فابحث عن يامن، وأخبره كما قلت لك..
فابتسم جواد ثم تركه وغادر، وتحرك خالد مكبل اليدين والقدمين خلف قائد
الحرس الذي طالبه بأن يسرع.. حتى غادروا قصر الحاكم، واتجهوا إلى قصر
مجاور وسط تجمع كبير من أهالي زيكولا الذين وقفوا أمام القصر ليروا من الذين
سيخوضون تلك المنافسة رغم حلول الليل، وما إن رأوا خالد والفقيرين الآخرين
مكبلين ويتجهون نحو قصر النحاتين حتى صاحوا، وصاح أحدهم بصوت مميز:
( رواية ارض زيكولا )
245
– إنه الغريب الذي كان يعمل معنا بتقطيع الصخور .
وصاحت أخرى:
لقد رأيته من قبل يبحث عن مالك الكتاب غريب..
والجنود يحاولون أن يبعدوا الناس عنهم حتى وصلوا إلى قصر مجاور، والفوا
إليه، وعلم خالد منذ دخوله إلى ذلك المكان بأنه قلعة النحاتين.. حيث يصنع
تمثال من الصلصال لكل فقير منهم..
***
كان قصر النحاتين ذو واجهة فخمة، ونقوش خارجية على هيئة تماثيل لأشخاص
وحيوانات، تظهر خلف النيران المضيئة التي توهجت بقوة مع ظلام الليل مما
أعطته جمالا خاصا. أما داخله فقد أنير بمصابيح نارية عديدة، وكأن النهار قد
حل به، ولكنه لم يكن يمتلك ذلك الجمال بالخارج، ولم تكن به سوى بضعة
تماثيل قديمة يبدو أنها تحت لفقراء من قبل.. وكتل طينية بأركان صالاته
الكبرى ، وتفوح بأرجائه رائحة الصلصال.. حتى توقفوا جميعا حين ناداهم شخص
قصير القامة ممتلئ البطن رأسه صلعاء ولحيته طويلة جعل منها ضفيرات صغيرة
متعددة :
– عليكم أن تمكثوا هنا.. ثم أكمل :
– سيتولى كل نات بعد قليل صناعة تمثال كل منكم..
فمكثوا مكانهم، وبعد لحظات وجدوا ثلاثة رجال تترواح أعمارهم ما بين الشباب
والكهولة، وقد وقف كل منهم أمام فقير من الثلاثة، ونظر خالد إلى من يقف أمامه
وكأنه في حلم عميق، وهز رأسه لعله يفيق من هذا الحلم حتى ناداه من يقف
أمامه، ويمسك بأدوات النحت في يده :
– عليك ألا تتحرك أيها الفقير .. أتريد تمثالك مشوها؟!! ثم ضحك ساخرا.. وتابع:
– الزم السكون.. إيه إمامك أمهر وأسرع نگات بزيكولا.. سأنتهي من تمثالك في زمن
قياسي
( رواية ارض زيكولا )
246
فنظر إليه خالد، وأخرج زفيرا قويا.. ثم بدأ النحات عمله، وجلب كتلة ضخمة من
الصلصال، وبدأ يشكل أجزاءها بعدما يلمح بطرف عينه خالد، و وبين |
الحين والآخر
يقترب منه ليضع يده على رأسه، وكأنه يستخدمها للمقارنة بين قياساته..
.. ثم يعود
مجددا إلى تمثاله الذي بدأت ملامحه تظهر شيئا فشيئا..
***
النحاتون يعملون بمهارة وسرعة فائقة.. ويقف خالد ومن معه دون حراك.. ينتظر
كل منهم أن ينتهي من صنع تمثاله عله يغادر هذا المكان، وأسرع الوقت من مروره ،
حتى انتهى النحاتون من عملهم مع شروق الشمس، وقد صنعوا ثلاثة تماثيل من
الصلصال يشبهون أصحابهم، ونظر خالد إلى تمثاله الذي كان يقف شامځای
وتعتلي وجهه نظرة حزن واضحة، وهز رأسه في حزن ثم نظر إلى أحد الفقیرین
بجواره، وسأله:
– ماذا سنفعل الآن بعد نحت تماثيلنا؟
فرد الفقير بصوت واهن:
– لم يعد لنا سوى أن نخوض منافسة الزيكولا..
فسأله خالد :
– هل سنخوضها الآن؟
فرد قائد الحرس :
– لماذا تتعجل أيها الفقير؟!
– إن الوقت مازال باكرا.. ستكون المنافسة بعد ساعات من الآن.. حين تكون
الشمس عمودية.. أي منتصف النهار.. ثم أكمل:
– مع شروق شمس اليوم فتح باب زيكولا، وهناك الكثيرون ممن كانوا بخارجها،
واشتاقوا إلى احتفالاتنا مرة أخرى، وسيستغرق مجيئهم إلى هنا العديد من
الساعات ..
فتمتم خالد :
( رواية ارض زيكولا )
247
. فتح باب زيكولا؟!!
ثم تجاهل ذلك الأمر، وسأل قائد الحرس:
– ماذا سنفعل في تلك المنافسة؟ .. لقد أخبرني أصدقائي عنها من قبل.. ولكنني لا
أتذكرها جيدا..
فأجابه :
– أيها الفقير ستحدد الزيكولا مصيرك.. كي لا تقول إن الطبيبة هي من اختارت لك
الموت.. ما عليك سوى أن تختار ثلاثة أماكن من تمثالك هذا، وتحمهم بدروع
صغيرة، وستطلق سهام الزيكولا نحو تمثالك.. وإن أصابتك سهام أكثر من غيرك
كنت أنت ذبيح يومنا..
فصمت خالد، ونظر إلى أعلى:
– يارب ساعدني..
***
مير الوقت، واقتربت الشمس من تعامدها ظهرا على الأرض، واجتمعت الألوف من
أهالي زيكولا بساحة كبيرة بالمنطقة الوسطى، واصطفوا أمام منصة خشبية
عالية، وأخذوا يرقصون، ويغنون، وينشدون الأهازيج، وحمل الكثيرون منهم
أطفالهم فوق أكتافهم حتى أشار أحدهم إلى طفله:
– انظر.. إنها الزيكولا..
وأشار إلى المنصة حين قام مجموعة من الجنود بإزاحة قطعة قماشية كبيرة..
كانت تخفي أسفلها عمودين خشبيين سميكين ومتوازيين، ويصل طول كل منهما
إلى ثلاثة أمتار، وبينهما قرص خشبي دائري يصل قطره إلى ما يقارب مترا واحدا،
وتبرز منه ثلاثة أسهم طويلة، وتظهر من خلفه تروس حديدية تتباين أحجامها،
ويزداد لمعانها تحت أشعة الشمس، وبجوار تلك الآلة يقف رجل ضخم حليق
الرأس، لا يرتدي سوی سروال واسع، وتبرز عضلاته القوية، وذراعه الضخم الذي
يمسك بذراع حديدي امتد من أحد العمودين الخشبيين للزيكولا، ويمسك ذراعه
( رواية ارض زيكولا )
248
الآخر بذراع خشبي أقل طو ، ويتصل مباشرة بشريط يخرج من القرص الخشبي..
حتى صاح الجميع حین دقت الطبول، وظهر الحاكم بشرفة قصره.. تجاوره زوجته
وعلى ذراعيها رضيعها، وتجاورهما أسيل، والتي وقفت واجمة والقلق ينبعث من
عينيها.. ثم جلسوا جميعا ينتظرون بدء المنافسة..
***
الجميع ينتظرون.. الجميع يتراقصون، وأسيل تنتظر أن ترى خالدا.. يدق قلبها
بقوة.. تنظر إلى السماء مجددا، وتتحرك شفتاها متمتمة بهمسات غير مسموعة..
حتى وجدت الجنود يحملون التماثيل الثلاثة، ويصعدون بها إلى المنصة الخشبية
ويسير من خلفهم خالد ومن معه فتسارعت أنفاسها، وهللت الألوف المتواجدة
حين وجدوهم يصعدون المنصة..
بعدها التفت قائد الحرس إلى شرفة قصر الحاكم، وانحنى إليه فأشار إليه بأن
تبدأ المنافسة، فالتفت إلى خالد والفقيرين معه.. ثم أشار إلى أحد الفقیرین:
– ستبدأ أنت.. أين ستضع دروعك الثلاثة؟
فنظر إليه الفقير في صمت.. ثم تقدم بعدما فكت قيوده، ونظر إلى الزيكولا ثم
التفت إلى تمثاله، ونطق:
– سأحمي ذراع تمثالي الأيمن من أعلى، وفخذ تمثالي الأيسر، وأسفل بطنه..
فصاح قائد الحرس بأحد . جنوده:
– ضع دروعه كما أراد..
فوضع الجندي دروعا حديدة صغيرة تلائم الأماكن التي أرادها الفقير .. ثم حمل
التمثال ومعه جندي أخر إلى أمام الزيكولا .. لا تفصلهما إلا أمتار قليلة..
صمتت الأهازيج، وصمت من يتواجدون ، وكأن أنفاسهم قد حبست ثم نطق قائد
الحرس إلى الفقي :
– سينطلق كل سهم من سهامك الثلاثة حين تشير إلى حارس الزيكولا..
( رواية ارض زيكولا )
249
فرد الفقير بصوت واهن: حسنا..
ثم أشار القائد إلى الرجل الضخم الذي يمسك بذراع الزيكولا الحديدي بأن يحرك
أحد ذراعيها.. فابتسم الرجل مبررا أسنانه الصفراء الكبيرة.. وجذب الذراع
الحديدي نحوه فبدأت التروس الحديدية تتحرك ببطء، وتسرع من حركتها شيئا
فشيئا، وتحرك معها القرص الخشبي وما عليه من سهام، ثم زادت سرعته كثيرا ،
وأصبح يدور دون أن تظهر سهامه.. يدور حول نفسه ثم يتنقل بين العمودين
الخشبيين في حركة عشوائية خاطفة، لا يستطيع أحد توقعها، وخالد ينظر إليه،
وقلبه يدق بقوة، ويحدث نفسه :
– مستحيل أن أحدد اتجاه السهام..
حتى أشار الفقير الأول إلى حارس الزيكولا فجذب الرجل الذراع الخشبي القصير
على الفور.. فانطلق السهم الأول نحو تمثاله فأصاب عنق التمثال.. فصاح
الحضور ثم أكمل القرص دورانه، وبعد لحظات أشار الفقير مجددا إلى الحارس
فانطلق السهم الثاني فاخترق ذراعه الأيسر، فصاح الناس مجددا، وظهر التوتر
على وجه الفقير، ونظر إلى الزيكولا كثيرا، وإلى قرصها الذي يدور .. ثم أشار إلى
الحارس من جديد فانطلق سهمه الأخير فاصطدم بدرعة الحديدي فوق أسفل
بطن تمثاله.. فزاد صياح أهالي زيكولا ، وقت الطبول، وابتسم الفقير قليلا بعدما
لم يصب تمثاله سوی سهمين.. ثم أشار قائد الحراس إلى الفقير الآخر:
– ها تقدم لتحمي تمثالك..
فتقدم هوا وفعل مثلما فعل الفقير الأول، وكلما أشار إلى حارس الزيكولا
صاح الناس.. حتى انتهى من سهامه الثلاثة، ولم يصب تمثاله إلا سهم واحد
اخترق بطنه السفلى، ورقص فرحا مع دقات الطبول بعدما أيقن أنه قد نجا
بذلك.. ثم أشار قائد الحرس إلى خالد:

( رواية ارض زيكولا )
250
– هنيا، لم يعد سواك.. إما أن تنجو بألا يصيب تمثالك سهام أو يصيبه سهم واحد..
أو يصيبك سمان فتعاد المنافسة بينك وبينه.. وأشار إلى الفقير الاول.. أما غير
ذلك فستكون ذبيح غد..
خالد
نحو تمثاله، ووقف أمامه دون أن يفعل شيئا.. فصاح به القائد :
فتقدم
– أسرع .
فنظر خالد إلى قرص الزيكولا، والذي رعت به السهام من جديد.. ثم نظر عاليا
إلى شرفة قصر الحاكم حيث تجلس أسيل.. بعدها نظر إلى تمثاله، وأغمض
عينيه، وتمتم بآيات قرآنية ثم فتحهما، ونظر إلى القائد:
– أريد أن أضع دروعي كي تحمي صدر تمثالي، وعضد ذراعه الأيسر.. ثم صمت
مجددا، ونظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله وأكمل:
– و أريد أن أحمي رأس تمثالي..
فأشار القائد إلى جنوده بأن ينقلوا تمثاله أمام الزيكولا، وأن يضعوا دروعه مثلما
أراد.. ثم أمر حارس الزيكولا بأن يبدأ دوران قرصها.. فبدأت التروس تتحرك من
جديد، وخالد يراقب القرص الذي يدور مسرعا ويتحرك بين العمودين
الخشبيين.. حتى سمى الله ثم أشار إليه فانطلق السهم الأول فصاح الجميع حين
أصاب فخذ تمثاله الأيمن.. فدق قلبه بقوة، ودق قلب أسيل، وانتفض وكأنها
تسمع دقاته، والقرص يواصل دورانه، وخالد لا يعلم ماذا يصنع.. لا يرى تلك
السهام بالقرص، وأيهما سينطلق.. ثم أشار إلى الحارس مجددا فانطلق السهم
الثاني فأصاب فخذه الأيمن مرة أخرى.. فأمسك برأسه، وحدث نفسه، وكأن
أنفاسه تقطعت:
– تمالك يا خالد.. تمالك..
– عليك أن تفكر قليلا.. لم يعد سوى سهم واحد.. إما أن تعاد المنافسة.. وإما إن
تكون ذبيح غد..
وأسيل تحدث نفسها:
( رواية ارض زيكولا )
251
– تمالك يا خالد.. تمالك..
ثم نظر إلى القرص مجددا، والجميع أنفاسهم محتبسة.. ينتظرون إشارته الأخيرة ،
وحارس الزيكولا يبتسم، ويتأهب كي يجذب ذراعها، ومازالت عينا خالد تتحرك
مسرعة بين قرص الزيكولا وبين تمثاله الواقف أمامه، وأسيل تتمتم وتتحرك
شفتاها في توتر، وتلمع عيناها بالدموع.. حتى إنها لم تستطع أن تواصل جلوسها،
ونهضت لتقف مكانها، وأغمضت عينيها بعدما وجدته يشير إلى حارس الزيكولا بأن
يطلق سهمه الأخير .
***

رواية ارض زيكولا الفصل التاسع عشر


( رواية ارض زيكولا )
252
(19)
أشار خالد إلى حارس الزيكولا بأن يطلق سهمه الأخير.. واحتبست أنفاسه حين
بدأت يد الحارس تجذب ذراع الزيكولا، حتى انطلق السهم الثالث فأصاب فخذ
تمثاله الأيمن مرة أخرى.. فصاحت الألوف المتواجدة بأنه ذبيح زيكولا، ودقت
الطبول من جديد وقد اختلفت دقاتها عما قبل المنافسة، وخالد ينظر إلى تمثاله
في ذهول واحمر وجهه وزاد العرق على جبينه، ثم نظر إلى من يرقصون ويحتفلون
وكأنه لا يصدق نفسه..
تتسارع أنفاسه، ويدق قلبه بقوة، ويضع يده حول رقبته يتحسسها وكأنها في
کابوس يود أن ينتهي منه، أما أسيل فغادرت شرفة الحاكم على الفور بعدما لم
يستطع خالد النجاة من الزيكولا، وقد أثار مغادرتها فجأة دهشة الحاكم وزوجته،
وأسرعت إلى حجرتها تحدث نفسها: لووضعت دروعك لتحمي فخذ تمثالك الأيمن
النجوت.. ماذا أفعل؟.. سيذبح غدا..
ودموعها على وجهها، وتسرع وعقلها لا يتوقف عن التفكير، وتتحدث إلى نفسها
مجددا بصوت مسموع :
أنا من سبب كل هذا..
أنا من أخبرته عن مكان رأس المثلث.
( رواية ارض زيكولا )
253

أنا من تركته يدفع من وحداته الكثير دفعة واحدة دون أن أوقفه..
كان لي الحق أن أعترض على ذلك..
– أنا من دفعت به إلى الزيكولا..
ثم دلفت إلى حجرتها، وما زالت تصيح إلى نفسها:
– ماذا أفعل؟ .. ماذا أفعل؟ .. سيذبح من أحبه غدا..
ثم وضعت رأسها بين يديها، وصمتت وكأن أصابها الهدوء..
***
أصبح الطريق الممهد بين المنطقة الوسطى والمنطقة الشرقية مزدحما بالكثير من
العربات والأحصنة والمشاة من أهالي زيكولا بعدما بدأ الكثيرون منهم ينتقلون إلى
المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال، وبينهم عرية بها خالد مكبل اليدين
والقدمين وأمامه قائد حرس الحاكم، والذي نظر إلى خالد وقال :
– ستبيت الليلة ببيت فقراء المنطقة الشرقية ..
فلم يرد . خالد، وظل صامتا فأكمل القائد :
– عليك أن تسعد بما أنت به.. ستموت فداء لمولود الحاكم..
– ترى كم ستجلب السعادة لكل هؤلاء الأشخاص
وأشار إلى خارج العربة، وصمت ثم ا أكمل
– أترى ذلك الزحام؟ .. إنه ليس الزحام الأكبر.. إن الكثيرين لم يحضروا الزيكولا
اليوم.. هناك من خرجوا بعد فتح باب زيكولا.. ولكن مع شروق شمس غد سيغلق
بابها، وسترى كم من أهل زيكولا سيحتفلون معك عيدنا..
فصاح به خالد غاضبا :
– أريدك أن تصمت.. أريدك أن تصمت..
بعد لحظات:
( رواية ارض زيكولا )
254
فضهر الغضب على وجه قائد الحرس، وتقوس حاجباه ثم صمت، وتابع خالد
نظره عبر نافذة العربة .
***
مر الوقت، ووصلت العربة إلى المنطقة الشرقية مع غروب الشمس، ومرت أمام
البحيرة التي طالما مكث خالد على شاطئها ثم أسرعت بأحد شوارع تلك المنطقة
وتوقفت أمام بيت يتواجد أمامه الكثير من الجنود فنظر القائد إلى خالد في
غلظة:
– هنيا.. لقد وصلنا بيت الفقير..
***
مازالت أسيل بحجرتها بقصر الحاكم.. تجلس على أرضية الحجرة مسندة ظهرها
إلى الحائط، وتنظر إلى أوراق خالد أمامها حتى نهضت، وأحضرت ورقة جديدة ،
وأمسكت بقلمها، وأزادت من إضاءة المصباح الناري ، وكتبت:
– سيموت من أحبه غدا..
– وأنا من سيحتفل .
ثم توقفت يدها عن الكتابة، ونظرت إلى ما كتبته فمزقت الورقة ثم نهضت
التتحرك جيئة وذهابا، والتوتر يكسو وجهها حتى نظرت خارج شرفتها فوجدت
الظلام قد حل. وبدأت الألعاب النارية تضيء سماء زيكولا ، ثم سمعت صوت
وصيفتها يأتيها من الخارج :
– سيدتي.. سيدي الحاكم يسألك إن كنت تودين الذهاب ضمن موكبه غدا إلى
المنطقة الشرقية..
فلم تجها ثم حملت أوراق خالد وأوراقا أخرى معها، وهمت لمغادرة الحجرة..
***
( رواية ارض زيكولا )
255
بخالد بإحدى غرف بيت الفقير بالمنطقة الشرقية، وظل قابعا بها وسط
ظلامها.. ينام على جنبه، لا يستطيع أن يفكر في شيء.. يستمع إلى صوت الألعاب
النارية بالخارج، وإلى احتفالات الأهالي، ولكنه لا أمامه
سوى الذبيح الذي
أطاح السياف برأسه.. لا يعلم هل يريد أن يمر الوقت سريعا كي تنتهي تلك
اللحظات التي يعيشها.. أم يمر ببطء لعل تلك اللحظات تحمل أملا جديدا.. حتى
فتح باب الغرفة، ودلف إليه أحد الجنود، ومعه رجل آخر قصير القامة، وتحدث
إليه الجندي:
– أيها الفقير .. انهض ..
– ستحلق رأسك الآن .
فرد مندهشا: ماذا؟ !!
فأكمل الجندي: لابد وأن يكون ذبيح زيكولا حليق الرأس ..
فصمت خالد.. ثم أشار الجندي إلى من معه بأن يستعد لبدء عمله فاقترب من
خالد، والذي بدا عليه اليأس والاستسلام، ولم يتحرك.. ثم وضع على رأسه مادة
خضراء لزجة أخرجها من وعاء زجاجي بحقيبته، وبدأ يدلكها بين شعر خالد
الطويل، ويضع المزيد منها، ويزيد من تشبع الشعر بها، ثم وضع القليل منها على
الحيته، ودلكها هي الأخرى، ثم أخرج آلة حادة تشبه السكين الصغير ولكنها أقل
مگا، وبدأ يحلق شعره والذي بدا عليه الاستسلام كصاحبه، وتساقطت صله
بجواره متلاصقة، وخالد يجلس صاما.. ينظر إلى الجندي أمامه، وكلما سأله
الحلاق عن شيء لم يجبه.. حتى انتهى من رأسه، ثم أسرع فقص لحيته، وابتسم
إلى خالد :
– لقد انتهينا أيها الفقير
ثم أخرج مرأة لامعة من حقيبته:
– انظر إلى نفسك ..
( رواية ارض زيكولا )
256
ووضعها أمامه بمكان تتخلله الإضاءة عبر باب الغرفة، فلمح خالد نفسه وقد أزيل
شعر رأسه ولحيته بالكامل فهز رأسه في حزن، ثم تحرك بجسمه إلى ركن بالغرفة،
ونام على جانبه واضعا ساعديه أسفل رأسه..
***
مرت ساعات قليلة، واقترب فجر يوم زيكولا، وسيطرت الدهشة على قصر الحاكم
بعدما اختفت الطبيبة فجأة، ولا أحد يعلم أين ذهبت.. إن غادرت فلماذا تركت
أغراضها بحجرتها؟!.. لا يعلمون أنها قد وصلت إلى المنطقة الشرقية، واتجهت إلى
بيت الفقير حتى أوقفها أحد الجنود فابتسمت إليه :
– أنا طبيبة زيكولا، وأريد أن أرى الفقير الأن .
فصمت الجندي ثم أجابها :
– حسنا سيدتي .. ولكن علي المغادرة سريعا..
ثم فتح باب الغرفة، ودلفت إليها فوجدت خالدا نائما فاتحا عينيه بأحد أركانها،
وقد خلق رأسه.. فحاولت أن تتمالك نفسها وتمنع سقوط دموعها.. ثم جلست
أمامه بركن أخر بالغرفة دون أن تتحدث، ومرت دقائق وهي تنظر إليه، وكلما
أرادت أن تتحدث تصمت مجددا، وخالد ينظر إليها صامتا.. حتى نطقت :
– كيف حالك يا خالد؟
فلم يرد فصمتت مجددا ثم أكملت بصوت هادئ:
– كنت أحذرك دوما حين كنت تفقد ذكاءك..
– أنقذت الفتى، ولم تأخذ مقابلا..
– أنقذت الطفل من المرض، ولم تقبل أن تأخذ شيئا مقابل الخير..
ثم علا صوتها، واختلط صوتها بالدموع :
( رواية ارض زيكولا )
257
– أخبرتك أننا في زيكولا.. لابد أن تأخذ مقابلا لكل شيء..
ثم صمتت، ورشفت دموعها، واكملت:
– أرى أنك غاضبا مني.. لكنني أعلم أنك تحب الخير..
أريدك فقط أن تسأل نفسك.. هل كنت ستظلم أحدا أخر إن كنت مكاني..
ثم نظرت إليه، وعلا صوتها مجددا:
– لماذا لا تجيب ؟!!
ثم نهضت، وتحركت نحوه، واقتربت منه، وأكملت:
– أعلم أنك تحبني يا خالد، ولكن عليك أن تضاعف حبك الكثير من المرات كي تعلم
كم
أحبك .
وجلس مكانه لمتابعت سی
فنهض خالد من نومته،
أسيل:
– خالد.. لن أتركك تموت هنا..
فرد خالد في ضعف، وقد أسند رأسه إلى الحائط :
– ماذا ستفعلين؟ .. هل ستعطيني من ذكائك ؟!!
– وإن كنت ستعطينني.. فمقابل ماذا؟!.. لا أمتلك شيئا أعطيه لك مقابلا..
ثم ضحك ساخرا، ونظر إلى سقف الغرفة :
– أعلم جيدا أنه في تلك المدينة لابد أن يكون هناك مقابلا لانتقال الذكاء ..
ثم تحدث في هدوء:
– اذهبي، واحتفلي غدا مع من يحتفلون.. إنهم ينتظرون وژدك غدا.. إنهم ينتظرون
ابتساماتك إليهم ..
فصمتت أسيل حتی دلف الجندي إلى الغرفة، ونظر إليها:
( رواية ارض زيكولا )
258
– سيدتي .. عليك أن ترحلي الآن..
فنظرت أسيل إلى خالد ثم بدأت تخطو خارجة من الغرفة.. وما إن وصلت بابهاء
وكاد الجندي أن يغلقه حتى أسرعت عائدة إلى خالد، ونظرت إليه، ووضعت رأسه
بين كفيها:
– خالد.. أريدك أن تقبلني..
فنظر إليها خالد :
– ماذا؟!!
فأكملت: أريدك أن تقبلني فحسب..
وتساقطت دموعها:
– أريدك أن تقبلني يا خالد.. إن كنت تحبني حقا فقبلني .
فصمت خالد فابتسمت والدموع تملأ عينها:
. حسنا.. سأقبلك أنا..
ثم بدأت تقبله، والجندي ينظر إلى ما تفعله أسيل في دهشة، ويبتسم وكأنه يتمنى
لو كان هو الفقير بعدما طالت قبلتها وكأنها لا تأبه بشيء مما حولها.. حتى انتهت
ثم نظرت إلى خالد مرة أخرى ومسحت دموعها، وغادرت على الفور..
***
أشرقت الشمس، وأغلق باب زیکولا، وتعالت مع غلقه دقات الطبول حتى فتح باب
غرفة خالد، وتقدم إليه قائد الحرس:
– هيا.. ستبدأ الاحتفالات بعد قليل..
ثم أمر جنوده بأن يحضروه، وأركبوه عربة يغطيها قماش أسود اللون يستطيع أن
يرى الناس من خلال فتحة صغيرة به دون أن يراه من خارج العربة.. وتحركت
( رواية ارض زيكولا )
259
مختلف.. ثم
العربة، وخالد ينظر إلى الكم الهائل من الناس الذين يسيرون بانتظام، ويرتدون
ملابس تبدو جديدة.. الرجال يمسكون بأيدي النساء.. والفتيان يمسكون بأيدي
الفتيات.. ويسيرون في فرحة شديدة.. يضع كل منهم حول رقبته عقدا من الورد،
وتظلهم الموسيقى التي يعزفها مجموعة من الأشخاص أصحاب زي
نظر حزينا إلى الشباب الذين يمتطون أحصنتهم وخلف كل شاب فتاته تلف يدها
اليسرى حول خصره واليمنى تمسك بها ورد وتلوح بها.. ينظر إلى الحركات
البهلوانية ويزيد حزنه بأنهم يحتفلون بذبحه.. يتحدث إلى نفسه بأنه قد احتفل
معهم منذ شهور بذبح فقير غيره.. إنهم لا يشعرون بما يشعر به الأن..
الذبيح
شماره الشعوب العاب
تسير العربة وسط الزحام، وقلب خالد يدق بقوة حين يجد الصبيان يشيرون إلى
عربته ذات القماش الأسود، ويصيحون :
– انظروا .. إنها عربة |
والذين صاحوا مجددا حين أشاروا إلى عربة فخمة تسير بالموكب:
– إنها عربة الطبيبة.. هيا لنلتقط الورد..
وخالد ينظر إليهم في أسي، ويتذكر حين التقط وردة أسيل وابتسمت إليه، حتى
أصابته الدهشة بعدما ظهرت فتاة أخرى غير أسيل، وبدأت تلقي بالورد وسط
تعجب من يسيرون، وأكمل الموكب مسيره.. حتى وصل الجميع إلى ساحة
الاحتفال..
***
ألوف من أهالي زيكولا متواجدون.. الجميع يقفون أمام منصة الذبح ينتظرون
وصول الحاكم كي يبدأوا الاحتفال.. وخالد يمكث بعربته، يعلم أنها لحظات
وسينتهي كل شيء.. الجميع يتراقصون.. الفتيان يداعبون الفتيات، والفتيات
ترقصن وتهتز أجسادهن مع الموسيقى، وتبدو عليهن السعادة الشديدة، والزحام
بكافة أرجاء ساحة الاحتفال، وبينهم يامن الذي يتحرك بصعوبة، ويريد أن يصل
( رواية ارض زيكولا )
260
إلى الصفوف الأمامية القريبة من المنصة، وقد بدا عليه التعب الشديد، وربما
كان الوحيد بين من يحتفلون الذي لا يرتدي ملابس تليق بهذا الاحتفال.. بل كانت
ملابسه بالية تلائم وجهه الذي يكسوه الحزن.. حتى سألته فتاة:
– لماذا لا ترقص؟!
فلم يجبها، وأكمل سيره وسط الزحام.. حتی دقت الطبول، وعلا معها صوت النفير
بعدما وصل الحاكم وزوجته ومساعدوه، واتخذوا أماكنهم بسرادق فخم مرتفع
أمام منصة الذبح ثم صعد رجل ضخم إلى المنصة الخشبية وبيده سيف طويل،
ونظر إلى الحاكم وانحنى له.. بعدها دقت الطبول كثيرا، وصمتت الموسيقى،
وصعد جنديان أقوياء يجران خالد حليق الرأس، مكبل اليدين والقدمين.. فدقت
الطبول مرة أخرى، ونزل أهل المدينة جميعهم على ركهم بعدما أسقط خالد على
ركبتيه، والناس ينظرون إليه، وبينهم يامن الذي أثر أن يغمض عينيه ثم نظر
السياف مجددا إلى الحاكم فأشار إليه بأن يتابع عمله، وكاد يوخز ظہر خالد كي
يشهق برأسه.. حتى صاح فتى بين من يقفون :
– إنه غني.. إنه غني ..
فنظر إليه خالد فوجده ذلك الفتى الذي أنقذه من الغرق من قبل.. ثم صاح رجل
أخر
– نعم.. إنه ليس فقيرا ..
ففتح يامن عينيه.. ثم نظر إلى خالد فوجده ليس شاحبا.. فصاح هو الآخر:
– نعم.. إنه ليس فقيرا ..
وخالد ينظر إلى ذراعيه في دهشة، وقد زال شحوبهما، ثم وجد الفتى يسرع إلى
المنصة ويجثو على ركبتيه بجواره، ويتحدث إلى الحاكم ومن معه، وقد علا صوته:
( رواية ارض زيكولا )
261
– انظروا إليه.. إنه ليس فقيرا.. وأنا أيضا لست فقيرا .. إن كنتم تريدون أن تذبحوا
من ليسوا فقراء احتفالا بمولودكم .. فاذبحوني معه..
ثم فوجئ خالد بأم الصبي الذي أنقذه من ضربة الشمس تسرع مع طفلها إلى
المنصة، وتجثو على ركبتيها، وصاحت:
. لقد أنقذ هذا الشاب ولدي، ولن أتركه يموت ظلما.. حسنا، أنا وولدي لسنا
فقراء أيضا.. فاذبحونا معه..
ثم صاحت فتاة بين من يقفون بالأسفل، كانت فتاة الليل بالمنطقة الشمالية:
– أقسم إنه ليس فقير.. أنا أعرف هذا الشخص جيدا.. انظروا إلى جلده.. كيف
يكون هذا جلد فقير..
وصاح يامن مجددا :
– منذ متى يذبح الأغنياء هنا؟!
ثم فوجئ بجميع من كانوا يعملون معه بتكسير الصخور يصيحون جميعا :
– إنه ليس فقيرا .. إنه ليس فقيرا..
وسادت الضوضاء ساحة الاحتفال، وصعد الكثيرون إلى المنصة، وسقطوا على
ركهم بجوار خالد، وجميعهم يقولون إن كان سيذبح فإنهم يريدون أن يذبحوا
أيضا طالما تواجد الظلم بذلك اليوم.. حتى نظر السياف إلى الحاكم، وكأنه لا يدري
ماذا يفعل بعدما امتلأت المنصة بالكثير من عمال زيكولا.. فنهض الحاكم، وسأل
أحد مساعديه:
– أين طبيبة زيكولا؟
فأجابته إحدى الوصيفات :
– ليست لها أثر منذ الأمس سيدي..
( رواية ارض زيكولا )
262
فصاح إلى مساعده :
– أريد طبيب تلك المنطقة على الفور..
فتقدم أحد الأشخاص، وانحنى إليه ثم تحدث:
– أنا طبيب المنطقة الشرقية بعد الطبيبة أسيل .
فنظر إليه الحاكم : أريدك أن تخبرني كم يمتلك هذا الشاب من ذكاء..
فانحنى إليه الطبيب مجددا :
-حسنا
سيدي..
ثم اتجه الطبيب إلى المنصة، واقترب من خالد، وخيم الصمت على الجميع..
يترقبون ذلك الطبيب، وقلب يامن ينتفض بقوة واحتبست أنفاسه.. وهو يراه
يضع يده على جلد خالد، ويمسك بثنياته وأطال نظرته إليه.. ثم عاد إلى الحاكم:
– سيدي ، إنه ليس فقيرا.. إنه يمتلك الكثير من وحدات الذكاء تجعله أكثر ثروة من
الكثير من أهالى زيكولا..
فسأله الحاكم: وكيف لم ينج من الزيكولا؟
فابتسم الطبيب: نعلم جميعا أن الزيكولا تمثل القدر سيدي.. وقد لا ينجو منها
أكثرنا ثروة..
فصمت الحاكم ثم نظر إلى الطبيب مجددا :
– ولماذا اختارته الطبيبة، وهو يمتلك تلك الوحدات من الذكاء.. أتريد أن يكون
الاحتفال بولدي بأن أظلم أحدا؟!
ثم تابع: إنها بما فعلته خائنة لزيكولا ..
ونظر إلى أحد مساعديه :
( رواية ارض زيكولا )
263
– لم تعد تلك الفتاة طبيبة زيكولا بعد اليوم.. بل لم يعد لها مكان بزيكولا .. لا يوجد
بيننا مكان لخائنة..
ثم نظر إلى خالد الذي كان يترقب الحاكم دون أن يسمع حديثه بينه وبين مساعديه
وطبيبه :
– لقد عفونا عنك يابني.. إننا لا نظلم أحدا.. ليست زيكولا أرضا للظلم.. سيكون
مولودي أكثر سعادة وفخرا باحتفالك معنا..
ثم أمر قائد الحرس بأن يطلق سراحه.. فصاح الجميع مهللين، وأسرع يامن إلى
المنصة، واحتضن خالد، ودموعه تتساقط :
. لقد نجوت يا صديقي.. لقد فعلتها.. كنت أعلم أنك ستنجو.
ثم اقترب خالد من ذلك الفتى الذي صعد إلى المنصة فابتسم الفتى، واحتضنه:
– مبارك لك أيها القوي ..
فابتسم خالد، وعيناه تلمع بالدموع :
. لقد أنقذت حياتي..
فابتسم الفتی:
– أنت من أنقذت حياتي أولا..
ثم بدأت الاحتفالات من جديد، وتعالت الموسيقى والتي بدت وكأنها أكثر بهجة..
وبدأت الفتيات ترقصن من جديد.. والكثير من أهل زيكولا يتجهون إلى خالد
اليصافحوه، وخالد يسير بينهم، وتتقلب عيناه بكل مكان.. يتحرك بين الزحام
بصعوبة.. يبحث عن شخص واحد لا يريد سوى أن يجده.. إنها أسيل.. يتحرك في
كافة الاتجاهات يتمنى أن يجدها.. ويسأل كل من يقابله.. هل رأيت الطبيبة؟..
والموسيقى تتزايد، وخالد يبحث بين الفتيات، وكلما وجد فتاة تشبهها يقترب منها..
حتى يعتذر حين لا يجدها هي.. حتى أصابه اليأس، وغادر ساحة الاحتفال، وجلس
( رواية ارض زيكولا )
264
على جانب أحد الشوارع وحيدا بعدما فقد ياما وسط الزحام، وظل يفكر بما
حدث له، وكأنه لا يعي شيئا مما عاشه، وينظر إلى ذراعيه، ويسأل نفسه: كيف
حدث ذلك؟.. وأين أسيل؟.. ولماذا لم تحتفل مع أهل زيكولا كعادتها؟.. حتى اقتربت
منه طفلة صغيرة :
– سيدي.. عليك أن تذهب إلى البحيرة الآن .
فابتسم خالد إليها:
– لماذا؟
فابتسمت الطفلة وقالت :
– لا أعلم، لقد أخبرتني الطبيبة بالأمس.. بأن أخبر من ينجو من الذبح بأن يذهب
إلى البحيرة ..
***

رواية ارض زيكولا الفصل العشرون


( رواية ارض زيكولا )
265
(20)
اتسعت حدقتا عيني خالد بعدما سمع هذه الكلمات: “الطبيبة؟!.. أسيل..”
ثم أسرع ممدوا إلى البحيرة.. يدق قلبه بقوة.. لا تنطق شفتاه سوى بكلمة واحدة:
أسيل.. وينطلق بين من يحتفلون ، ويرتطم بهم ثم ينحني لهم ليقدم اعتذارد.. ثم
ينطلق مجددا، وقد ارتسمت البسمة على وجهه.. حتى وصل إلى شاطئ البحيرة ،
وظل يبحث عنها بكل مكان به، وصاح بصوته: أسيل.. أسيل.. ولكنه لم يجدها،
وظل يصيح بصوته يناديها، ولكن دون جدوى حتى اقترب من شجرته التي طالما
جلس بجوارها، وبدا على وجهه الحزن، فلمح ورقة قد علقت بتلك الشجرة،
وتتحرك مع الرياح، فالتقطها على الفور فوجدها تبدو كرسالة تركتها أسيل.. وقد
كتبت ها:
لا أعلم كيف أبدأ حديثي.. ولكنني أتمنى أن تقرأ كلماتي تلك ياخالد.. ربما لا أكون
ماهرة في الكتابة مثلك.. ولكنني أريد فقط أن أعبر عما يدور بذهني.. أريدك أن
تعلم كم كنت أحبك.. لقد أحببتك منذ رأيتك تنقذ الفتى من الغرق.. وأنت من
جعلني أشعر بالأنانية بعدما لم أردك أن تغادر وتترك زيكولا.. كنت أظهر لك
مساعدتي ، ولكنني لم أتمن لحظة واحدة أن تغادر .
( رواية ارض زيكولا )
266
خالد، لم أستطع أن أراك ذبيح زيكولا، وأظل أنا أحتفل بذلك اليوم.. أريدك بعد
أن نجوت أن تخبر غيرك بأنك تمتلك أغلى كتاب بتاريخ زيكولا.. كما أنك تمتلك
أيضا أغلى قبلة بتاريخها..
أتتذكر حين أخبرتني أنك لا تمتلك شيئا تنال مقابله وحدات ذكاء؟.. إنك لا ترى ما
تمتلكه یا خالد.. لقد رأيت ذلك.. وكانت تكفيني تلك القبلة كي أدفع لك أغلى ثمنا
مقابلا لها.. كي تنجو من ذلك اليوم، وتعود إلى حبيبتك؛ ذكيا كما كنت..
.. أريدك
فقط أن تعود إليها وتعيشا سعيدين.. . أنا أعلم أنها لن تجد مثلك، وأعلم أيضا أنك
لن تستطيع العيش هنا، وأعلم جيدا أنني لن أستطيع العيش بعالمك.. غد إليها،
وأتمنى أن تتذكرني بين الحين والآخر..
ربما تجد ذلك النجم بالسماء.. فإن وجدته فاعلم أنني أراه أيضا وأتمنى لك
السعادة وقتها.. أعتقد أنني لن أترك السماء ليلة دون أن أتأملها بحثا عنه..
لقد أخبرتك أنني إن تركت زيكولا سأتركها لسبب قوي للغاية.. ولا أعتقد أنني
سأجد سببا أقوى من إبقائك على قيد الحياة، وأريدك أن تخبر يامنا أنني أعلم
جيدا أن من يحب سيفعل كل شيء من أجل من يحبه..
سأذهب إلى بلدي بيجانا، وسأعمل هناك طبيبة أيضا.. أعلم أنهم في حاجة إلى
وسأخبرهم دوما عن ذلك الشاب الذي أتى إلى زيكولا، وعمل الكثير من الخير دون
أن يتقاضى عنه مقابلا..
في النهاية، اسمح لي يا خالد.. لقد احتفظت بأوراقك التي طالما جعلتني أشعر
بسعادة لم أذقها من قبل.. وأتمنى أن تكون قد شعرت بكلماتي، وأعلم أنني لست
ماهرة بالكتابة.. ولكن علي أن أرحل الآن قبل أن تشرق الشمس، ويغلق باب
زيكولا).
فهمس خالد إلى نفسه : “باب زيكولا..”
ثم أسرع يعدو تجاه باب زيكولا .. يجري ولا يشعر بشيء من حوله.. يجري ولا تدور
برأسه سوی کلمات أسيل.. يجري مسرعا كأنه لم يجر من قبل.. يتمنى أن تنقله
( رواية ارض زيكولا )
267
الرياح إلى ذلك الباب.. من يراه يندهش، ويرتطم بهذا وذاك.. ويواصل عدوه،
ويسقط وينهض ليعدو مرة أخرى.. يستمع إلى أنفاسه المتسارعة، ويكمل عدوه
وسقطت منه الورقة فتركها.. وأكمل طريقه.. حتى وصل إلى باب زيكولا فوجده
مغلقا، وأمامه حارس ضخم الجثة فصاح به:
– أريد أن أخرج..
فابتسم الحارس:
– ألا ترى؟ !!. لقد أغلق الباب مع شروق شمس اليوم..
فصاح خالد مجددا :
. لابد أن أخرج ..
فظهر الغضب على وجه الحارس حتى صاح خالد مرة أخرى، وحاول أن يزيح
الحارس بذراعه فدفعه الحارس بدرعه فعاد خطوات إلى الخلف، وسقط ثم نهض
مجددا، وعاد إلى الحارس:
– أريد أن أخرج..
فضربه الحارس ضربة قوية بدرعه أسقطته على ظهره، و جعلت الدماء تنزف من
وجهه فاقترب منه يامن ، وأمسك بكتفيه:
– ها يا خالد.. لابد أن نرحل عن هنا..
فنهض خالد، ونظر إلى الباب الضخم.. وانتفخت عروق رقبته، وصاح بصوته كأنه
يود أن يهز جدران تلك المنطقة:
– أسيييييل.. أ أسيييييل..
فجذبه بامن :
– ها يا خالد.. ها.. لابد أن نرحل عن هنا..
ثم أعطاه ورقة أسيل التي سقطت منه ، وقال :
( رواية ارض زيكولا )
268
– لا تستطيع أسيل العودة إلى هنا مجددا ..
– كانت تعلم أنها ستصبح في نظر تلك المدينة خائنة.. ففضلت أن تتركها بكافة ما
تمتلكه..
فصاح به خالد:
– إنها ليست خائنة ..
فابتسم يامن:
– أعلم ذلك يا صديقي.. لقد قرأت تلك الورقة ثم نظر إليه:
– لقد ضحت بكل شيء من أجل حياتك يا خالد…
– أنت تعلم ما كتبته إليك.. ما تمنته لك أن تعود إلى حبيبتك في عالمك.. وأن تعيش
حياتك سعيدا.. هذا سيكفل لها السعادة..
– خالد، عليك أن تفعل ما يجعلها سعيدة الأن..
فنطق خالد حزيا:
– كان لابد أن تعرف أن حبيبتي تلك قد تزوجت..
فصمت يامن ثم قال:
– لن تستطيع أسيل العودة إلى هنا.. ولن تستطيع أنت اللحاق بها.. عليك أن تعود
إلى بلدك. لقد فعلنا الكثير كي تتحقق أمنيتك بعودتك إلى بلدك..
فجلس خالد، وأمسك برأسه.. وحدث نفسه بصوت مسموع:
– لم أكن لأرضى أن تفعل ذلك..
فصاح به یامن:
ولكنها فعلته، ولم يعد هناك وقت لما تفعله الأن.. هيا انهض..
ثم جذبه
( رواية ارض زيكولا )
269
– أعلم أنك صديقي، ولكن أيها الصديق لا أريدك أن تظل هنا ببلدي.. عليك أن
تعود إلى بلدك..
فضحك خالد ساخرا:
– بلدي؟! كيف؟.. لابد وأن صاحب البيت بالمنطقة الغربية قد عاد إليه، وانتهی
كل شيء..
فصمت يامن ثم أكمل مبتسما:
– أو ربما لم يعد بعد..
ثم أكمل :
– سيعود إلى بيته بعد غد..
فنظر إليه خالد متعجبا:
– كيف وقد أخبرنا الفتى بأنه سيعود إلى بيته مع يوم زيكولا؟!
فابتسم يامن :
– أعتقد أن مائتي وحدة ذكاء كافية لتجعله يترك بيته ليلتين..
فسأله خالد في دهشة :
ما باید بعد این
– مائتا وحدة؟!
فابتسم يامن: نعم ..
فسأله خالد مجددا: أعطيته مائتي وحدة؟!
فأجابه يامن: نعم..
فنظر إليه خالد: كيف تدفع تلك الوحدات؟
فأجابه يامن، ولا زالت الابتسامة على وجهه:
( رواية ارض زيكولا )
270

– ليست أسيل فقط من تقدم المساعدة.. حين جعلتنا نتخلص من أخذي وحدات
الحماية كي نأكل دجاجا، ونوفر وحدتين كل يوم.. لم أكن أكل الدجاج.. ثم زادت
ابتسامته:
– لم أخبرك من قبل أنني لا أحب الدجاج.. وسامحني لأنني لم أحضر منافسة
الزيكولا بالأمس.. كان لابد، وأن أمكث هنا أمام ذلك الباب، وأنتظر النهار بأكمله
مع الخادم كي أجد صاحب البيت، وأقيم له عرضي قبل أن نفقده و ويضيع
كل
شيء..
فسأله خالد :
– وما مقابل تلك الوحدات يا يامن؟
فنظر إليه يامن:
– لا تكفي تلك الوحدات مقابلا لتلك الشهور التي كنت بها صديقا وفيا لي..
فابتسم خالد ثم احتضنه، فهمس يامن إلى أذنه:
– هنيا، عليك أن ترحل الآن.. الطريق إلى المنطقة الغربية طويل.. هناك ينتظرك
إياد.. ستعطيه ذلك الحصان حين تصل إليه.. ثم أشار إلى حصان أسود قد عقله
بالقرب منهما وتبدو عليه القوة..
فسأله خالد، وكأنه لا يصدق مفاجأته:
– ومن أين لك بهذا الحصان أيضا؟
فابتسم يامن:
– لا تقلق، لقد استأجرته كي أتي به إلى هنا.. كان لابد أن أسرع.. ولكنني تذكرت أن
الحصان لابد وأن يعود إلى صاحبه بالمنطقة الغربية، وأنا إن ذهبت إلى هناك كي
أعيده.. فكيف أعود هنا مجددا؟!
ثم أكمل ضاحكا:
( رواية ارض زيكولا )
271
– أنا جئت به.. وأنت ستعود به..
فابتسم خالد :
– أكيد مش هلاق صاحب زيك يا يامن..
فابتسم يامن :
– ها أنت قد عدت إلى لهجتك الجميلة يا صديقي ..
– هيا لا تضيع وقتك، وتذكرني دائما، وأنا سأظل هنا لأحكي للصغار أن صديقي
صاحب أغلى كتاب وأغلى قبلة بتاريخ زيكولا.. القبلة التي أنقذت حياته يوم
زيكولا ..
ثم أتي بالحصان إلى خالد، فامتطاه خالد ونظر إليه:
. يامن.. تعلم أن هناك شابا قد يكون أخي بالمنطقة الشمالية.. إن قابلته يوما،
وكان في حاجة إلى مساعدة فلا تتأخر عنه..
فابتسم يامن:
.حسنا..
ثم ضرب مؤخرة الحصان بيده، وصاح:
– هنيا إلى طريقك.. سيعطيك إياد كتابك حين يجدك.. أما أنا سأذهب لأحتفل مع
أهل زيكولا.. أشعر أنني في حاجة كي أرقص مع إحدى الفتيات.. كفاني تلك الجرعة
من الحزن الأوقات السابقة..
***
بدأ خالد يتحرك بحصانه، وينظر إلى يامن الذي يقف مبتسما ويلوح له بيده،
والحصان يتحرك ببطء، وخالد ينظر إلى بيوت المنطقة الشرقية وقصورها التي
عاش بينها لشهور.. حتى اختفى يامن عن أنظاره، وتحرك نحو البحيرة فابتسم ثم
اقترب منها، وترجل ونزل ليشرب من مائها.. ثم امتطى حصانه مجددا، وأمره أن
( رواية ارض زيكولا )
272
ينطلق في طريقه إلى المنطقة الغربية، والشمس تسطع فوق رأسه الحليق .. يتطاير
قميصه مع الهواء، ويسرع حصانه كأنه سهم يشق الطريق نحو الغرب.. بينما
تنطلق أسيل بحصانها خارج زيكولا تجاه بيجانا نحو الشرق.. يسير
كلاهما
في
طريقه، ويبتعد كل منهما عن الآخر.. خالد لا يفكر سوى بكلمات أسيل، وأسيل لا
يدور برأسها سوى خالد.. يبتسم حين يتذكر حديثه إليها عن التلفزيون، وتبتسم
بعدما تذكرت احمرار وجهه حين قتلته.. ينطلق الحصانان كل نحو قدره الذي
اختاره صاحبه، وتتحرك فوقهما الشمس من الشرق إلى الغرب كأنها تراقهما على
ظهر تلك الأرض وهما مجتمعان للمرة الأخيرة، وخالد يسرع ويقلب عينيه بين
صحراء زيكولا وكأنه يودعها، وينظر إلى مناطقها التي يمر عليها ويشير إليها بيده،
وكأنه يخبرها بأنه سيرحل.. وأسيل تغمض عينيها كأنها تتمنى لخالد أن يحقق ما
يريد.. حتى بدأت الشمس في الغروب إيذانا برحيل هذا النهار..
( رواية ارض زيكولا )
***
حل الليل، ووصل خالد إلى أطراف المنطقة الغربية، واتجه نحو البيت الذي
يقصده على الفور، وما إن وصله حتى دلف إليه بحصانه، وهناك وجد إيادا في
انتظاره، والذي صاح:
– لقد سمعت بما حدث اليوم.. هنيئا لك يا صديق .
فابتسم خالد:
– شكرا يا صديقي..
ثم ترجل، وأشار إلى حصانه :
– هذا هو الحصان الذي استأجره بامن.. إنه أسرع حصان رأيته بزيكولا.. لقد
أحسن يامن الاختيار تلك المرة..
فابتسم إياد ثم أخرج كتابه :
– وهذا هو كتابك..
( رواية ارض زيكولا )
273
فابتسم خالد :
– مازلت أدين لك بأجر متابعة حفر النفق..
فضحك إياد:
– لقد أعطاني يامن ذلك الأجر.. لم أطلب الكثير..
فابتسم خالد:
– پامن..
فسأله إياد: هل سترحل الآن؟
فأجابه: نعم
فأكمل إياد:
– لقد قرأت بعض الصفحات من كتابك..
. لقد أسعدك الحظ يا خالد.. إن الليلة بدر أيضا.. سيكون سردابك مضاء.. ثم
نظر إليه وأعطاه مصباحا ناريا:
– وهذا المصباح سيلزمك حتى تمر من نفقنا .
فابتسم خالد :
. حسنا، ولكن عليكم أن تغلقوا طرف ذلك النفق بعد ذهابي..
فقال إياد :
– بالطبع يا صديقي.. إن اكتشف أحد ما فعلناه فسنصبح خائنين لزيكولا..
فوضع خالد يده على كتفه ثم صافحه واحتضنه، ووضع كتابه بين بطنه وبنطاله
أسفل قميصه، واتجه إلى فتحة النفق، ونزل السلم الخشبي بها، وبيده المصباح..
وأشار إلى إياد مودعا له.
***
( رواية ارض زيكولا )
274
بعدها نظر خالد إلى النفق الأفقى فوجده مظلما.. فسمى الله، وبدأ يزحف على
ركبتيه وبيده المصباح، يتحرك مسرعا ويحدث نفس: ليست إلا أمتار وأكون خارج
زيكولا .. يشعر أن نشاطه قد عاد إليه بعدما افتقده الأيام السابقة.. ويكمل
حديثه إلى نفسه:
– أرحل من أجل أسيل.. من أجل جدك.. من أجل يامن، ويواصل زحفه، ويتجنب
الدعامات الخشبية التي تركها من صنعوا هذا النفق.. يتوقف للحظات ليلتقط
أنفاسه ثم يبتسم، ويحدث نفسه مجددا: ما زلنا في البداية يا خالد.. ها.. ثم يكمل
تحركه حتى لمح الفتحة الأخرى للنفق، والنور يتسرب خلالها فأسرع من تحرکه..
يجذبه الأمل نحوها.. هيا يا خالد.. هيا.. إنها لحظات.. هنيا، ويزحف بقوة، حتى
وصل إلى تلك الفتحة، وقفز إلى خارجها، وما زال مصباحه بيده حتى وجد نفسه
بأرض رملية يظهرها نور البدر الذي يسطع بالسماء، والتفت ليدق قلبه بقوة حين
وجد سور زيكولا بشموخه خلفه.. فصاح فركا :
– أنا خارج زيكولا .. أنا خارج زيكولا ..
وظل يعود بقدمه خطوات للخلف، وينظر إلى سور زيكولا وإلى ارتفاعه الشاهق
الذي طالما كان عائقا له.. حتى انزلقت قدماه في الرمال فجأة، وسقط على ظهره ،
وسقط المصباح بعيدا عنه، ومالبث أن مد يده كي يلتقطه حتى وجد جسده
يسقط بحفرة وسط الرمال، وظل جسده يهوى لأسفل، ويرتطم بجدران تلك
الحفرة، وهوى أكثر فأكثر دون أن يتوقف، وأمسك برأسه التي ارتطمت كثيرا،
وبدأت الدماء تنزف منها.. حتى بدأت حركته تقل شيئا فشيئا ثم توقف جسده عن
الارتطام لينظر أمامه ليجد نفقا ممهدا يتجه بانحناء لأسفل ولأحد الاتجاهات
سرع به يجري.. الطريق يأخذه لأسفل، ولا يفكر بشيء سوى أن يسرع به.. يريد
أن يصل إلى ما يريده.. يعلم أن انحناء الطريق لأسفل ربما لسبب لا يعلمه.. إنه
صمم كذلك.. ربما كان سببا كي يحتوي فرعي زيكولا بالكامل.. أو ربما كانت هناك
فروع أخرى.. يتحدث إلى نفسه، وتدور بعقله تفسيرات لا يأبه بها كثيرا.. حتى سقط
( رواية ارض زيكولا )
275
وتدحرج بجسده مجددا فابتسم ونهض ، وأكمل عدوه ، وكلما سقط تدحرج جسده
قليلا ثم ينهض مجددا، ويكمل عدوه، وظل يواصل طريقه، والوقت يمر.. وإن
أصابه التعب وقف للحظات كي يلتقط أنفاسه ثم يسرع من جديد، ويحدث نفسه
اليحفزها:
– ها يا خالد.. لم يعد سوى القليل ..
حتى زاد تعبة للغاية فجلس، وأسند ظهره إلى جدار، ومسح بذراعه حبات العرق
التي أغرقت جبينه.. ثم نهض وسار بضع خطوات حتى وجد صورة تشبه الصورة
التي وجدها حين نزل السرداب لأول مرة، والصورة التي نقشت على سور زيكولا
بالمنطقة الغربية فوقف أمامها، وابتسم:
– فوريك..
وما إن مر أمامها حتى شعر بذات الهزة العنيفة التي حدثت من قبل حين عبر
السرداب للمرة الأولى، ونظر خلفه ليجد جدران السرداب قد بدأت في الانهيار..
فابتسم وبدأ يعدو.. يسرع.. والجدران تنهار من خلفه.. تخطو قدماه مسرعة..
يعلم أن الانهيار من خلفه يدفعه لطريق مقصود.. يسرع ويخشى أن يطوله الانهيار
فتتحطم معه أماله.. هيا يا خالد.. يحفز نفسه.. هنيا.. حتى بدأ الصوت يقل من
خلفه، وهدأت الحركة العنيفة، ولم تعد هناك انهيارات للجدران، وما إن نظر
أمامه حتى وجد نفسه في طريق للسرداب أكثر اتساعا، وجدرانه منقوشة بنقوش
كثيرة.. فصاح :
– سرداب فوريك.. سرداب فوريك الأساسي..
وأسرع به، ترتطم قدماه بالهياكل العظمية المنتشرة بأرضيته، وأكمل جريه حتى
وصل إلى سلمه الطويل فأسرع إليه وصعد درجاته.. يخطو العديد منها بخطوة
واحدة منه.. يحدث نفسه.. لم يعد سوى القليل يا خالد.. يصعد ولا ينظر خلفه..
ينظر إلى درجات السلم المتبقية، ويخطوها مسرعا.. حتى وصل إلى أعلاه فتوقف
( رواية ارض زيكولا )
276
وانحنى ليمسك ركبيته ليلتقط أنفاسه، وكأنه يفكر، ويتذكر يوم نزوله السرداب
للمرة الأولى، وحدث نفسه بصوت يسمعه:
. ها أنا قد مررت من السرداب..
الأن النفق ..
عليك أن تسرع يا خالد.. لا يوجد هواء بالداخل ..
ثم صمت وأكمل:
– ولا توجد إضاءة.. عليك أن تتذكر جيدا كيف كان مسارك بهذا النفق..
ثم أغمض عينيه، وكأنه يتذكر ثم فتحهما، ونظر إلى الفتحة ذات ألواح الخشب
المتكسرة، والتي تصل سرداب فوريك بالنفق المظلم.. وسمى الله ثم ملأ صدره
بالهواء، وأسرع إليها فوجد الظلام يسود بداخله، وأسرع يزيح شباك العنكبوت
التي تملؤه، ويسرع، ويتذكر في لحظات طريقه حين نزله.. يسرع في الظلام، وكلما
وجد طريقه خاليا يتقدم أكثر.. ويتحرك كأنه يغطس بأعماق محيط.. تحركه كمية
الهواء التي التقطها منذ دخوله بعدما لم تكف فتحة هذا النفق لتدخل المزيد من
كثافة شباك عناكبه، كأنه صممم ليكون قبرا للاختناق حتى لو لم يكن
مغلقا بالكامل، وبدأ يشعر بالاختناق، ولكنه أكمل طريقه، وتسارعت أنفاسه،
ودق قلبه مسرعا، وبرزت عيناه حتى ارتطمت قدماه بشيء صلب، وحين تحسسه
أدرك أنه سلم النفق فصعد درجاته على الفور حتى اصطدمت رأسه ببابه
الفولاذي الذي قد أغلق حين انكسر اللوح الخشبي، فبدأ يدفعه بقوة.. يعلم أنه
يستطيع ذلك.. يدفعه ويحاول أن يرفعه.. يحفز نفسه، وأخرج ما لديه من هواء :
– ها يا خالد.. ها..
ويضغظ على أسنانه، ويدفع بكتفيه.. حتى بدأ الباب يرتفع قليلا، واندفع الهواء
إلى صدره:
– ها يا خالد ..
( رواية ارض زيكولا )
277
حتى ارتفع الباب بأكمله، وقفر خالد إلى خارجه، وسقط بجواره وصدره يعلو
وينخفض مسرعا.. وصاح:
– أنا رجعت..
وأمسك برأسه وكأنه لا يصدق نفسه.. يجلس بجوار الباب الفولاذي، وينظر إليه
ويتحسس وجهه كأنه يتيقن أنه ليس نائما.. ثم ينظر إلى ملابسه الزيكولية،
ويتحسس رأسه ليجده حليقا فأدرك أنها حقيقة.. ثم أغلق باب النفق من جديد ،
وأسرع إلى الخارج فوجد الظلام يسود السماء ثم عبر السور العالي الذي يحيط
بالبيت المهجور، وما إن عبره حتى سمع ا أذان الفجر يهز كافة أرجاء بلدته.. الهو
فريك.. فابتسم، وبدأ يكرر الأذان كلما سمع كلماته، وأسرع بين شوارعها الحالية،
وكلما رأى أحد الأشخاص يمر.. حاول أن يختبئ حتى لا يراه بهذا الزي.. حتى اقترب
من بيته، وما إن وصل إليه، ودق الباب بقوة حتى وجده مفتوحا قليلا فأدرك أن
جده قد فتحه كعادته مع حلول الفجر ثم دلف إليه فوجد جده يصلي الفجر
جالا، ويعلو صوته بأيات من القرآن فجلس خلفه في انتظاره، وتساقطت دموعه
دعاءه بأن يعود إليه سالما حتى انتهى والتفت فوجد خالدا خلفه
فتسارعت أنفاسه وكأنه لا يصدق نفسه، واحتضنه بقوة ودمعت عيناه ، أما خالد
فبكى كثيرا حين احتضنه، وكأنه لا يصدق نفسه هو الآخر، وظل يحتضنه ويمسح
رأسه بكتفه، ويبتسم بينما يرتشف دموعه:
. كنت بقولك هرجع
لك يا عبده.. قلت لك إني هرجع..
ثم سقط، وكأنه قد فقد وعيه..
حين سمع
***
( رواية ارض زيكولا )
278
ظل خالد نائما، وبدا عليه أنه لم ينم لأيام طويلة، وبجواره جده.. يجلس لينظر
إليه، وقد بدل له ملابسه، ولم يرد أن يفتح كتابه الذي أحضره معه إلا بعدما
يخبره بما حدث له أولا، ومر يوم كامل دون أن يستيقظ، حتى نهض فوجد جده
بجواره، ومعه صديقه العجوز – مجنون السرداب – الذي كان أول من يخبره عن
حقيقة سرداب فوريك، وما إن رآه قد فتح عينيه حتی صاح:
. خالد محي
فابتسم خالد وقال:
– لابد أنكم قد أصابكم القلق..
فاندهش الرجل مما سمعه فضحك خالد :
– عارف إن لهجتى أوقات بتتغير.. بس قريب أوي هستعيد لہجة اليو فريك..
فقاطعه جده
– يلا يا خالد.. احلي لنا اللي حصل لك .
ثم تدخل الرجل :
– انت نزلت السرداب فعلا؟
فابتسم خالد وسألهما :
– من أين تريدان أن أبدأ قصتي؟
ثم بدأ يحكي عما حدث له منذ نزوله ذلك النفق أسفل البيت المهجور بالقرية،
وما حدث له به، ونزوله إلى سرداب فوريك الحقيقي، وتلك الصورة به، وما به من
هياكل عظمية ثم خروجه إلى أرض زيكولا، وظل يحكي لهما، وهما يستمعان إلى كل
كلمة يقولها.. يحدثهما عن قوة تلك المدينة، وعن أهلها وعن طقسها الذي يبدو
ثابتا مع تغير فصول العام.. وعن عمله هناك، وعن يوم زيكولا ، وعن يامن وأسيل،
وعن رحلته خلف هذا الكتاب الذي يوجد بين أيديهم، ولكنه آثر ألا يخبر جده بأن
( رواية ارض زيكولا )
279
أباه قد قتل كي يرثه ابنه.. بل إنه لم يذكر سيرة أبيه أو أخيه على الإطلاق، وأثر أن
يحتفظ بهذا السر خشية أن يسبب مزيدا من الحزن لجده، وظل يحكي ويحكي،
وتمر الدقائق وتتبعها الساعات، ولم يتركاه دون أن يسألاه عن تفاصيل كل جملة
يقولها.. حتى انتهى فنظر إلى جده وصاحبه وقال:
– أريد أن يظل حديثنا هذا سرا بيننا..
فاندهش صديق جده :
– وليه منقولش للناس كلها.. انت بطل
فأجابه خالد:
– لن يصدقك أحد.. لن يقولوا بطلا.. سيقولون مجنونا..
فقاطعه الرجل:
– الكتاب أحسن دليل ..
فابتسم خالد:
– سيقولون إنك أحضرت الكتاب من مكان آخر.. أريد فقط أن يظل هذا السر
بيننا.. أريد كما أن تعداني بذلك…
کیا اور اس کا
فابتسم جده:
. حاضر..
وابتسم الرجل:
– وأنا كمان بوعدك .
ثم ضحك جده :
– أكيد مني هتفرح لما تعرف إنك رجعت.. دي على طول كانت بتسأل عليك، وعمرها
ما سابتني لوحدي..
( رواية ارض زيكولا )
280
فسأله خالد:
– هي متجوزتش؟!
فابتسم جده : لا
ثم
أكمل :
– منی بندي لأبيها دروس من جديد .. زي اللي بترد له كل اللي عمله فيك.. كل ما
يتقدم لها عريس ترفض.. وتبوظ الجوازة لأي سبب.. وحلفت قدام الناس إنها مش
هتتجوز .
فابتسم خالد:
– أكيد طالعة مجنونة لأبوها..
فابتسم جده :
– هي مش هتتجوز إلا انت يا خالد..
فابتسم خالد :
– لكني لا أريد الزواج الأن ..
حتى فوجئوا بمنى تدخل إليهم فجأة، ونظرت إلى خالد في سعادة:
– خالد.. أنا عرفت إنك رجعت
فابتسم خالد:
– نعم ..
فأكملت:
– أنا مبسوطة أوي إنك رجعت..
فابتسم :
( رواية ارض زيكولا )
281
– شكرا مغي.. أشكرك إنك كنتي بجوار جدي تلك الفترة ..
فضحكت منی:
– انت بتتكلم كدة ليه؟ .. هو السفر أثر على كلامك ولا إيه؟
فضحك خالد:
– نعم –
( رواية ارض زيكولا )
ثم نهض جده، وصاحبه، وتركاهما فابتسمت منی:
– أنا حلفت لأبويا إني مش هتجوز الا انت.. وإن متجوزتکش مش هتجوز طول
عمري واللي بعمله بعمله
فصمت خالد دون أن يرد فتابعت :
– خالد.. أنا مش شايفاك فرحان بكلامي ليه.. انت حبيت حد تاني وانت مسافر؟
فابتسم خالد:
– منی.. أنا رجعت من السفر زي ما أنا.. اعتبريني هبدأ من جديد .
فابتسمت :
.. وأنا موافقة نبدأ سوا..
فنظر إليها خالد في هدوء:
– أرجوكي يا منی.. محتاج شوية وقت عشان أرتب أموري..
فظهر الحزن على وجهها وهمت للمغادرة:
– حاضر يا خالد.. ثم غادرت .
– خلاص..
( رواية ارض زيكولا )
***
( رواية ارض زيكولا )
282
و ذلك النجم..
كان خالد يعلم أن من تحبه، ولكنه أراد ألا يتسرع في حديثه معها، وأراد أن يتحقق
من مشاعره تجاهها، وخاصة أنه لم يفق بعد مما حدث له بزيكولا وبعده عن
أسيل، وعزم على أن يجد عملا يحقق له ذاته، وظل يبحث عن عمل ملائم
الدراسته، وذهب إلى أماكن كثيرة.. يبحث عن عمله دون أن يصيبه تعب أو ملل،
ويبتسم حين تضيق الدنيا أمامه، ويحدث نفسه دائما: لابد وأن هناك أملا.. ماذا
بعد نجاتي من الموت قبل لحظات.. يبحث نهارا ويعود إلى شرفة بيته ليلا ليتأمل
سماء بلدته بحثا
أسيل.. حتى يغلبه النعاس فيظل نائما لتشرق
شمس اليوم الذي يليه.. واستمر في بحثه عن عمل لمدة أيام وأيام، وامتدت
الأسابيع.. حتى وجد عملا بإحدى فروع شركة كبرى بمدينة المنصورة، ومرت
شهور، وهو يعمل ويشعر بذاته في ذلك العمل، وكلما واجهته مشكلة قابلها
بابتسامة يحسده عليها زملاؤه.. وتزداد بسمته حين يعود إلى بيته فيجد جده يقرأ
بكتاب سرداب فوريك الذي لم يتركه إلا لحظات قليلة منذ عودته، ويطلب منه أن
يخبره بالمزيد مما حدث له بزيكولا .. فيحكى له الكثير والكثير .. ويسأله بعد انتهائه
ألا يخبر أحدا بذلك.. حتى جاء في يوم، وعاد إلى جده مبتسما :
– يلا يا عبده.. انت مش عايز حفيدك يتجوز؟
فنظر إليه جده فتابع خالد:
– إحنا هنروح للمرة الأخيرة نخطب مني .. والله أبوها وافق هتجوزها.. ولو
موافقش.. هتجوزها برضه ..
فابتسم جده، واتجه معه إلى بيت والد منی، واندهش خالد حين وجده قد تغير
تمام التغير، وقابلهما بكل حفاوة وتقدير، وما إن تحدث جد خالد بأنه أن
يطلب يد مني لخالد حتى نطق والدها بترحيب:
– يلا نقرأ الفاتحة..
.
( رواية ارض زيكولا )
283
فابتسم خالد، وابتسمت مني التي كانت تقف أمام باب الحجرة، وعلت الزغاريد
ببيتها، ونهض خالد ليحتضن والدها ثم احتضن جده، وحددوا موعدا قريبا
الإقامة عرسهما..
***
مرت أيام كثيرة، ومرت أسابيع وتبعتها بضع شهور، وخالد يعمل بقوة كي يستعد
اليوم عرسه.. حتى جاء ذلك اليوم، الرابع عشر من سبتمبر، وعلقت الأنوار أمام
بيته، واجتمع الكثير من الأهالي ليهنئوه ويهنئوا جده بهذا العرس، وحل الليل، وبدأ
حفل الزفاف، وكان حفلا رائعا تراقص به من يعرفون خالد ومني ومن لا
يعرفانهما، وخالد ينظر إلى الجميع، وتتشابك ذراعه بذراع مني التي ظلت تهمس
إليه طوال الاحتفال دون أن يسمع أي شيء، ولكنه كان يهز رأسه مبتسما دون أن
يدرك عما تتحدث.. حتى انتهى الاحتفال، ودلفا إلى شقتهما، وامتلأ وجه مني
بالخجل بعدما دلفا إلى حجرة نومهما فضحك خالد ثم ضحكت مني، ونظرت إليه
وقالت :
– خالد.. باين إننا هنبتدي المشاكل من دلوقتي.. خالد.. الشقة حر أوي.. أنا عايزة
تكييف ..
فضحك ولم ينطق ثم اتجه نحو شرفة الغرفة، وفتحها كي يندفع الهواء إليها حتی
نظر إلى السماء فدق قلبه بقوة حين وجد ذلك النجم اللامع وحيدا مميزا بها،
وهمس إلى نفسه في ذهول:
– أسيل !!
فأكملت مني، وهي تجلس بفستان زفافها على سرير الغرفة:
– خالد.. أنا نفسي نقضي شهر العسل في أي مكان..
فابتسم بعدما سمع كلماتها ثم نظر إلى النجم مجددا، وأطال نظره تلك المرة كثيرا
وكأنه يفكر.. ثم نظر إليها :
( رواية ارض زيكولا )
284
– أنا كمان كنت بفكر إننا نقضي شهر العسل في مكان مختلف تماما ..
ثم أكمل مبتسما:
. إيه رأيك في مكان التعامل فيه مش بالفلوس؟
فاندهشت مني، وسألته:

– أومال بإيه؟!
فضحك ثم اقترب منها، وهمس إليها:
– هتعرفي لما نروح هناك..
تمت بحمد الله
***
( رواية ارض زيكولا )
285
شكر خاص
أود أن أقم بالغ شكري إلي (جروب) عصير الكتب ومشرفيه
وأعضائه ولاسيما عضويه: “أدهم میلانو، ووسام كرم” الذين لعبا
دورا لن أنساه الانتشار هذا العمل..
المؤلف
( رواية ارض زيكولا )
287
إصدارات أخرى للدار:
الروحاني: أحمد الملواني
مش من هنا: نوره واصف
رحلة ل 100 عبيط: عمر عباس
كيغار: منى سلامة
ليل
إيماجو: دعاء عبد الرحمن
اكتشفت زوجي في الأتوبيس: دعاء عبد الرحمن
( رواية ارض زيكولا )
288

الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور في حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية: بلّغ عن الكتاب أو من خلال  أتصل بنا

اترك تعليق